موسيقى الذكاء الاصطناعي AI Music
نقد وتحرير د.أسامة عفيفي
بعد خوض عدة تجارب مع الذكاء الاصطناعي في مجال الموسيقى سنحاول تلخيص ما تم رصده من قدرات وإنجازات، وبيان مدى نجاحه وفيم نجح وفيم فشل
1. مجالات ناجحة
ا. التوزيع
وضع توزيع موسيقي جديد لموسيقى من إبداع بشري
تقريبا هذا هو أفضل مجال لتوظيف الذكاء الاصطناعي كوسيط مساعد يستطيع وضع توزيعات مختلفة لنفس الموسيقى، بهذا يمكنه القيام بدور الموزع الموسيقي وأن يحل محله.
مع هذا يجب الانتباه إلى أنه يأتمر بأوامر بشرية من ناحية اختيار نوع الموسيقى، ثم الحكم على النتيجة من حيث مناسبتها للموسيقى، أي أن الحكم النهائي محدد برؤية إنسانية، مع الأخذ في الاعتبار احتمال الخطأ البشري في تحديد نوع الموسيقى المطلوب
على سبيل المثال يمكننا إعطاء أمر بتنفيذ توزيع جديد لمقطوعة موسيقية من قالب المارش في نفس القالب وغالبا ستكون النتيجة مرضية. لو أعطي الأمر بتغيير القالب إلى موسيقى شعبية ستكون النتيجة مضحكة
لن يستطيع الذكاء الاصطناعي الإفلات من القالب الذي حددناه له كما أنه لن يستطيع الضحك أو استنكار النتيجة كما يفعل البشر. من هنا يجب النظر إلى هذه التكنولوجي على أنها أداة منفذة للأوامر فقط ولا تملك الحكم على جودة النتائج
هكذا سيظل دور الموسيقي المبدع رائدا في اختيار النموذج المناسب لموسيقاه وسيكون عليه القيام بأكثر من تجربة ثم اختيار أفضلها لتقديمه إلى الجمهور
ب. الإحساس الموسيقي
استشعار الإحساس في أداء الجمل الموسيقية، سواء في اللحن، الميلودي، أو في أداء الآلات المنفردة مثل الكمان، بقدرة تصل إلى حد الإحساس الإنساني، بناء على نماذج مأخوذة أصلا من تسجيلات حية. ولا شك أنها تعتبر قدرة عالية، ولو أن هذه الخاصية وجدت في برامج موسيقية سابقة لظهور الذكاء الاصطناعي عن طريق توظيف عينات مختارة من أصوات الآلات الموسيقية، ولكن الجديد فيها هو ربط الإحساس بالميلودي أيضا وليس فقط بالآلة
كيف يعمل الذكاء الاصطناعي في الموسيقى
1. أول ما يقوم به البرنامج هو تخصيص إمكانيات التوزيع المناسب مما تضمه خزائنه حسب نوع الموسيقى المحدد له، غير أن التوزيع غالبا يكون غالبا توزيعا آليا للآلات أكثر منه توزيعا شاملا يستخدم الهارموني والكاونتربوينت
2. ثاني ما يقوم به فحص الموسيقى المقدمة له لرصد عدة عناصر
- الإيقاع، فإن لم يكن الإيقاع موجودا أو ظاهرا سيضع إيقاعا مناسبا من خزينته
- الجملة المميزة أو "التيمة الموسيقية" لإظهارها وتأكيدها بتكرارها مع اختلاف توزيعها في كل مرة
- الزمن الكلي للمقطوعة، بصرف النظر عن زمن الموسيقى الأصلية هناك سقف زمني محدد سلفا يلتزم به حتى لو أدى ذلك إلى إهمال أجزاء من الموسيقى
3. وضع التوزيع المناسب لكامل المقطوعة
4. وضع جملة النهاية
ج. الأغاني
- إمكانية تغيير صوت المغني بصوت مخلق من بصمة صوتية لمغن آخر
- إمكان تغيير الكلمات بنص آخر يعتمد على وصف لموضوع الأغنية
- الاحتفاظ باللحن الأصلي
- وضع توزيع جديد للحن الأصلي
- التنبؤ بلحن كلمات في النص ليس موجودا في اللحن المقدم إليه، بمعنى أنه إذا فقد جزء من اللحن الأصلي يمكن وضع لحن قريب جدا من اللحن المفقود إذا قدمت إليه الكلمات فقط، وهذه علامة من علامات الذكاء الحاد
- استشعار الإحساس في الأداء الصوتي من مزيج اللحن والكلمات، وهذه أيضا علامة علامات الذكاء الحاد، وهي موجودة أيضا في موسيقى المقطوعات كما ذكرنا. وفي تقديرنا أن تسمية "الذكاء الاصطناعي" تصبح صادقة كلما اقتربت قدرة معينة من مستوى ذكاء الإنسان، خاصة في خاصية معنوية كالإحساس
- إضافة مقاطع لحنية مناسبة إلى اللحن الأصلي مثل مقدمة قصيرة أو مقطع غنائي يغنيه كورس غير موجود في الأصل
- وضع توزيع موسيقي للحن غنائي منفذ بمصاحبة آلة واحدة مثل العود
- وضع إيقاع مناسب للحن مغنى بدون مصاحبة الإيقاع
- إعادة إخراج الموسيقى أو اللحن القديم بصورة تبدو عصرية باستخدام أدوات حديثة مثل الآلات أو تقنية التسجيل
2. مجالات فاشلة / أخطاء
- إضافة جمل لحنية بعيدة عن صميم الموسيقى الأصلية
- وضع إيقاعات غريبة عن الإيقاع الأصلي
- استخدام أصوات آلات موسيقية غير مناسبة للموسيقى
- تجاهل جمل أو فقرات رئيسية في اللحن الأصلي
- أخطاء في قراءة النص المكتوب
- أخطاء في قراءة الموسيقى الشرقية التي تستخدم ربع أو ثلاثة أرباع التون، واستبدال مقامات نصفية بالمقامات الربعية مما يحدث تغييرا جذريا ويوحي بعدم القدرة على تمييز المقامات الشرقية. ونقول يوحي بذلك لأنه في أحيان أخرى يتعرف على المقام الشرقي ويؤديه بكفاءة، ولكن حيث لا توجد قاعدة لذلك فالنتيجة غير مضمونة ولا يمكن التنبؤ بها
- عدم قابلية المنتج الموسيقي الجديد للإصلاح أو التعديل، والطريقة الوحيدة لتفادي الأخطاء غير المقبولة هي إعادة طرح الموسيقى الأصلية مع طلب توزيعها من جديد بنموذج جديد ربما يخلو من الأخطاء
في هذه المجالات غالبا لن يقبل صاحب الموسيقى أو اللحن هذه الممارسات وقد يعتبرها عبثا لا يستحق غير سلة المهملات. وإذا حصل على نفس النتيجة بعد عدة تجارب قد يفضل العودة إلى الأصل للمحافظة على روح موسيقاه وطبيعتها
3. مجالات مستحيلة
- الإبداع الذاتي: أي ابتكار موسيقى جديدة من خيال صناعي دون إمداده بمعطيات بشرية مثل نص مكتوب أو صور أو مادة موسيقية يمكن البناء عليها
- الحكم على جودة المنتج النهائي، فهذه مهمة بشرية محضة
- اختيار الأفضل من عدة نماذج موسيقية، وهذه أيضا مهمة بشرية خالصة
انطباعات أخرى
- يبدو أن الذكاء الاصطناعي الموسيقي ليس طفرة دون جذور وإن بدا كذلك، بل تم تطويره بناء على خبرات العديد من البرامج السابقة، وهو تطور طبيعي في كل برامج التكنولوجي، وأن ما يتوافر من نماذجه الآن قابل للتطوير أكثر في المستقبل
- أصبح للذكاء الاصطناعي أسلوب وأدوات خاصة به بحيث يمكنه التعرف على نوع الموسيقى المقدمة إليه وهل هي من صنعه أم من صنع بشر، وذلك برصد ذلك الأسلوب وتلك الأدوات في المنتج المقدم. على أن هذه الخاصية يمكن أن تسير في اتجاه معكوس، بمعنى أن الموسيقي المتمرس قد يمكنه التمييز بين ما هو إبداع إنساني وما هو فن آلي مصطنع
- يبدو أيضا أن هناك موسيقات تم إنتاجها وتقديمها للجمهور في الماضي على أنها صناعة إنسانية، ربما قد تم تخليقها بواسطة برامج موسيقية سابقة لظهور الذكاء الاصطناعي لكنها ساهمت في تطويره خلال مراحل تكوينه. من هذه النماذج الإيقاعات الجاهزة والتوزيع الآلي وحرفية الأداء الموسيقي والغنائي وجودة التسجيل
- رغم قدرة الذكاء الاصطناعي على تخليق عمل موسيقي جديد من فكرة مكتوبة أو صورة أو غير ذلك، فإن الفنان الحقيقي لن يسعد بحصوله على موسيقى لم يبدعها أو لحن لكلمات لم يضعه بنفسه. وغالبا لن يرحب بذلك إلا غير الموهوبين أو من المخرجين والمنتجين الذين يودون توفير كلفة أجور الموسيقيين والفرق والاستديوهات