كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2009

بليغ حمدي 1934 - 1993

بليغ حمدي ملحن موهوب قدم ألحانه بصوت العديد من المطربين والمطربات على رأسهم أم كلثوم وعبد الحليم حافظ. بدأ بليغ مشواره الفني في أوائل الخمسينات من القرن العشرين فلحق بقطار الملحنين الجدد بعد جيل الرواد الكبار. وبلغ انتشار بليغ حمدي أوجه في السبعينات حيث ذاعت ألحانه لأم كلثوم وعبد الحليم وخلقت له سوقا رائجا بين المطربين حتى لحن لمعظمهم ، وبالإضافة إلى أصوات شادية ووردة ونجاة ومحمد رشدي كان هناك ربما عشرات من الأصوات الأخرى باختلاف حظها من الشهرة تغني من ألحان بليغ فقارب إنتاجه 1500 لحن
ولد بليغ حمدي في 7 أكتوبر 1934 لوالده عبد الحميد سعد الدين أستاذ الفيزياء بجامعة القاهرة. التحق بكلية الحقوق ومعهد الموسيقى العربية في نفس الوقت ، وتم اعتماده بالإذاعة بعد تخرجه كمطرب ثم كملحن للمطربة فايدة كامل ومن وقتها تفرغ للتلحين وترك الغناء
بليغ وعبد الحليم - بدايات
تخونوه ، كلمات اسماعيل الحبروك
خايف مره أحب - كلمات مأمون الشناوي
خسارة - كلمات مأمون الشناوي
تخونوه - غناء عبد الحليم - كلمات اسماعيل الحبروك

في هذه المجموعة يقدم بليغ نفسه كملحن ينتمي إلى جيل شباب الملحنين كمال الطويل ، محمد الموجي ومحمد فوزي ، بالتالي كانت ألحانه في الخمسينات تحمل بصمات تلك الفترة والتي كان من أهم خصائصها:
1. الابتعاد عن الطرب بأسلوبه القديم
2. استخدام الميكروفون لتوصيل الصوت بدلا من الصوت البشري القوي ، أو بعبارة أخرى استبدال الحناجر الحساسة بالحناجر القوية في الغناء ، واستلزم هذا التغير تغييرا في صياغة الألحان
3. الاعتماد على الجمل الموسيقية القصيرة والألحان الخفيفة
4. استخدام الأوركسترا الشرقي المحدث مكان التخت الشرقي القديم
5. سيادة الأغنية الرومانسية
6. مخاطبة جمهور الطبقة المتوسطة كمستمع أساسي بالكلمات واللحن والأداء
تجربة الأغاني القصيرة – الستينات
التــوبة: كلمات عبد الرحمن الأبنودي
سـواح: كلمات محمد حمزة
على حسب وداد: كلمات صلاح أبو سالم
التــوبة - غناء عبد الحليم - كلمات عبد الرحمن الأبنودي
قبيل تقديم هذه المجموعة أعلن بليغ مقدما أنه وعبد الحليم سيقدمان نوعا جديدا من الأغنية هو الأغنية القصيرة ذات الثلاث دقائق ، حيث كانت الأغنية وقتها تستغرق عشر دقائق في المتوسط ، لكن هذا التقديم لم يتحقق فكلها طالت بكثير عن الدقائق الثلاث. لكن الأغنيات الثلاث احتفظت بسمة مشتركة وهي أنها كلها مشتقة من ألحان فولكلورية جاهد بليغ لاكتشافها وتنقيحها ومن ثم تقديمها في قالب عصري ، ساعده في ذلك مؤلفو تلك الأغاني الذين أضافوا إلى كلمات الفولكلور الأصلي من أجل صناعة أغنية جديدة كاملة

ولنتأمل مذاهب هذه الأغنيات قليلا:
التوبة: "أنا كل ما اقول التوبة يا بوي ترميني المقادير يا عين"
سواح: "إن لقاكم حبيبي سلموا لي عليه"
على حسب وداد: "على حسب وداد قلبي يا بوي راح اقول للزين سلامات"
ولم تكن الكلمات فقط هي المأخوذة من الفولكلور وإنما أخذت بألحانها الشعبية الأصلية وأدمجت في أغان عصرية بطريقة مبتكرة وجذابة أحبها الجمهور وأقبل عليها ، ونظرا لبساطة وجاذبية الجمل الميلودية الأصلية مع أصالة كلماتها كرافد شعبي استمرت في وجدان الجمهور لمدة طويلة وربما لليوم
سـواح - غناء عبد الحليم - كلمات محمد حمزة 
ولا شك أنها كانت لفتة ذكية من بليغ الذي قدم مثل هذه الأغنيات مع مغنين آخرين مثل شادية ووردة ومحمد رشدي. ويمكن أن نلاحظ أن هذا الاتجاه إلى جذور الفن الشعبي سار فيه فنانون آخرون ولحقه اتجاه مواز إلى جذور الفن العربي القديم خاصة الموشحات فيما يمكن وصفه إجمالا بحركة العودة إلى الجذور 
من الناحية الفنية جاءت أغنية "التوبة" نموذجا مختلفا تماما عما كان يقدمه بليغ في السابق وأسلوبا جديدا في معالجة الفولكلور ، وكانت نقلة نوعية وخطوة للأمام بفضل سرعة الإيقاع والتوزيع الموسيقي الشيق واستخدام مقام الحجازكار في الغناء وهو مقام يتميز بشرقية أنغامه رغم عدم احتوائه على أرباع التون كما أنه غير مطروق نسبيا بالنسبة للغناء عامة في ذلك الوقت
وليته استمر على ذلك المنوال لكنه سرعان ما تخلى عنه في الأغنيتين التاليتين لصالح التلحين التقليدي، ثم دخل بعد ذلك في مشروعات الأغاني الطويلة لعبد الحليم والتى تعتبر بالنسبة للحن التوبة خطوة للوراء فيما عدا لحنين هما "أعز الناس" و"موعود". وحتى في هاتين لم يكن التطوير إلا جزئيا ، وفي موعود بالذات نسمع خليطا من الفولكلور في المذهب "ميّل وحدف منديله" وجزء غاية في الحداثة في "تاني تاني تاني" ثم اللحن التقليدي في الكوبليه الأخير "ابتدا المشوار"
أغنيات وطنية لعبد الحليم
عدى النهار: كلمات عبد الرحمن الأبنودي
فدائي: كلمات عبد الرحمن الأبنودي
البندقيه اتكلمت: كلمات محسن الخياط
عاش اللي قال: كلمات محمد حمزة
عدى النهار - غناء عبد الحليم - كلمات عبد الرحمن الأبنودي
اشتهر على وجه الخصوص من هذه المجموعة أغنيتان هما "عدى النهار" و "سكت الكلام والبندقية اتكلمت" وقد غناهما عبد الحليم بعد حرب 1967 وأثناء حرب الاستنزاف. وأغنية عدى النهار خاصة تشكل وقفة هامة في الضمير الفني للمجتمع ، فهى أغنية حزينة تعبر عن صدمة الهزيمة المفاجئة بكلمات موجعة تقول: "وبلدنا على الترعة بتغسل شعرها .. جانا نهار ماقدرش يدفع مهرها"
عندما قابلت الأبنودي في الإذاعة بعدها بسنوات ، كان قد غير كلماته وأغانيه وغلب على أشعاره الطابع الغنائي التجاري ، سألته مباشرة: هل أنت الذي كتب عدى النهار؟ أدرك الرجل أنني لم أقصد السؤال حرفيا لكنه قال نعم أنا اللي كتبتها ، ثم تأكد له ما قصدت عندما سألته: طيب إيه اللي حصل؟ قال: "كل وقت وله أذان ، الدنيا اتغيرت والناس اتغيرت والوقت اتغير ، والكلام كمان اتغير"..!
الأغانى الطويلة: الستينات – السبعينات
أغاني الهوى
جانا الهوى - كلمات محمد حمزة
زى الهوا - كلمات محمد حمزة
الهوى هوايا ،- كلمات عبد الرحمن الأبنودي
رغم انتشار أغاني هذه المجموعة لم تتحقق لها أية ريادة من الناحية الفنية فقد كانت ألحانها في الأغلب عبارة عن "تشكيلة" من الأنغام استخدمت فيها إيقاعات فجة وجمل لحنية غير مترابطة وافتقرت إلى الجماليات التعبيرية والإحساس بصفة عامة ، وبلغت من التعقيد والتطويل حد الملل أحيانا واشتركت جميعها في استخدام غناء الكورس الصاخب
لم تكن هذه الأغاني مناسبة للوقت الذي قدمت فيه أيام حرب الاستنزاف بعد حرب 1967 ، ولم يكن متوقعا أن يقدم بليغ وعبد الحليم على تقديم سلسلة من الأغاني الصاخبة والحرب لم تضع أوزارها بعد ، ولم يشفع لهما تقديم أغان وطنية وسط هذه الموجة من اللامبالاة بما يحدث للناس وللأرض ، حيث تعود الناس من عبد الحليم مشاركته بالغناء في الأحداث الوطنية بما أسهم كثيرا قبل ذلك في التعبئة ورفع الروح المعنوية
موعود - غناء عبد الحليم - كلمات محمد حمزة 

لأغنية موعود مكانة خاصة وسط ألحان بليغ حمدى لأنها قدمت نموذجا شيقا في التلحين في أكثر من مقطع
1. الكوبليه الأول الذي يبدأ بالكلمات "تاني تاني تاني .. راجعين انا وانت تاني .. للنار والعذاب من تاني"، يستمر اللحن على إيقاع اللازمة الموسيقية بدون توقف ، صحيح أنه لم يستمر طويلا لكنه أدى الغرض من ناحية التجديد ، لم يكن هذا النموذج تماما من ابتكار بليغ ، فقد سبقه عبد الوهاب في ذلك، لكن لبليغ فضل استخدامه لأنه ينطوي على حركة تحديث عزف عنها كثير من الملحنين التقليديين، وقد حذا الموجي حذوهما في قصيدة قارئة الفنجان في المقطع:"بصرت ونجمت كثيرا.."
2. فى اللازمة الموسيقية لنفس الكوبليه يستخدم بليغ أسلوب التصاعد الصوتي "الكريشندو crescendo" بتمكن تام وبطريقة أخاذة، وهو أسلوب لم تعتده الأذن العربية ، لكن مرة أخرى لم يكن بليغ أول من أدخل هذا الأسلوب ، فقد استخدمه أيضا ببراعة عبد الحليم نويرة في عروض التراث القديم للفرقة العربية مما جعل الجمهور يصغي أكثر لما يسمعه ، فيما عدا ذلك تراوحت أنغام موعود بين الفولكلور واللحن التقليدي كما ذكرنا
أعز الناس - غناء عبد الحليم - كلمات مرسي جميل عزيز 
جاءت أغنية أعز الناس بتغيير كبير في أسلوب بليغ ، وربما كان للمنافسة ، خاصة محمد عبد الوهاب وكمال الطويل ، أثرا في إحداث ذلك التغيير. فقد اهتم فيها بالموسيقى كما لم يهتم من قبل ، وإذا كان قد عرف ذلك عن عبد الوهاب فإنه لم يعرف عن كمال الطويل لكن اجتهاد الطويل الموسيقي في أغنية بلاش عتاب كان ظاهرا وكان تغييرا في ألحان الطويل نفسه بموسيقى تميل إلى القالب الأوركسترالي الموزع بدلا من التيمات الشعبية أو الألحان الخفيفة
أغاني طويلة أخرى
أي دمعه حزن لا - كلمات محمد حمزة
حاول تفتكرني - كلمات محمد حمزة
مداح القمر - كلمات محمد حمزة
تندرج هذه المجموعة من الأغاني مع مجموعة أغاني الهوى تحت قالب "التشكيلة" حيث جاءت بمقدمات موسيقية مركبة وكوبليهات طويلة وإيقاعات متغيرة ونغمات متعددة، بما يجعل الأغنية تفتقر إلى البناء الدرامي والنسيج المترابط. وقدمت في وقت كانت الأغنية الطويلة فيه "موضة العصر" حتى لمطربي الدرجة الثانية أو الثالثة أحيانا. وكان الملحنون يستعرضون قدراتهم في تلك الأغاني بحشد كل ما يمكن من جمل وإيقاعات في أغنية واحدة على حساب البناء الدرامي للحن. وفي فترة لاحقة أدرك الجميع أن تلك الموجة لم تكن في الاتجاه الصحيح من أجل موسيقى أفضل بدليل عزوف الجمهور عن الأغنية الطويلة بعد وفاة نجومها ، ولم يحتفظ لمدى طويل في ذاكرته إلا بكلاسيكيات أم كلثوم وعبد الوهاب التي تمتعت بقدر أفضل من الترابط والانسجام فضلا عن التعبير 
أي دمعة حزن لا - غناء عبد الحليم - كلمات محمد حمزة 
لنستمع معا إلى هذا النموذج من الأغنية الطويلة في قالب "التشكيلة" ولنلاحظ أنه رغم إبداع الملحن الفائق في موسيقى المقدمة الجميلة فإنه في واقع الأمر إبداع في "كل جملة لوحدها" يعني لا ترابط درامي بين الجمل ولا حتى تمهيد للغناء.
هناك ست حركات في هذه المقدمة
1 الحركة الأولى تمهيد دون إيقاع من مقام راحة الأرواح
2 الحركة الثانية: حوار موسيقي بين الجيتار والأوركسترا والأورج من مقام راست على إيقاع طويل مركب
3 الحركة الثالثة: حوار بين آلات الساكسفون والمزمار البلدي والأورج والأوركسترا من مقامي الراست والبياتي على إيقاع بسيط، جمله مستمدة من الفولكلور الشعبي الموغل في الشعبية والذي يشعرك بأنك تتجول في حي شعبي بالقاهرة أو كأنك دخلت على أحد الموالد ، تنتهي بسولو جيتار من مقام النهاوند ثم ختام بالوتريات على مقام الراست
4 الحركة الرابعة: سولو جيتار رقيق من مقام البياتي دون إيقاع ، ويلاحظ هنا تطويع الجيتار لأداء النغمات الشرقية
5 الحركة الخامسة: جو مختلف تماما يبدأ بإيقاع غربي يمهد لسولو ساكسفون نهاوند رائع بأسلوب الجاز الأمريكي يجعلك تشعر وكأنك تسير في شوارع نيويورك أو باريس، في اختلاف تام عن جو الفولكلور السابق، ثم تختم الجملة برد الأوركسترا بنفس اللحن. والجدير بالملاحظة أن أداء الساكسفون يعطي جوا مغايرا تماما لأداء الأوركسترا رغم عدم اختلاف اللحن ، وهذا في حد ذاته مؤشر لأهمية نوع الآلة وأسلوب أدائها
6 الحركة السادسة: جملة سلمية ختامية دون إيقاع من مقام النهاوند يتبعها جملة قصيرة من مقام الراست قبل الدخول في الغناء
كل هذا التنويع والاختلاف في الميلودي والمقامات والإيقاع والآلات في خمس دقائق. وكما ذكرنا فإن كل حركة هي إبداع في حد ذاتها لكن البناء الدرامي يكاد يكون مفقودا وهذا هو المتوقع في قالب التشكيلة
وإذا تابعنا تحليل الأغنية سنجد نفس الحالة ، جمل كثيرة مرصوصة إلى جوار بعضها دون اعتماد هيكل شامل يضمها جميعا اللهم إلا خيوط رفيعة تصل بينها
هذا الشكل من أشكال الغناء انتشر كثيرا في فترة السبعينات لكنه لم يكتب له البقاء كشكل جاذب للملحنين الجدد وقد فضل جميعهم الابتعاد عن التطويل والتعقيد، بل حدث ما يشبه الانقلاب وتم اختزال الأغنية إلى ألحان بسيطة وقصر استخدام المقامات والإيقاعات المتنوعة بشكل كبير، حتى أن مئات الأغاني أصبحت تلحن من بضعة مقامات محدودة واقتصر الإيقاع على نوعين هما الوحدة الكبيرة والوحدة الصغيرة ، وبالتالي انعدمت فرص الإبداع
ألحان بليغ حمدي لعبد الحليم
تخونوه اسماعيل الحبروك
خايف مره أحب مأمون الشناوي
خسارة مأمون الشناوي
التوبة عبد الرحمن الأبنودي
سواح محمد حمزة
على حسب وداد قلبي صلاح أبو سالم
فدائي عبد الرحمن الأبنودى
عدى النهار عبد الرحمن الأبنودي
البندقيه اتكلمت محسن الخياط
عاش اللي قال محمد حمزة
جانا الهوى محمد حمزة
الهوى هوايا عبد الرحمن الأبنودي
زي الهوا محمد حمزة
أعز الناس مرسي جميل عزيز
موعود محمد حمزة
أي دمعه حزن لا محمد حمزة
مداح القمر محمد حمزة 
حاول تفتكرني محمد حمزة
بليغ حمدي وأم كلثوم
ترتيب بليغ حمدي زمنيا هو العاشر ضمن 12 ملحنا لحنوا لأم كلثوم. وقد بدأ التلحين لها عام 1960 بأغنية "حب إيه" من كلمات عبد الوهاب محمد. أما أول من لحن لها فكان أحمد صبري النجريدي عام 1924. وتبدو المفارقة واضحة بين عمر أم كلثوم ومكانتها وبين عمر بليغ ومكانته عندما تعرفت على الملحن الشاب وهو لم يكمل الثلاثين من عمره بعد ولم يكن له شأن كبير في عالم التلحين في ذلك الوقت
ولكي تكتمل المفارقة يحكي بليغ حمدي بنفسه قصة لقائه بأم كلثوم في حديث تليفزيوني فيقول أنه قرأ كلمات الأغنية عند صديقه الملحن محمد فوزي، وكان الأخير يعدها لأم كلثوم من تلحينه هو ، في الزيارة التالية أخبر بليغ فوزي أنه قد أعد لحنا لنفس الكلمات فطلب منه أن يسمعه له فأعجبه. يقول بليغ أن فوزي. أخذ تسجيل اللحن كما وضعه بليغ وأسمعه لأم كلثوم فقبلته على أنه من ألحان محمد فوزي ، لكنه أخبرها أن اللحن ليس له بل لملحن جديد شاب اسمه بليغ حمدي. لكن هذه الأخبار لم تجعل أم كلثوم تغير رأيها واستدعت بليغ للتعرف إليه وبدء البروفات. طبعا كان محمد فوزي ضحية لإخلاصه لصديقه، فقد صعد نجم بليغ بتلحينه لأم كلثوم وضاعت فرصة فوزي الوحيدة في التلحين لها عندما دخل بعد ذلك في صراع مع المرض وتوفي بعدها بسنوات قليلة
ألحان بليغ لأم كلثوم
1960 حب إيه: كلمات عبد الوهاب محمد – مقام بياتي
1961 أنساك: كلمات مأمون الشناوي – مقام راست
1962 ظلمنا الحب: كلمات عبد الوهاب محمد – مقام بياتي
1963 كل ليلة و كل يوم: كلمات مأمون الشناوي – مقام راست
1964 سيرة الحب: كلمات مرسي جميل عزيز – مقام راحة أرواح
1965 بعيد عنك: كلمات مأمون الشناوي – مقام بياتي
1967 فات المعاد: كلمات مرسي جميل عزيز – مقام راحة أرواح
1969 ألف ليلة و ليلة: كلمات مرسي جميل عزيز – مقام فرحفزا
1971 الحب كله: كلمات أحمد شفيق كامل – مقام راست
1973 حكم علينا الهوى: كلمات عبد الوهاب محمد – مقام راست
لنتأمل هذه القائمة:
1. عشرة ألحان في أغان عاطفية خلال 13 سنة
2. في المجموعة الأولى لحن كل سنة ، وفي الثانية لحن كل سنتين
3. لحن وطني واحد من كلمات عبد الفتاح مصطفى
4. هناك نوعان من الألحان تقليدية ومحدثة ، والتقليدي هو ما لحنه بليغ لأم كلثوم حتى عام 1965 ، وبدءا من 1967 غير بليغ أسلوبه إلى التجديد والابتكار واستخدام الجماليات الموسيقية في تطوير شامل لألحانه. وقد نجح في ذلك التغيير بدءا من أغنية فات المعاد وإلى أغنية الحب كله عام 1971 وإن شذ عن هذا الاتجاه في آخر لحن له لأم كلثوم "حكم علينا الهوى" وهو آخر ما غنت عام 1973
الواقع أن بليغ اجتهد كثيرا من أجل تطوير ألحانه وقدم أعمالا أحبها الجمهور بصوت أم كلثوم ، ويمكن اعتبار ألحانه لأم كلثوم حتى عام 1965 امتدادا لخط ومدرسة السنباطى التقليدية
لكن الفضل في اتجاهه للتحديث ربما رجع إلى دخول منافس قوي إلى ساحة أم كلثوم عام 1964 هو محمد عبد الوهاب الذي اعتمد على استخدام الموسيقى قبل الكلمات فى الوصول إلى آذان وإحساس الجمهور، وهو أسلوب لا يطيقه الملحنون التقليديون ، وكان نجاحه في ذلك إلى حد الإبهار. ولم يكن أمام الملحنين الآخرين إلا الدخول في المنافسة أو الخروج من الساحة/ حيث أن الحكم هذه المرة كان الجمهور نفسه ولم يكن النقاد ولا أم كلثوم ، فقد فرض عبد الوهاب ذوقه على الجميع بميله التواق إلى التجديد دائما وكونه يتمتع بملكة التأليف الموسيقى إلى جانب كونه ملحنا. وقد قبل بليغ التحدي فأخرج أفضل ما عنده ، وكذلك ملك الألحان التقليدية رياض السنباطي ، وكان من نتائج تلك المنافسة أن التطور الحاصل لم يكن في ألحان أم كلثوم فقط بل امتد ليشمل الحركة الموسيقية كلها ونستطيع القول بأنه شمل تطورا في ذوق الجمهور أيضا الذي أحب التجديد وأصبح يشتاق إلى سماع الموسيقى حتى لو لم يصحبها صوت أم كلثوم
ألحان بليغ لوردة الجزائرية
لم تكن تجربة بليغ مع المطربة وردة ناجحة لا بالمقياس الفني ولا بالمقياس الاجتماعي. قبل زواج بليغ من وردة غنت له أغنية مقتبسة من لحن فولكلوري شهير هو "يا نخلتين فى العلالي". وانتشرت الأغنية في الواقع بسبب اللحن القديم الذي أدخله بليغ كما هو دون تعديلات بصوت الكورس لكن بقية اللحن كان في واد آخر وخلا تماما من الجماليات أو حتى الترابط اللحني مما أضعف الأغنية كثيرا
اقترن زواج بليغ من المطربة وردة الجزائرية بسلسلة من الألحان الطويلة استعرضا فيها صوت وردة القوي الذي أطل على الجمهور من خلال الحفلات والسهرات والراديو والسينما. بعد تلك السلسلة انفصل الزوجان وذهب كل في طريق. انتشرت أغاني وردة هذه كثيرا في وسائل الإعلام لكن لم يكتب لأي منها الاستمرار في ذاكرة الجمهور أو الذاكرة الفنية بوجه عام. ذلك أنها أيضا اعتمدت على أسلوب التشكيلة والاعتماد على الصنعة الموسيقية دون الإحساس والتعبير. حاول الاثنان كثيرا لجعل وردة تبدو وكأنها خليفة أم كلثوم على عرش الغناء بعد اعتزالها الغناء عام 1973 لكن ذلك لم يتحقق ، بل على العكس كلما تذكر الناس وردة رددوا أغنيتها القديمة "لعبة الأيام" من ألحان رياض السنباطي في الستينات ونسوا تقريبا كل ما غنته لبليغ
بليغ ونجاة الصغيرة
لحن بليغ لنجاة الصغيرة عدة أغنيات أشهرها "أنا باستناك" و "الطير المسافر". ولحن "أنا باستناك" من أجمل ألحان بليغ حمدي الرومانسية من كلمات مرسي جميل عزيز ونال شهرة كبيرة لرقة اللحن والكلمات وبراعة التعبير الموسيقي عن صور النص الدرامية ، ولهذه الإغنية مقدمة موسيقية جميلة تخللها سولو لآلة الناي فى منتهى الرقة والعذوبة أداه عازف الناي الشهير محمود عفت وهو شقيق الفنانة نجاة الصغيرة
ألحان لصباح
"عاشقة وغلبانة" ، "زي العسل" ، "يانا يانا" ، "أمورتي الحلوة" ، "كل حب وأنت طيب". لم يكن يكن بليغ موفقا في ألحانه لصباح ، فرغم تعددها جاءت كلها ألحان ضعيفة لا تتناسب مع موهبة بليغ ولا قدرات صوت صباح
ألحان شادية
أشهرها "قولوا لعين الشمس" ، "خدني معاك" ، "يا أسمراني اللون" ، وهي أغان اعتمدت على تقديم فولكلوري كما كان الحال مع عبد الحليم حافظ ومحمد رشدي ، لكن بليغ في هذه المجموعة أحدث بعض التغييرات في اللحن القديم وأضاف كالعادة لحنا من عنده لإكمال الأغنية .. وإجمالا كانت هذه التجارب مع شادية ألحانا عادية لم تقدم جديدا إلى الموسيقى العربية ولم يكن لها دور إلا تذكير الناس بالفولكلور الشعبي
تجربة عفاف راضي
فوجئ الجمهور والوسط الفني عام 1970 بلحن لبليغ حمدي بصوت جديد لمطربة شابة درست الغناء الأوبرالي في كونسرفاتوار القاهرة يقول "ردوا السلام" .. اللحن بسيط والكلمات أبسط لكن الصوت والأداء كان مختلفا عما تعوده الجمهور. ثم أتبعا تلك الأغنية التي أحبها الجمهور لبساطتها ورقتها بسلسلة من الأغنيات فيما عرف بثنائي بليغ – عفاف راضي
قيل وقتها أن التجربة ستضيف أسلوبا جديدا للغناء العربي ، ربما في تجربة مشابهة لما حاول محمد القصبجي عمله مع صوت أسمهان ، لكن تقليدية الألحان لم تسمح بأي تطوير يذكر ولم يستخدم بليغ أية أساليب جديدة للاستفادة من الصوت الأوبرالي ، كما أن المطربة بدت وكأنها قد نست كل ما تعلمته في الكونسرفاتوار واستهواها الأسلوب الشرقي التقليدي فلم تقدم شيئا جديدا في عالم الغناء. كما أن ضعف الكلمات لم يساعد الملحن كثيرا في إضافة لمحات تعبيرية ذات قيمة
بليغ والأغاني الشعبية
مع محمد رشدي ومحمد العزبي قدم بليغ حمدي سلسلة من الأغاني الشعبية المستمدة من الفولكلور مثل "عدوية أهى" و "ميتى أشوفك" لمحمد رشدي ، وأغنية بهية لمحمد العزبي ، نجحت هذه السلسلة كثيرا وانتشرت حتى أصبحت تغنى في الأفراح وعلى لسان معظم المطربين المغمورين، وبها أثبت بليغ أن دوره في الغناء الشعبي لا يقل عن دوره في الغناء الرومانسي
وربما كانت أغنية "عدوية" المكتوبة بشاعرية فائقة للشاعر عبد الرحمن الأبنودي أهم ما جاء في سلسلة ألحان بليغ لرشدي ، فقد خلا النص تقريبا من الكلمات التقليدية وامتلأ بالصور الدرامية والتعبيرات الشعبية الجميلة. أما لحن ميتى أشوفك الفولكلوري فيبدو أن بليغ قد تأثر به كثيرا إلى حد اقتباسه مرة أخرى في موسيقى مقدمة أغنية ألف ليلة لأم كلثوم على آلة الساكسفون وقدمه بطريقة غاية في البراعة
أغنية "بهية" التي غناها محمد العزبي ، وهي أيضا مقتبسة من الفولكلور ، واحدة من سلسلة تجارب طويلة لبليغ حمدي مع الفولكلور الشعبي ، وكانت سببا في شهرة مطربها وخروجه من الحيز المحدود كمطرب مغمور في فرقة فنون شعبية إلى عالم الأغنية الفردية وأضوائه. ولا شك أن بليغ قد وفق كثيرا في إبداعها كلحن شعبي بل إنها فاقت جميع ألحانه مع محمد رشدي وشادية كأغنية مستمدة من الفولكلور، وأحبها الجمهور كثيرا حتى أنه كان يطلب من العزبي غناءها في كل حفل ، ولا يمكنه ترك المسرح قبل تلبية الطلب
أغانى وطنية لبليغ حمدي
عبد الحليم: عدى النهار ، سكت الكلام ، فدائي ، عاش اللي قال
وردة: بسم الله ، على الربابة
شادية: يا حبيبتي يا مصر
في هذه الأغاني اتبع بليغ خطا واحدا هو التلحين الفوري التقليدي ، لم نسمع فيها قالب النشيد ، ولم نسمع التوزيع الأركسترالي ولا غناء المجموعات القوي الذى يتناسب مع الأحداث الوطنية ، وغلبت الصنعة على التعبير كما حدث في كثير من ألحان بليغ
ولنتأمل أغنية "سكت الكلام والبندقية اتكلمت .." جملة سكت الكلام نسمعها في صيحة قوية ، بينما جملة البندقية اتكلمت نسمعها تخبو بسرعة أسفل السلم في ضعف تام .. من المؤكد أن تلك الكلمات لم تأخد حقها من التعبير على الإطلاق. ولنقارنها مثلا بلحن الطويل لأم كلثوم والله زمان ياسلاحي ، وهو وإن كان في قالب النشيد لم يخل من الطرب ، لنسمع جملة هموا وضموا الصفوف .. شيلوا الحياة ع الكفوف ، يا ما العدو راح يشوف ..
أما أغنية "حبيبتي يا مصر" فهي وإن اقتصرت على لحن واحد لجميع الكوبليهات فقد اشتهرت كثيرا لبساطة لحنها. وإجمالا لم يكن لبليغ حمدي دور فعال في التعبئة الوطنية بألحان تثير الحماسة أو على الأقل الإحساس الجارف الذي تثيره عادة الأغاني الوطنية ، ولذا قال عنه بعض النقاد أنه بالتعبير الدارج "مالوش في الوطني" ..!
بليغ في المسرح والسينما
أوبريتات مهر العروسة ، ياسين ولدي ، جميلة ، ريا وسكينة
للسينما: أفلام شيء من الخوف ، أبناء الصمت ، آه يا ليل يا زمن ، العمر لحظة
دخل بليغ حمدس عالم السينما وهو يرتدي لا يزال ثوب الملحنين ، ولم يكن له خبرة بالموسيقى التصويرية ، وربما اعتقد هو أو من اختاره من المخرجين أنها خطوة للأمام ، لكن الواقع أنها كانت تجربة سلبية من عدة أوجه:
1. أن موسيقاه كانت أقرب لأسلوب التلحين منها إلى التصوير
2. بليغ قد خرج منها كما دخلها ، أي ملحنا وليس موسيقيا فلم يستفد منها اللهم إلا المكسب المادي!
3. أن دخول بليغ حمدي إلى هذا الميدان في السبعينات بهذه الصورة شجع آخرين من الملحنين وممن هم أقل منه موهبة وخبرة على الإقدام على وضع موسيقى تصويرية للسينما مما أساء لموسيقى السينما لفترة طويلة بعد أن كان هذا الميدان حكرا على الموسيقيين دون الملحنين فى قائمة ضمت أسماء كبرى مثل فؤاد الظاهري ، ابراهيم حجاج ، أندريا رايدر ، عزت الجاهلي. وخسرت السينما كثيرا بهذا التغيير إلى أن أفاق المخرجون في التسعينات وابتعدوا عن إسناد الموسيقى التصويرية لملحني الأغاني فساعد ذلك على ظهور جيل جديد من الموسيقيين المبدعين أعدوا موسيقى تصويرية جيدة ، وبفضلهم وضعت السينما على الطريق الصحيح فيما يتعلق بالموسيقى. ومن هؤلاء ظهرت أسماء مثل عمر خيرت ، خالد حماد ، مودي الإمام ، راجح داود وغيرهم ، وهؤلاء اقتصر نشاطهم على الموسيقى دون التلحين. وفي رأينا ورأي كل ناقد موضوعي أن هناك فرق كبير بين مهمة الملحن ومؤلف الموسيقي ، كما أن مواهب وقدرات الفنانين تختلف وليس كل ملحن باستطاعته التأليف الموسيقي ولا كل موسيقي باستطاعته التلحين ، صحيح أن هناك قلة اجتمع لها الموهبتان لكن هذا استثناء من القاعدة العامة
ألحان بليغ لغير المشهورين
معظم ألحان بليغ لغير المشهورين من المطربين أعدت على عجل حيث كثر عليه الطلب كملحن في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات بعد اعتزال معظم الملحنين الرواد. وقد غلب عليها الطابع التجاري حيث قصد المطربون والمطربات الجدد إلى استخدام اسم بليغ كمدخل للشهرة أكثر من قصدهم إنتاج ألحان ذات قيمة فنية عالية. كان ضمن هؤلاء مجموعة من بلاد المغرب العربي التي كثرت رحلات بليغ إليها ، وكان المطربون يقبلون كل ما ينتجه ما دام يحمل اسمه ، لذا لم يكتب لأي من هذه الألحان والتي بلغت المئات أي نصيب من الشهرة أو الاستمرار. ثم إنها حتى لم تؤد الغرض التجاري الذي صنعت من أجله ، فلم نسمع عن اسم اشتهر لمجرد أن بليغ لحن له
نقد بليغ حمدي
يمكن أن نستخلص من هذا العرض نظرة نقدية في فن بليغ حمدي تتلخص في:
1 لا شك أن بليغ حمدي فنان موهوب يتمتع بحس موسيقي رائع
2 بينما تألق بليغ حمدي في ألحانه لأم كلثوم لم تكن ألحانه لغيرها من المطربين والمطربات في نفس المستوى. ولا يمكن إرجاع السبب هنا لجودة صوت أم كلثوم أو رداءة الأصوات الأخرى فإن هؤلاء الفنانين الذين غنوا لبليغ قد نجحوا أكثر مع ملحنين آخرين ، ربما نستثني من ذلك صوت محمد رشدي ومحمد العزبي في الألحان الشعبية وبعض ألحان عبد الحليم ونجاة الصغيرة.
3 أضاف بليغ حمدي في ألحانه المتأخرة لأم كلثوم أدوات جديدة جعلت الموسيقى تبدو أكثر عصرية خاصة في الإيقاعات والآلات المستحدثة وفي استخدامات الآلات كالجيتار والأورج والساكسفون
4 بذل بليغ جهدا كبيرا في سبيل تطوير الأغنية الشعبية وتحديثها وله تجارب عديدة ناجحة في هذا المجال
5 رغم اجتهاده في وضع موسيقى الأفلام والمسرحيات لم يوفق بليغ في تلك المهمة بسبب تكوينه كملحن
6 انشغل بليغ كثيرا بالنشاط التجاري خاصة في المراحل الأخيرة من أيام نشاطه، وقام بتلحين مئات الأغاني مما أثر على جودة ألحانه بسبب قلة التركيز وقلة الوقت والإجهاد المستمر
7 لم يبذل بليغ حمدي جهدا كبيرا نحو تلحين القصائد ، وهي أحد الروافد الهامة للغناء العربي
إجمالا يظل بليغ حمدي أحد الملحنين الكبار الذين أمتعوا الأسماع بفن جميل وراق وسنظل نذكر له ألحانه الرائعة