كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الخميس، 12 نوفمبر، 2009

محمد القصبجي 1892 - 1966

محمد القصبجي من أعلام الموسيقى والتلحين وأستاذ في آلة العود 
اقترن اسمه باسم أم كلثوم وغنت له أروع أغانيه كما لحن لها أجمل أغانيها ، ومعا حققا مجدا فنيا لا يضاهى
جمع الموسيقار محمد القصبجي بين الحداثة والرومانسية في نسيج جديد على الموسيقى العربية وما أدخله من تطوير على فنون الموسيقى العربية جعله يقف بجدارة في مصاف الرواد
من أبرز إنجازاته الفنية ما حققه من تطوير لأشكال الغناء التقليدي كالدور والطقطوقة ، واتخذت الأغنية بفضله شكلها المعروف اليوم ، كما كان له دور في تطوير الموسيقى البحتة والتخت الشرقي

تـواريــــخ 
عام 1892 ميلاد محمد القصبجي ، نفس العام الذي ولد فيه سيد درويش
عام 1923 محمد عبد الوهاب يتعلم العود على يد محمد القصبجي
عام 1924 أم كلثوم تغني للقصبجي وأحمد رامي
عام 1927 القصبجي يكون فرقته الموسيقية من أمهر العازفين
عام 1928 أم كلثوم تقفز لقمة الغناء بألحان محمد القصبجي 

عام 1930 محمد القصبجي الملحن الأول لأم كلثوم
عام 1933 أسمهان تغني للقصبجي لأول مرة
عام 1944 القصبجي يبدع لأم كلثوم أروع ألحانه رق الحبيب

عام 1947 القصبجي يلحن فالس الشرق "قلبي دليلي"
القصبجى ضيف شرف دائم في فرقة أم كلثوم الموسيقية
عام 1966 وفاة محمد القصبجي عن 74 عاما

رق الحبيب - غناء أم كلثوم 
رحــلة حيــاته
ولد الفنان محمدالقصبجي بالقاهرة عام 1892 ، نشأ في بيئة موسيقية فنية حيث كان والده يدرس آلة العود ويلحن للمطربين ، فأحب الموسيقى ومال إليها منذ الصغر. وكبرت هوايته معه منذ أوائل طفولته عندما ألحقه والده بالكتاب ليحفظ القرآن الكريم ، واستمرت وهو بالأزهر الشريف حيث درس اللغة العربية والمنطق والفقه والتوحيد ، ثم بعد التحاقه بدار المعلمين التي تخرج منها معلما
كان على الشاب محمد أن يلتحق بمهنة التدريس لكن هوايته الموسيقية تملكت حواسه ومشاعره وملأت عليه خياله ، وكان قد سار حتى الآن على رغبة والده الذي أراد له احتراف العمل الديني ، لكن الوالد الذي لاحظ هواية ابنه لم يحرمه تماما منها ، وأمام رغبة الشاب الصغير الملحة في تعلم الموسيقى قرر أن يعلمه بعض علومها ، وأن يدربه على عزف العود خلال أوقات فراغه فتهدأ نفسه بهذه الهواية الجميلة عسى أن يساعده ذلك على الدراسة والبحث. فمارس محمد القصبجي هوايته المفضلة جنبا إلى جنب مع دراسته ، ثم عمل معلما بعد تخرجه من دار المعلمين لسنوات قليلة
تمكن القصبجي من أصول العزف والتلحين وساعده ثقافته العامة في طرق هذا المجال باقتدار وبدأ يعمل للفن. ثم ترك مهنة التدريس وتفرغ تماما للعمل الفني ، وكانت أول أغنية له من نظمه وتلحينه ومطلعها ما ليش مليك في القلب غيرك ، وحينما طلبت منه شركة اسطونات تسجيل هذا اللحن للمطرب زكي مراد والد الفنانة ليلى مراد ، وكان أحد مشاهير المطربين ، بدأت رحلته في الاحتراف. أقبل على قراءة الأشعار والأزجال وكان يقوم بتلحينها رغم عدم إذاعتها ، ويعرض إنتاجه على المنتجين ، ومن ما كتب ولحن أغنية يا قلبي ليه سرك تذيعه للعيون والحب له في الناس أحكام
في عام 1927 كون محمد القصبجي فرقته الموسيقية التي ضمت أبرع العازفين مثل محمد العقاد للقانون وأمير الكمان سامي الشوا وكان هو عازف العود في الفرقة. لكنه لم يتوقف عند الشكل التقليدى للتخت فأضاف إلى فرقته آلة التشيلو وآلة الكونترباص وهما آلتان غربيتان
انتبهت إليه شركات الاسطوانات فأقبلت على ألحانه لتسجيلها ، كما طلبها كبار المطربين والمطربات مثل منيرة المهدية التي لحن لها بعض الأغاني والأوبريتات المسرحية ، وشجع ذلك الكثيرين غيرها على الغناء له فغنى له غير زكي مراد الشيخ سيد الصفتي وصالح عبد الحي
أهم محور في حياة القصبجى هو تعرفه بأم كلثوم ، ولا شك أنه سعد بهذا اللقاء إذ أنه أحس بأن صوت أم كلثوم يمكن أن يقدمه إلى الجمهور في أبهى صورة. وكان طموح القصبجي الفني يجعله يبحث عن أفضل الأصوات التي يمكنها أداء ما يريده من تجديدات وإضافات إلى أساليب التلحين والغناء الشرقي. وقد بدأ تعارف القصبجي وأم كلثوم عن طريق شركة أوديون التي كانت قد اشترت منه أغنية قال حلف ما يكلمنيش فطلبت منه تسجيلها بصوت أم كلثوم ، فبدأ القصبجي تدريب أم كلثوم على اللحن

ولا شك أن أم كلثوم أيضا سعدت بلقاء القصبجي ، فقد أحست ، وصرحت له بشعورها ، بأنها قد عثرت على كنز ، وبدأت بينهما صداقة فنية متميزة ، وكان لها ليس فقط ملحنا ، بل استاذا ومعلما. وبعد أول أغنية غنت له إن حالي في هواها عجب ، مقام عجم ، ثم بدأت سلسلة من ألحان القصبجي لأم كلثوم بلغت حوالى 70 لحنا كان آخرها رق الحبيب من شعر أحمد رامي
يعتبر محمد القصبجي من الملحنين ذوي الإنتاج الغزير وتجاوزت ألحانه الألف لحن ، نال معظمها الشهرة والانتشار ، وغنى له أساطين الغناء مثل منيرة المهدية ، أم كلثوم ، أسمهان، وصالح عبد الحي وليلى مراد
صاحب محمد القصبجي في رحلته الفنية الشاعر أحمد رامي ، وكون الاثنان معا ثنائيا فنيا نادر الوجود. وقد امتزجت ألحان القصبجى الحالمة بكلمات رامى الرقيقة فأطلقا أعذب الأغاني التي رقت لها الأسماع والمشاعر ، وأكمل صوت أم كلثوم الثالوث الفني الذي ترك رصيدا من الإبداعات أصبحت من كنوز الشرق 


خصائص فنـــــه 
قدم الموسيقار محمد القصبجي أعمالا سابقة لعصرها في الأسلوب والتكنيك ، وأضاف للموسيقى الشرقية ألوانا من الإيقاعات الجديدة والألحان سريعة الحركة والجمل اللحنية المنضبطة البعيدة عن الارتجال ، والتي تتطلب عازفين مهرة على دراية بأسرار العلوم الموسيقبة ، كما أضاف بعض الآلات الغربية إلى التخت الشرقي
كل هذا أدى إلى ارتفاع مستوى الموسيقى والموسيقيين أيضا ، وبالإضافة إلى الأجواء الرومانسية الحالمة التى أجاد التحليق فيها اكتسبت ألحان القصبجي شهرة واسعة وجمهورا عريضا ويمكن القول بأنها حملت أم كلثوم إلى القمة 
كانت أصوات أم كلثوم وفتحية أحمد وأسمهان وليلى مراد بالنسبة إليه وسائط جيدة قدم من خلالها ما أراد للجمهور ، وقد ساهم هو في صنع تلك الأسماء بلا شك 
قلبي دليلي - فالس الشرق الكبير - ليلى مراد
 فالس الشرق الكبير- قلبي دليلي
 لا يمكن أن يأتي ذكر محمد القصبجي دون ذكر واحد من أهم ألحانه "قلبي دليلي" الذي غنته ليلى مراد في فيلم حمل نفس الإسم عام 1947. يجري معظم اللحن ، مقام عجم مصور،  على إيقاع الفالس الثلاثي ويتخلله إيقاع شرقي في وسط الغناء. لكن هناك أشياء كثيرة تدعونا لتأمل في ماذا كان يفكر القصبجي وكيف كان يصنع موسيقاه .. ما هذا الجمال والحلاوة والشياكة وكيف تم له ذلك النظام وتلك "الهندسة" إذا جاز التعبير .. إنه يضع كل شيء بمقاس محدد سلفا في ذهنه ويوظف كل عنصر في مكانه تماما، ثم إنه يجيد مزج جميع العناصر لينتج عملا متكاملا .. الصوت الفردي وغناء الكورس وآلات الأوركسترا والإيقاع والجمل اللحنية .. ويضع مع كل هذا قدرا هائلا من الطرب يجعلك تحب سماع اللحن وتعيد سماعه .. 
الجدير بالاهتمام في لحن "قلبي دليلي" هو أداء الكورس الرجالي والنسائي البالغ الكفاءة والدقة، ولا أقصد المقاطع المغناة من الكلمات وإنما "الآهات" ! طبعا هذه الآهات لا يكتبها مؤلف النص وهي بالكامل من خيال الملحن .. وهو يجعلها أقوى عنصر في اللحن كله. 
هذا يؤكد أن محمد القصبجي كان موسيقيا رائعا بالإضافة إلى كونه ملحنا ، وسبق أن أشرنا في أكثر من موضع إلى أن التأليف الموسيقي موهبة خاصة تختلف عن التلحين وأنه قد لا يستطيع ملحن جيد صنع موسيقى بحتة بنفس المستوى الذي يلحن به أغانيه، وكذلك قد لا يمكن لمؤلف موسيقي جيد إجادة تلحين النصوص المكتوبة ، وأن قلة من الفنانين يتمتعون بالملكتين معا ، أحدهم بالتأكيد محمد القصبجي الذي وإن لم يؤلف كثيرا من المقطوعات البحتة إلا أنه ملأ ألحانه بالموسيقى التي تصور الجو العام للنص

وموسيقاه التي لم تقترن بأصوات كمقدمات الأغاني وما تخللها من مقاطع أو كمقطوعات موسيقية جسدت مثالا لما يطمح إليه من تطوير وقد برع في تقديم أفكار موسيقية جديدة فتحت الباب للتنويع والابتكار 
ومن مقطوعاته الموسيقية مقطوعة بعنوان ذكرياتي غير فيها القالب التركي القديم من ميزان السماعي إلى إيقاعات متنوعة وإن احتفظ فيها بالتسليم الذي تعود إليه الموسيقى في النهاية ، وتباينت مقاطعها بين الوحدة الكبيرة والعزف المنفرد على العود غير المصحوب بإيقاع ، وفي النهاية مقطع شبيه باللونجا ، وتطلبت تكنيكا جديدا في العزف وهي مقطوعة قلما لا يعرفها عازف عود أو كمان  

وللقصبجي أسلوب فريد اتسم بالشاعرية وقد اختار لألحانه أفضل الكلمات وأرقها ، وقد اجتذب على الأخص جمهور المثقفين والطيقة المتوسطة التي كانت آخذة في النمو في ذلك الوقت
وعلى طريق تطوير الأداء الموسيقي استخدم القصبجي آلات غربية مستحدثة على التخت الشرقي فأضاف صوت آلة لتشيللو الرخيم والكونترباص المستعملتين في الأوركسترا الغربي من العائلة الوترية ذات الحجم الكبير ، وهذه الآلات لا تصاحب المغني في أدائه على عكس بقية أعضاء التخت ، وإنما تصدر نغمات مصاحبة في منطقة الأصوات المنخفضة مما يعطى خلفية غنية للحن الأساسي ، مما أعطى عمقا لأداء الفريق لم يعهد من قبل في الموسيقى الشرقية التى طالما اعتمدت على التخت الشرقي البسيط المكون عادة من العود والكمان والقانون والناي بالإضافة إلى آلة إيقاع 
وهذه الإضافة تدلنا على أن محمد القصبجي كانت له طموحات موسيقية جاوزت حد التلحين والغناء وأنه أراد تطوير الأداء وتقديم الجديد في الموسيقى 

كان محمد القصبجي صاحب مدرسة خاصة في التلحين والعناء ولم يقلد أحدا في ألحانه ، وقد صنع في ألحانه نسيجا متجانسا بين أصالة الشرق والأساليب الغربية المتطورة فكان بذلك مجددا ارتقى بالموسيقى الشرقية نحو عالم جديد ، واهتم كثيرا بالعنصر الموسيقي إلى جانب العنصر الغنائي فى أعماله 
وكما هو الحال مع الرواد فإن ألحان القصبجي ما زالت تردد لليوم ، وكثير من أغاني القصبجي شائعة ومحبوبة لخفة ألحانها ورشاقتها وسهولة أدائها. وقد لا تتعرف الأجيال الجديدة على اسماء الملحنين القدامى رغم تعرفها على أغانيهم ، لكننا هنا نلقي الضوء على أسمائهم وأعمالهم حتى تكتمل المعرفة ويرد الجميل إلى صاحبه. ومن أشهر ألحان القصبجي يا بهجة العيد السعيد ، مدام تحب بتنكر ليه ، و رق الحبيب لأم كلثوم ، وليت للبراق عينا و إمتى ح تعرف لأسمهان 
أثبت محمد القصبجى قدرته على تغيير الفكر الموسيقي وأسلوب الأداء بما يجعل إضافاته أساسا بعد ذلك يأخذ به من بعده ، وسجل بذلك اسمه في سجل الخمسة الكبار 

القصبجى المعلـــم 
بالإضافة إلى إنتاجه الفني الرائع فقد كان علمه الموسيقي غزيرا ، وهو أستاذ لجيل آخر من موسيقيين وفنانين كبار أكملوا المسيرة الفنية في القرن العشرين. وقد تعلم منه محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وام كلثوم وأسمهان وفريد ، خاصة تعلم العود ، وقد قدم القصبجي خدمة جليلة للفن الموسيقى العربي كأستاذ للموسيقى الشرقية وآلة العود بمعهد الموسيقى العربية ، فهناك تعلم على يديه فنانون كثيرون
وأشد المتأثرين بفن القصبجي من الملحنين اثنان هما رياض السنباطي وفريد الأطرش
وقد بدأ السنباطي حياته الفنية بحفظ وغناء ألحان القصبجي ، وعندما بدأ التلحين كان واضحا في ألحانه انتمائه إلى تلك المدرسة التي نشأ فيها ، إلى درجة التشابه الشديد أحيانا في الألحان ، ومن المعروف أن السنباطي من تلاميذ القصبجي في العزف على العود
أما فريد الأطرش فلم يستطع الفكاك من مدرسة أستاذه ، والواقع أن أشهر معزوفاته وتقاسيمه على العود والتي اشتهرت في سائر أنحاء الوطن العربي هي نسخ من تقاسيم محمد القصبجي الذى لم يكن يؤديها في حفلات على الجمهور كما كان يفعل فريد ، بل إن ألحان فريد الأطرش والمعروفة بجمل لحنية معينة تكررت في أغانيه مقتبسة من ألحان القصبجي ربما كما هى 


القصبجى وأم كلثوم  
بدأ محمد القصبجي التلحين لأم كلثوم عام 1924 بأغنية من نوع الطقطوقة هي قال إيه حلف ما يكلمنيش من مقام الراست ، لكن العلاقة بينهما لم تبدأ من فراغ ، فقد كان معلمها ومرشدها ، وتعلمت على يديه أصول المقامات والعود ، وكان هو الذي أقنعها بالتحول من الإنشاد الديني إلى الغناء ، وبذلك يكون هو المكتشف الحقيقى لأم كلثوم 
مادام تحب - غناء أم كلثوم 
قدم محمد القصبجي أم كلثوم في ما قارب 70 لحنا ، وهو بذلك يحتفظ بأطول قائمة من ألحان أم كلثوم بين جميع من لحنوا لها بعد رياض السنباطي ، ولولا توقفه عن التلحين لفترة طويلة لكنا استمعنا إلى روائع أخرى كثيرة ، ويندرج معظم ألحانه في اللون العاطفى الرومانسي وغالبيتها من كلمات الشاعر أحمد رامي فارس الرومانسية الغنائية
من أشهر ما لحن محمد القصبجى لأم كلثوم 
إن كنت اسامح مقام عجم 1928
سكت والدمع اتكلم مقام حجاز كار كورد 1930
الشك يحيي الغرام مقام أثر كورد 1930
ما دام تحب بتنكر ليه مقام نهاوند 1940
يا صباح الخير مقام راست 1944
رق الحبيب مقام نهاوند 1944

ومن القصائد لأم كلثوم 
أيها الفلك مقام نهاوند 1938
الزهر في الروض مقام هزام 1940

ومن أغاني المناسبات 
إن يغب عن مصر سعد مقام نهاوند 1930
يا بهجة العيد مقام حجاز كار 1936 


في عام 1944 لحن محمد القصبجي رائعته رق الحبيب لأم كلثوم ونجحت نجاحا كبيرا ومازالت تلك الأغنية تتردد لليوم كأحد أفضل ما قدمته أم كلثوم ، ولا يزال المقطع الشهير "من كتر شوقى سبقت عمري" يوحي للسامع حتى بعد مرور عشرات السنين بما قصد الشاعر تصويره، وقد نجح القصبجى في التعبير عن الصورة الشعرية بأفضل أسلوب ، وللأغنية مقدمة موسيقية متميزة هي من كلاسيكيات الموسيقى العربية
يقال إن أم كلثوم قد طلبت من القصبجي الاقتصار على التلحين لها فقط والمقصود بذلك عدم قيامه بالتلحين لأسمهان في ظل المنافسة المشتعلة بين المطربتين لكن القصبجي رفض طلب أم كلثوم ، ولم يكن يدرك بالطبع أن أسمهان سترحل عن الدنيا بعد قليل لكنه القدر. توفيت اسمهان لكن أم كلثوم رفضت حينئذ الغناء من جديد للقصبجي ردا على موقفه ، وتوترت علاقتهما مما أدى إلى توقفه عن التلحين لها بعد ذلك ، وخسر الجمهور المزيد من كنوز القصبجي وروائعه

ومع هذا فقد ظل ضيف شرف في فرقة أم كلثوم الموسيقية كإسم كبير وعازف عود من الطراز الأول ، وكان يكفي وجوده في الفرقة وظهوره باستمرار في الصف الأول لإضافة قيمة كبيرة للفرقة ولما تقدمه ، بل وشرف كبير للملحنين الجدد من تلاميذه الذين قاموا بالتلحين لأم كلثوم بعد ذلك فقد قام بأداء ألحانهم مع فرقة أم كلثوم بكل تواضع، وهذا في حد ذاته مكسب كبير لأي ملحن بما يوحي به من اعتراف ضمني بجودة اللحن وتمكن الملحن ، وقد استمر كذلك طيلة 22 عاما حتى توفي الموسيقار الكبير عام 1966

أســــمهان 
بدأ محمد القصبجي التلحين لأسمهان عام 1933 فلحن لها عدة أغنيات منها كلمة يا نور العيون ، اسمع البلبل ، كنت الأماني ، وأشهرها إمتى ح تعرف 
كان لأسمهان صوت صاف رقيق وذو إمكانيات عالية ورأى القصبجى في صوت أسمهان وأدائها فرصة لتطوير الاغنية العربية بتطبيق قواعد الأداء الغربي المتطور مع الاحتفاظ بأسس الموسيقى العربية ومذاقها ، وقد لاقت تجربته نجاحا كبيرا وتألق معه نجم أسمهان. ويبدو أن رفض القصبجي لطلب ام كلثوم بوقف التلحين لاسمهان كان السبب في رفضها ان يلحن لها بعد رحيل اسمهان عام 1944 
غير الأغاني لحن القصبجي أربعة أوبريتات هي المظلومة ، حرم المفتش ، كيد النساء وحياة النفوس 
وقدمت ألحانه السينما المصرية في العديد من الأفلام منها أفلام أم كلثوم ، أسمهان ، ليلى مراد ، إبراهيم حمودة ، عبد الغني السيد ، نور الهدى ، صباح ، وهدى سلطان ، وسعد هؤلاء بألحانه التي ساهمت في صنع أسمائهم. وقد ضمت هذه الأفلام المئات من ألحان القصبجي المتميزة والمنتمية إلى مدرسته الحديثة الراقية ذات المستوى الرفيع 

نقــد محمد القصبجي
رغم كل ما قدمه الموسيقار الراحل من جهد وفن فإنه كان باستطاعته تقديم أكثر مما قدم بكثير ، وهناك عدة أسباب جعلت أعماله تكمن في نطاق محدود منها
 توقفه عن التلحين لقرابة عشرين عاما، وربما عاد هذا إلى أم كلثوم أكثر منه إلى القصبجي كما تقدم، ووفاة أسمهان المفاجئة وهي في سن الشباب ، وكان ينوي استثمار إمكانيات صوتها لأقصى حد
 عدم توغله كثيرا في المنطقة الشعبية من الفن ، وقد يرجع هذا إلى تركيبة القصبجي النفسية والمزاجية الحالمة ، وإلى كونه موسيقيا أكاديميا بالدرجة الأولى
 الإقلال من القصائد وشعر الفصحى ، ولا شك أن هذا البعد قد أضفى الكثير من القيمة إلى فن من لحقوه كمحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي، ولو أنه كان قد أكثر منها لأضاف إلى أعماله الكثير خاصة في ظل قدراته وإمكانياته الفنية العظيمة ورقي فنه بشكل عام
 بعده عن المسرح الغنائي ، رغم أنه قد لحن للمسرح لكن ليس بقدر كبير ، وهذا مما يدعو للاستغراب حقيقة لأن إمكانيات محمد القصبجي الفنية الهائلة كانت تمكنه من خوض هذا المضمار بتمكن تام دون شك. وربما أدى نجاح القصبجي في الأغنية ووصوله إلى القمة من خلالها إلى تشجيع فنانين آخرين على الاقتصار على هذا النوع من الفنون الموسيقية كمحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي بينما استمر الشيخ زكريا في تقديم عشرات من الأوبريتات المسرحية 

.
غير أن هذه الانتقادات لا تنقص من قيمة أعمال محمد القصبجي بأي حال ، والأمثلة كثيرة
فبالنظر إلى سيد درويش وزكريا أحمد نجد أعمالهما قد بنيت أساسا على الموسيقى الشعبية المستوحاة من كلمات الأغاني التي كتبت معظمها بالعامية المصرية ، والقليل من الفصحى ، وقد استطاع كلاهما الوصول إلى أعلى الدرجات الفنية عن طريق استثمار الفن الشعبي. وبينما كتب معظم أغانى القصبجي شاعر رقيق كأحمد رامي فقد اعتمد سيد درويش على كلمات بديع خيري وهو أفضل من كتب ألأغانى الشعبية وهو الذي صور أغاني الطوائف في تلك الصور الغـنية التي ألهبت خيال سيد درويش ، وأمير شعر العامية بيرم التونسي الذي كتب له نصوص أغاني الأوبريت الشهير شهرزاد ، كما اعتمد الشيخ زكريا أيضا كثيرا على أشعار بيرم الغنائية وكونا معا ثنائيا متجانسا في الفن الشعبى استمر لسنوات عديدة
وعلى العكس فقد بنى رياض السنباطي مجده على تلحين القصائد والموضوعات الكلاسيكية ولم يلجأ إلى الفن الشعبي إلا فى حدود
ورغم أن توقف القصبجي عن التلحين بعد اختلافه مع أم كلثوم قد قصر من عمره الفني إلا أن المستوى الفني لا يقاس بالسنين ولا بكم الأعمال ، وتكفى الإشارة هنا إلى سيد درويش الذي استطاع تغيير موسيقى أمة بأكملها في ست سنوات فقط هي كل عمره الفني
أما بعد القصبجي عن المسرح الغنائي فربما يعزى إلى تراجع النشاط المسرحي عموما بعد إنشاء الإذاعة المصرية وظهور السينما في أوائل الثلاثينات 


الخلاصـــــة 
وإذا أردنا تلخيص أثر الموسيقار محمد القصبجي على غيره من الفنانين فربما تكفي الإشارة إلى أنه كان معلم الجيل اللاحق من الرواد ، وأنه قدم للجمهور أم كلثوم وأسمهان ، ثم اجتهاد الموسيقيين الجدد بعد ذلك في اتباع مدرسته في التلحين والموسيقى. ولا شك في أن آثار الموسيقار محمد القصبجي قد بقيت في موسيقاه كما استمرت في موسيقى تلاميذه محدثة موجات متتالية من التطور ومكملة لصورة النهضة الموسيقية التي شهدها القرن العشرين
ويبقى رصيد الموسيقار الكبير شاهدا على نهضة حقيقية شهدتها فترة نشاطه ، كما تبقى القيمة الحقيقية لموسيقاه مقدرة كما هو الحال مع غيره من الرواد بمعيارين أساسيين أولهما أن الموسيقى أو اللحن يحتفظ بجماله وروعته حتى إذا نزعت منه الكلمات ، ومع الكلمات تبدو الألحان معبرة تماما عن مكنونات السطور والشعور ، وثانيهما أن موسيقاه حملت إضافات جديدة واستمرت تلك الإضافات كملامح أساسية في الموسيقى بعد ذلك ، وبهذا يعتبر أحد المجددين في الموسيقى العربية، بحث وتحرير د.أسامة عفيفي ، محمد القصبجي
وبعد ، هذه رحلة قصيرة داخل حياة وفن الموسيقار الكبير المبدع وصاحب مدرسة من أروع المدارس الموسيقية ، لكن فنه وجهاده وكذلك صبره وإخلاصه يحتاج تأملها إلى أكثر بكثير