كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الخميس، 12 نوفمبر، 2009

رياض السنباطي 1906 - 1981

رياض السنباطي .. فنان موسيقي وملحن من الدرجة الأولى 
قدم خلال حياته أرقى ما يمكن من كلاسيكيات الموسيقى العربية ، وحفر اسمه في سجل الخلود الفني مع كبار الموسيقيين والملحنين بموهبته ومجهوده وإخلاصه
اقترن اسم السنباطي باسم أم كلثوم وبتلحين القصائد وهو أبرع من لحن القصيدة ومن ألحانه كان أفضل ما غنته كوكب الشرق، وإليه ينسب الفضل في انتشار قصائد عربية عظيمة لم تكن لتنتشر لولا ألحانه ، كما اشتهر بالألحان الرومانسية العذبة التي لحنها لأم كلثوم من كلمات فارس الرومانسية الغنائية أحمد رامي
احتفظ السنباطي بمكانة عالية في سماء الفن طوال عمره الفني واستمر عطاؤه حتى السبعينات من القرن العشرين

شمس الأصيل - أم كلثوم 
كلمات بيرم التونسي - ألحان رياض السنباطي

ورياض السنباطي فنان موهوب بلا شك لكنه محظوظ أيضا! فقد ولد لأب فنان علمه بنفسه مبادئ الموسيقى والعزف على العود في مدينة المنصورة ونشأ في رعايته الفنية ، وهو بهذا يختلف عن معظم الرواد الموسيقيين الكبار الذين عانوا الكثير بسبب رفض أسرهم اشتغالهم بالفن ، بل مجرد هوايته! ويشترك في ذلك مع محمد القصبجي الذى كان والده موسيقيا ، لكن هذا لم يكن وجه الاشتراك الوحيد مع محمد القصبجي كما سيتضح لنا فيما بعد
بدأ رياض التجريب مبكرا كمطرب فعرف بأدائه الرائع وكان معجبا بألحان محمد القصبجي فحفظ له الكثير ثم انتقل رياض إلى القاهرة والتحق بمعهد الموسيقى

 عام 1936 أول ألحان رياض لأم كلثوم - على بلد المحبوب 
ابتسم الحظ لرياض السنباطى عندما التقطته أم كلثوم لنفسها ملحنا وكان قد بدأ يلحن لبعض المطربين والمطربات ، وحتى ذلك الوقت لم يكن قد لحن لأم كلثوم غير بضعة ملحنين أهمهم محمد القصبجي وزكريا أحمد وهم من فطاحل الموسيقى فكان السنباطي أصغرهم سنا. وحققت أول أغنية لحنها لها من كلمات أحمد رامي نجاحا كبير وهي على بلد المحبوب وديني مقام بياتي. 

ومنذ ذلك الوقت اقترن اسمه باسم أم كلثوم ، واستمر في التلحين لها حتى بلغت ألحانه لها أكثر من 90 أغنية على مدى ما يقرب من أربعة عقود آخرها الثلاثية المقدسة عام 1972 ، وهو بذلك صاحب أطول قائمة ألحان لأم كلثوم بين جميع من لحنوا لها
وقد كون السنباطي في هذه الرحلة مع أم كلثوم وأحمد رامي الذي اقترن اسمه باسمها أيضا، ثالوثا فنيا هز مشاعر الملايين فى العالم العربي
وبعد بضعة أعمال لأم كلثوم حقق رياض نجاحا أكبر مع أغنية افرح يا قلبي مقام نهاوند من كلمات أحمد رامي أيضا وإن ظهر فيها تأثره بأسلوب الأستاذ القصبجي   
عام 1938 سلوا كئوس الطلا 
 كان قد سبق لرياض تلحين قصيدتين من شعر أحمد شوقي لأم كلثوم لكن سلوا كئوس الطلا مقام هزام كان لها حظ أوفر من النجاح ، وفي نفس العام قام بتلحين بضع أغنيات لأم كلثوم من شعر أحمد رامي لاقت نجاحا كبيرا أشهرها أغنية الورد فتح مقام بياتي ، ومونولوج النوم يداعب جفوني مقام كورد
عام 1939 فاكر لما كنت جنبى 

تابع رياض ألحانه لأم كلثوم فلحن لها أغنية من قالب المونولوج هي فاكر لما كنت جنبي مقام بياتي من كلمات أحمد رامي ، ورسم بها ملامح شخصية مستقلة في التلحين ، وظلت هذه الأغنية تذاع باستمرار قرابة ربع قرن دون أن يملها الجمهور ، وظلت الصورة التي صورها بالشجن الشديد فى بداية الأغنية ثم في كلمات الموجة بتجري ورا الموجة عايزة تطولها عالقة بأذهان الناس لفترة طويلة  
عام 1940 ح اقابله بكرة 

وفق رياض السنباطى في لحن في منتهى الرشاقة لأم كلثوم من كلمات أحمد رامي هو ح اقابله بكرة مقام راست وتميزت مقدمته الموسيقية القصيرة بتصوير عال للهفة وفرحة اللقاء أعقبها استهلال غناء أم كلثوم بجمل قصيرة متدافعة أكملت الصورة الشاعرية المتدفقة ، ولو أنه كا ما زال متأثرا بأسلوب القصبجي إلا أن القصبجي كان سابقا لعصره ولم يعب السنباطي أبدا اللحاق بأستاذه على درب التجديد والذي سبقه في التلحين لأم كلثوم باثني عشر عاما

في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات ظهرت مجموعة أغان قصار بصوت أم كلثوم اشتركت جميعها بالحداثة والسرعة والخفة إلى جانب قصرها غير المعتاد ، فطول كل منها بضع دقائق لا غير. وتشابهت تلك الأغاني كثيرا في أسلوب تلحينها وقد لاقى ذلك الأسلوب قبولا كبيرا لدى الجمهور ، وفوق ذلك فقد تشابهت أيضا في أنها استمرت تذاع بصفة مستمرة لعشرات السنين وكأنها صنعت لتوها. تلك المجموعة كان منها لرياض افرح يا قلبي 1937 مقام نهاوند ، و ح اقابله بكرة 1940 مقام راست ، ومنها للقصبجي ما دام تحب بتنكر ليه مقام نهاوند 1940 و يا صباح الخير 1944 مقام راست ، وأكمل زكريا القائمة لتصبح مجموعة متميزة في تاريخ أم كلثوم الفني ، ويبدو أن ذلك النموذج من الأغاني قد استهوى الملحنين الكبار فى ذلك الوقت حتى أنه يصعب على المستمع التمييز بينها على أساس الملحن ، على عكس الأغنيات الطويلة حيث المجال أوسع لإظهار شخصية الملحن وأضاف القصبجي إلى تلك المجموعة في نفس الفترة أغنية رشيقة أخرى ولكن بصوت بصوت أسمهان هى إمتى ح تعرف اعتمدت نفس الأسلوب 

يا ليلة العيد - أم كلثوم
عام 1940 يا ليلة العيد 
شهد نفس العام مولد أغنية أم كلثوم الشهيرة يا ليلة العيد آنستينا وجددتي الأمل فينا على يد رياض السنباطي من كلمات رامي ، وقد صاحب إعلان ظهور هلال العيد إذاعة تلك الأغنية كل عام ، وباتت من علامات الاحتفال بمقدم العيد. بعدها بثلاث سنوات أبدع الشيخ زكريا أغنية الليلة عيد (حبيبي يسعد أوقاته ) من كلمات بيرم التونسي وأصبحت الأغنيتان من علامات احتفالات العيد كل عام وهما أول شيء تذيعه الإذاعات العربية بعد إعلان رؤية الهلال ، بل أصبحتا دليل الناس على ثبوت الرؤية. وتضيف ألحانها البديعة بهجة خاصة لليلة العيد ، وهما لا تذاعان الآن إلا في هذه المناسبة وينتظر سماعها الناس لتبدأ التهاني ، وبهما خط السنباطي وزكريا خطوطهما في الوجدان العربي ونجحا في كسب تعلق الجمهور

في السنوات التالية انشغلت أم كلثوم بعدة أغان غاية في الثراء للشيخ زكريا من أشعار بيرم التونسي ، وخلال الأربعينات كان على رياض منافسة ذلك العملاق ، الملحن الذى يخشاه الجميع ، الشيخ زكريا الذي بلغت ألحانه لأم كلثوم قمة الشرقية والطرب ، وكان قد كون مع بيرم التونسي ثنائيا عبقريا وتميزت أعمالهما بغوصها في أعماق الفولكلور والجذور الشعبية للموسيقى ذات التأثير البالغ في قلوب الناس، وتكفي الإشارة هنا إلى بضع من أعمالهما لأم كلثوم ، أنا في انتظارك ، الآهات ، حبيبي يسعد أوقاته ، أهل الهوى ، الأوله في الغرام ، الأمل ، الحـلم ، وهي مجموعة من أروع ما لحن زكريا
كما كان عليه منافسة عملاق آخر هو أستاذه محمد القصبجي الذي أتحف الشرق برائعته رق الحبيب لأم كلثوم عام 1944
 
عام 1946 عام القمـــة  
بداية الرومانسيات الطويلة و القصائد الكبرى  
شهد ذلك العام مولد أغنيتين شهيرتين لأم كلثوم من كلمات أحمد رامي على يد رياض السنباطي هما يا طول عذابي ، و غلبت اصالح في روحي التي رد بها السنباطى على رائعة القصبجي رق الحبيب من نفس المقام ، نهاوند ، ويبدو أننا كنا سوف نشهد مسلسلا رائعا من الألحان المتنافسة بين الملحنين الكبيرين لولا توقف القصبجي عن التلحين لأم كلثوم بعدها إثر خلاف بينهما

أرست هذه الأغنية قدمي السنباطى في تلحين الأغنيات العاطفية الطويلة وأصبح له كلمة عليا فيه ، بل أصبحت ألحانه العاطفية لأم كلثوم ذات طابع خاص اتسم بالشرقية الأصيلة والمحافظة على الأصول العربية للموسيقى مع جمال اللحن وحداثة تراكيبه ، رددها الناس كثيرا وحفظوها عن ظهر قلب على طولها! وكانت بداية سلسلة طويلة من الأغنيات العاطفية التي شحنها الشاعر الرقيق أحمد رامي بكل رومانسيات الشباب وأحلامه ورقة شعوره، وحلق الاثنان فيما بعد في سماء الرومانسية دهرا طويلا بل إن أم كلثوم ظلت لا تغني إلا لهما ما يربو على العشر سنوات

القصائد الكبرى ولد الهدى ، سلوا قلبي ، نهج البردة 
ابتسم الحظ مرة ثالثة لرياض السنباطي عندما اهتدى إلى شيء جديد يقدمه لأم كلثوم ، فقد وارى قليلا أغنياته الرومانسية وقفز قفزة هائلة بثلاث قصائد طويلة من أروع ما كتب شوقي هي ولد الهدى (راست) ، سلوا قلبي (راست) ، و نهج البردة (هزام)
سلوا قلبي - أم كلثوم 
ظهرت في تلك القصائد روح جديدة في الأغنية العربية تميزت بالأصالة والجدية والتجديد ونالت إعجاب المستمع العربى في كل مكان. هنا أصبح رياض ملحنا كبيرا بحق وشتان بين ما قدمه في هذه القصائد وما قدمه قبل ذلك. وقد أضاف شعر شوقي بعدا جديدا هو الجمهور العربي خارج مصر الذي تعلق بالقصيدة العربية. ولا ننسى هنا أن الأفق العربي كان قد ارتاده محمد عبد الوهاب ملحنا ومطربا بقصائد شوقي وغيره، والتنافس بين قمتي الغناء عبد الوهاب وأم كلثوم يحتم عليهما ارتياد نفس الساحات والميادين ، ولا شك أن نتيجة هذا التنافس كانت في صالح الفن عموما كما أنها أثرت الوجدان العربي بما كان يتوق إلى التعبير عنه بعد عهود طويلة من سيادة الثقافات الغريــبة ، وكما يقال فإن الشعر يظل حبيس الكتب إلى أن يغنى فيعرفه من يقرأ ومن لا يقرأ ، فإذا علمنا أن أكثر من 90% من الشعوب العربية كانوا أميين ندرك أهمية ما فعله الفنانون سواء ملحنون أو مطربون فى نشر الثقافة العربية ومساعدتها على تملك الشعور العام

وهكذا فإن دور السنباطي فى هذا المجال لا يقل عن دور محمد عبد الوهاب تلميذ شوقي ووسيلته الإعلامية الأولى ، ولا يقل دور الاثنان ، وأم كلثوم أيضا ، عن دور شوقي نفسه وبقية الشعراء الكبار الذين أثروا عصر النهضة بأشعارهم. وكان عبد الوهاب لا يكتفى بإنشاد قصائد مثل دمشق وفلسطين وإنما كان يجوب البلاد العربية بنفسه ويشارك الأمة كلها في إعلاء ثقافتها ، ولا عجب في أنه قبل ذلك الحين لم يكن هناك فن حديث يذكر فى أي من بلاد العرب ، ولم يبق لدى الناس غير بعض الفن الشعبي المحلي بلهجات غارقة في المحلية ، وبعض الموشحات الأندلسية القديمة في الشام والمغرب ، أما العراق فقد تاثرت فنونه إلى حد بالغ بالفن التركي والفارسي ولم يبق من عروبة أنغامها الكثير

وإنه لعجب حقيقي أن مثل هذا الدور يقوم به أفراد ، مهما بلغوا من شأن فهم أفراد لا يمثلون كيانا سياسيا ولا حكومات ولا منظمات ولا حتى جمعيات أهلية أو أجهزة إعلام ، فقط أفراد لكنهم تمتعوا بحس عربي عال وجعلوا الموسيقى العربية تحمل لواء نهضة ثقافية يشك في بلوغها دونها. 

وربما من المناسب هنا أن نذكر أنفسنا بأن محاولات طمس الفنون هي محاولات رجعية لا ينتج عنها سوى الجهل والتخلف والتبعية للغير تركياً كان أم أمريكياَ ، وليس لها من فضل سوى طمس هويات الشعوب ودفن وجدانها تحت أقدام الهيمنة الخارجية فيصبح أفرادها أمواتا وإن أكلوا وشربوا وتنفسوا ، أو عبيدا للغير في أحسن الأحوال !

عودة إلى الفنان رياض السنباطي نجد أنه ، وبمساعدة توفيق أم كلثوم في اختياراتها الذكية لما تقدمه من أشعار راقية وقد وجدت فيه الملحن الموهوب الذي يستطيع تطويع الشعر العربي للحن والموسيقى بحيث يردده الناس وكأنهم يستخدمون لهجاتهم اليومية ، قد عهدت إليه بمهمة تلحين القصائد
عام 1947 يبتسم الحظ ابتسامته الكبرى لرياض السنباطي ، فقد اختلفت أم كلثوم مع كل من القصبجي وزكريا وتوقف كلاهما عن التلحين لها ، وبذلك أصبح رياض الملحن الوحيد لأم كلثوم بلا منافس!

لكن كان عليهما معا منافسة الأستاذ القابع فوق القمة ، محمد عبد الوهاب ، فقد كان عبد الوهاب ملحنا ومطربا ولم تكن هناك فرصة لخلافه إلا مع نفسه ، وهو يسير كالقاطرة لا يوقفه شيء ، وهكذا وجد السنباطي نفسه وجها لوجه في مباراة مع الأستاذ الكبير ، ولعل مجموعة قصائد شوقي التى غنتها أم كلثوم كانت في سياق ذلك التنافس مع عبد الوهاب الذي كان قد أطلق مجموعة قصائده الكبرى التي رفعته إلى قمة الموسيقى العربية ومنها الجندول ، الكرنك ، كليوباترا ، دمشق ، فلسطين ، دعاء الشرق ، النهر الخالد


يا للي كان يشجيك أنيني - أم كلثوم 
عام 1949 ياللي كان يشجيك أنيني
تشدو أم كلثوم بأغنيتها الساحرة ياللي كان يشجيك أنيني ، ويرتفع معها نجم السنباطي للسماء ، فاللحن شجي فعلا بل وفي غاية العذوبة ويثير في النفس الكثير من العواطف والشجن الجميل ويبرز جمال أنغام الشرق الساحرة. وقد تغير تذوق الكلمات مع مرور الزمن وتوارت شيئا فشيئا صورة المحب الذليل في الأغاني لكن اللحن لا يمكن اعتباره إلا من أجمل كلاسيكيات الموسيقى العربية

عام 1949 النيـــــل 
أنشدت أم كلثوم لأحمد شوقي إحدى روائعه النيــل (من أي عهد في القرى تتدفق) من لحن السنباطي في إضافة جديدة لقائمة أشعار شوقي

عام 1949 رباعيات الخيام 
لكن أحمد رامي الشاعر الذي حبس نفسه في شعر العامية ثارت لديه حفيظة الشاعر ففاجأ الجميع بمفاجأة كبرى ، لقد ترجم رباعيات الخيام الفارسية شعرا إلى العربية! ( سمعت صوتا هاتفا في السحر .. إلى قول الشاعر لبست ثوب العيش لم أستشر ، وحرت فيه بين شتى الفكر .. إلى ما أطال النوم عمرا ، وما قصر في الأعمار طول السهر ..) ، ليست مهمة سهلة بل دلت على براعة الرجل وتمكنه الكامل من اللغة والشعر. المفاجأة التالية يلحنها السنباطي بلحن عربى أصيل ويتسيد بها تلحين القصيدة ، وموضوع القصيدة هنا قد تعدى الخلفية القومية والدينية والمذهبية إلى آفاق إنسانية واسعة تخاطب عقل الإنسان وشعوره في كل مكان

ومرة أخرى نتساءل ما الذي كان يفعله هؤلاء الفنانون والشعراء في تلك الحقبة حالكة السواد من تاريخ الأمة العربية وقد انتشرت الأمية وضعفت اللغة وتهاوت الهوية وساد الاحتلال الأجنبي كل بقعة في الشرق وساد معه الهابط من الفنون والعادات. ورغم ذلك فإنهم ينقبون في درر الشرق الثقافية ويقدمون أعمق ما يكون من فكر في صور فنية غاية في الثراء والترقي ، ومع هذه القافلة الفنية سارت قافلة أدبية من روادها أحمد شوقي ، حافظ ابراهيم ، العقاد ، المازني ، طه حسين ، توفيق الحكيم وغيرهم كثيرون ، وكانت تصدر مجلات وصحف وتنشر كتب مليئة بالنقد والتنوير
وأين هذا من فناني اليوم وشعرائه؟ أليس الشعر قد اختفى والفن قد هزل من ورائه ، ولم يعد على الساحة غير المرتزقة وتجار الفن الرخيص؟! ، ولكن إن لم يكن هذا موضوعنا هنا فموضوعنا هو الإشادة بكل عمل محترم لا يخجل الإنسان من رؤيته أو سماعه ، ولن تقوم لنا قائمة إلا بترديد ما يعبر عن هويتنا ومشاعرنا بصدق وليس ما يملى علينا سواء من الخارج أو من تجار الفن بالداخل. بيد أن الفن ليس أشخاصا كما يبدو من هذه الزاوية ، فهو كغيره من الإبداعات البشرية في العلوم والنظم والاكتشافات يحتاج لبيئة صالحة تساعده على النمو السليم ، وكيف تدلي الأجيال الجديدة بصوتها في منظومة التنمية والازدهار وهي غارقة في سطحيات المادية وبطحاتها؟! مع نمو حركة النهضة الثقافية في أواسط القرن العشرين كانت الموسيقى مادة ندرس في المدارس ثم توقف تدريسها مع توقف أشياء أخرى كثيرة كالرياضة والهوايات والمسرح المدرسي والوجبة المدرسية والنشاط بكافة أنواعه ، فانتشر الدجالون ومدعو الفن بين الشباب يسوقون أعمالا لا تمت للفن الحقيقي بصلة، والجمهور الجديد أصلا لديه مشكلة هوية وانتماء وثقافة وإن حمل أعلى الشهادات! 

العـــودة للرومانســـية 

عام 1950 سهران لوحدي
عام 1951 يا ظالمني
أرسى رياض السنباطي معالم مرحلة جديدة في التلحين لأم كلثوم فقد لحن لها في رابع أغنية عاطفية طويلة لحنا رومانسيا جديدا هو سهران لوحدي أتبعه بأغنية يا ظالمني عام 1951 وبدأ يسترجع خطه الرومانسي مع الشاعر الحالم أحمد رامي فأنتجا معا أجمل ألحان أم كلثوم العاطفية ومعظم كلمات هذه السلسلة لأحمد رامي

المــــــــد الوطني
عام 1951 مصر تتحدث عن نفسها 
وقف الخلق .. ينظر كيف أبني قواعد المجد وحدي .. هكذا أنشدت أم كلثوم قصيدة مصر تتحدث عن نفسها لشاعر النيل الكبير حافظ ابراهيم .. كانت إرهاصات انتفاضة مصرية امتدت آثارها البعيدة فيما بعد على المنطقة كلها .. الكلمات تتحدث في فخر واللحن يزيدها فخرا وعلوا ، وتضحى الجدية سمة أساسية ، السنباطي يتبنى قضية وطنه ويعبىء الشعب لانتفاضة قادمة لهوية طالما حاول القوى الخارجية طمسها ولكنها لم تمح أبدا من ذاكرته ، لم يعد الفن للتسلية ولا للصالات ، أصبح سلاحا وطنيا يحرك الشعوب ، وهو بذلك قد لحق بركب محمد عبد الوهاب الوطني

عام 1952 ثورة يوليو والتغـييــر 
تقوم ثورة يوليو في مصر ويبدأ عهد جديد في كل شيء ، ويستقر الفن على شيئين ، التعبير عن الفرحة بقدوم عهد الحرية ، وزوال التوتر والألم من جراء معاناة الاحتلال والقهر واستبدالهما بمشاعر الاستقرار والأمل في المستقبل ومن ثم تغير لون الإبداع

استمر رياض السنباطي ملحن أم كلثوم الوحيد ما يقرن من عشر سنوات أثبت خلالها عبقريته ومقدرته الفنية العالية. وكانت ألحانه يطلق عليها ألحان" دسمة" نظرا لثراء أنغامها وتعبيراتها وأيضا لطول تلك الأعمال. وألحان رياض لأم كلثوم لها طابع خاص ومذاق عذب جعل كثير من الناس ترى أن رياض هو أفضل من لحن لأم كلثوم

كلاسيكيات السنباطي العاطفية لأم كلثوم  

1939 فاكر لما كنت جنبي - بياتى  
1946 غلبت اصالح - نهاوند 

1949 ياللي كان يشجيك أنيني - كورد
1950 سهران لوحدي - هزام
1951 يا ظالمني - كورد  
1952 جددت حبك ليه - نهاوند  
1954 أغار من نسمة الجنوب - راست   
1956 ذكريات - نهاوند   
1958 أروح لمين - راست  
1958 قصة الأمس - نهاوند
1958 عودت عيني - كورد  
1958 دليلي احتار - كورد     
1959 هجرتك - كورد  
1960 لسه فاكر - عجم  
1960 ثورة الشك - نهاوند  
1961 الحب كده - بيـاتي 
1961 حيرت قلبي - كورد 
1961 اقولك إيه - بياتي
1962 ح اسيبك للزمن - راحة أرواح 
1965 لا يا حبيبي - نهاوند  
1966 الأطلال - راحة أرواح  
1967 أراك عصي الدمع - كورد  
1969 أقبل الليل - كورد  
1972 من أجل عينيك - بياتي 

أضاف السنباطي لألحانه العاطفية ألحانا دينية أكمل بها السلسلة التي بدأها عام 1946 وأخرى وطنية أضافها للحنه الوطني الشامخ مصر تتحدث عن نفسها

أغان دينيــــة لأم كلثوم 
1946 ولد الهدى - راست
1946 سلوا قلبي - راست
1946 نهج البردة - هــزام
1955 إلى عرفات الله - هــزام
1967 حديث الروح - هــزام
1971 القلب يعشق كل جميل - بياتى
1972 الثلاثية المقدسة - هزام  

أغان وطنيــة لأم كلثوم 
1951 مصر تتحدث عن نفسها - راست
1952 مصر التي فى خاطري - نهاوند
1954 مثال الوطنية - هــزام
1955 شمس الأصيل - حجاز كار
1956 صوت السلام - بياتي
1958 بطل السلام - هزام
1958 بغـــــداد - راست
1960 أغنية الســد - راست
1961 ثـــــــوار - حجاز كار
1964 طوف وشوف - كورد
1965 حبنا الكبير - عجم
1967 راجعين بقوة السلاح - عجم
1967 دوس على كل الصعب - عراق 

ألحان لغير أم كلثوم 
لحن السنباطي عشرات الألحان لعديد من المطربين والمطربات ، وكلها ألحان جيدة اتسمت بنفس الصفات من الأصالة وشرقية الأنغام ، حققت شهرة كبيرة لمغنييها ، منها أغنية لعبة الأيام لوردة الجزائرية ، لكن لم ترق أي أغنية منها إلى مستوى أغاني أم كلثوم ، ولا يعرف السبب الحقيقي وراء هذا الاختلاف ، فهناك من يرى الفرق في صوت أم كلثوم وأدائها ، بينما يرى آخرون أن السنباطي كان يجيد أكثر عندما يلحن لأم كلثوم!

غنــــــاء الســنباطي
عرفت عدة ألحان مما لحن السنباطي لنفسه وغناها بصوته منها لحنه الشهير على عودي ، لكنه لم يحترف الغناء ، وهو عند الجمهور ملحن بالدرجة الأولى
كان السنباطي من المعجبين بألحان سيد درويش والمتأثرين به ، وقد غنى له أحد أدواره بصوته وهو دور أنا هويت وانتهيت ، وهذه لفتة هامة حيث لم يسبق لرياض الغناء من ألحان غيره بعد احترافه التلحين

في الموسيقى البحتة 
من أشهر ما ألف رياض مقطوعة من قالب اللونجا التركي السريع من مقام نهاوند ، وأسماها باسمه ، لونجا رياض ، كما جرت العادة القديمة في تسمية المقطوعات المؤلفة على القوالب الموسيقية الكلاسيكية ، وهي مقطوعة غاية في الجمال وتحتوي على ألوان من الجمل السريعة الرشيقة التي تحتاج لمهارة فائقة في العزف 
 

في العزف على العود 
لرياض معزوفات قيمة على آلة العود يحرص الهواة على اقتنائها باعتباره من أمهر عازفي الشرق ، وقد سجلت تلك التقاسيم بأسماء مقاماتها الموسيقية ، كتقاسيم نهاوند ، تقاسيم بياتي ، تقاسيم حجازكار وهكذا. وله أسلوب متفرد في التقاسيم يعتمد على المزج بين براعة التكنيك وجمال الجملة الموسيقية
ويشترك السنباطي مع محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب في شهرتهم كعازفين على العود من الطراز الأول

تقييم ألحان السنباطي
لم يفشل لحن لرياض السنباطي ، هكذا تولد الانطباع لدى الجمهور والموسيقيين أيضا. وحاول ملحنون كثيرون تقليد السنباطي في ألحانهم لمختلف الأصوات الغنائية ، ونستطيع القول بأن السنباطي كان أكثر الملحنين الرواد هدفا للتقليد إعجابا بأسلوبه الشرقي الأخاذ وأصالة موسيقاه
ويشترك السنباطي مع الشيخ زكريا أحمد في ميله للشرقية والمحافظة على النغم العربي الأصيل ، وقد آثر البعد عن التجريب ولم يتأثر كثيرا بموسيقى الغرب ، فإذا استمعت إلى موسيقاه فأنت تستمع بحق إلى موسيقى الشرق العربي
ويصعب تفضيل أحد ألحان رياض على الآخر لكن في رأينا أن قصائده الكبرى ولحنيه شمس الأصيل والأطلال لأم كلثوم قد بلغ فيها قمة الأصالة والإبداع ، بحث وتحرير د.أسامة عفيفي، رياض السنباطي

نماذج من ألحان السنباطي
.