كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الأحد، 27 سبتمبر 2015

التحميلة .. قالب موسيقي عربي مُغرقٌ في الأصالة ينضحُ بالابتكار

تحدثت قبل مدة عن قالب التحميلة و رسمت له جدولاً مبسطاً و ربطت أجزاء الجدول بمثال من تسجيل واحد، بحيث يتابع القارئ مع الجدول، فقرة التسجيل، و يحسن الاستماع و تذوق المقطوعة الموسيقية التي يطلق عليها أسم "تحميلة"
لكني هذه المرة، بودي أن اتطرق لها بشكل آخر. سنرى على المائدة مجموعة من الأشكال الضرورية لتبسيط فهمنا لقالب التحميلة واستيعابه، 
ومن ثم، تذوق التسجيلات المتوفرة و رؤية الأجزاء بكل وضوح و تثمين جهود العازفين وفهم المعاني التي نسمتع إليها منهم بشكل أفضل و معرفة النواقص والأخطاء التي رأيناها ترتكب في تقديم هذا القالب المدهش، وفي نفس الوقت، نبحث عن أرقى ما قدم من تسجيلات
هذه هي الأشكال التي نتوقع أن نلقاها حين نستمتع إلى قالب التحميلة:
 
 قالب التحميلة، من القوالب المدهشة التي يعزفها اليوم ثلة قليلة من الموسيقيين العرب و يفهمه ثلة أقل منهم. هذا القالب أكثر تعقيداً من قوالب مثل السماعي والموشح و الطقوقة، و يتطلب من العازف خبرة بالموسيقى الشرقية، معرفية و عملية، و تمكناً من آلته و من مهارات التطريب والإرتجال و الابتكار في نفس الوقت
لا نريد أن نسمع المقطوعة الموسيقية، هكذا لماماً؛ نريد أن نسمع ونفهم رسالة موسيقية، نتلمس عمق المعنى؛ المعنى الموسيقي. و حتى لا أتأخر عليكم في ذلك، ها قد جزأتُ التحميلة إلى أقسام ليسهل فهمها. أريد أن نعرف قوانين اللعبة و مساحة اللعب و أين الثابت والمتغير و المتحول
التحميلة يلعبها - يعزفها - مجموعة من العازفين فيما يسمى بالتخت الشرقي. و في التخت الشرقي، كما في موسيقى الحجرة في الموسيقى الغربية العظيمة، يجب أن يتمتع كل عازف في المجموعة بكفاءة عالية في العزف المنفرد وليس التمكن حال التخفي وراء فقرة موسيقية كبيرة - أوركسترا. و عند الشرقيين، نتوخى أن يكون التمكن في العملي والنظري، بحيث يكون قد ألِفَ العازفُ تقاليد التراث و اعتاد عليها و اكتسب مكنةً في الابتكار.
سأختار أشهر و ألذ تحميلة في التراث و هي تحميلة الرست (السوزناك) المسماة باسم مقامها ولا يعرف مؤلفها حتى اليوم.
لنبدأ ببعض الشروط - أو قوانين اللعبة.
التحميلة إيقاعها ثنائي : دم تك أو مركب منه كالرباعي مثلاً. في مثالنا سيكون الايقاع: دم ت دم تك مكروراً ولكن يمكن سماعه كدُم و تك بطيئين.
الجمل اللحنية مركبة على هذا الإيقاع، لا تحتمل الصمت المطول في كل مراحل العزف الفردي والجماعي؛ أي إذا كان هناك توقف لحظي فلن يصل في طوله إلى مقدار دورةٍ واحدة من الإيقاع مكونة من دم و تك!
التحميلة مكونة من نوعين من العزف، عزف فردي و عزف جماعي.
هناك تناوب و التزام في ترتيب هذا العزف الجماعي والفردي، وهناك قوانين لعبة لكل من هذه الأدوار سأشير لها في وقتها.
لنحاول الآن الاستماع مثالنا مصوراً بالرسم و الوصف و تقطيع المقطوعة إلى الجزء المعني بالحديث وبالترتيب.
التحميلة تبدأ بمقدمة يشترك فيها كل العازفين بالعزف في آن واحد يقولونها من أولها حتى آخرها. و مقدمة التحميلة هنا كالتالي:

المقدمة تبدأ منذ بداية التسجيل حتى الثانية 24.
في التسجيلات المتوفرة، هناك عزف للمقدمة مرة واحدة، وهناك تكرار لعزفها، وكان هناك تسجيلٌ العزفُ الأول للمقدمة في القرار، أما التكرار فكان في الجواب. هذه الفقرة تعزفها مجموعة، ولكن لكل عازف منهم ضمن العزف الجماعي شخصية مميزة فيما يعرف في العزف الشرقي بالهتروفونية، و هو الامتزاج بين الأصوات والتمايز بينها في آنٍ ليس مثل ما يعرف بالتجانس - الهارموني.
في هذا التسجيل، سامي الشوا على الكمان، و سعادة شجاتة على العود، و عبد الحميد القضابي على القانون و عازف الإيقاع محمود رحمي والتسجيل لشركة أوديون أوائل عام 1928.*

بعد أن يقول التخت جميعاً المقدمة، يعطي الجميع إشارة دخول للعازف الأول لكي يقدم فقرته.


هذه هي إشارة الدخول لكي يدخل العازف الأول، و هي نفس الإشارة للدخول ستتكرر في المستقبل.


في التحميلة، يكون لدى العازف خياران على ترتيب مُفضّل هو: الاستعراض يليه السؤال والجواب - الحوار.
أما الاستعراض فيأتي أولاً.

فبعد إشارة مجموعة التخت بأن يدخل، يقوم الفارس بالدخول بفرسه الميدان و يبهر ويفاجئنا بتقاسيم مرتجلة مُوَقّعة ، على إيقاع ، مكون من دورات عدة للإيقاع بحيث يأخذ دورتين أو ثلاث أو أربع أو أكثر و ينتهي مع أخر دورة إيقاع يختارها لتأخذ منه الفرقة الزمام و تقول إشارة الدخول من جديد و يكون لديه فرصة أخرى للاستعراض أو السؤال والجواب
سمعنا كيف تكون إشارة الدخول في تحميلة السوزناك هذه، و لنلاحظ تكرارها بعد كل استعراض.
هذا الاستعراض قد يكون من نفس مقام التحميلة، أو يبدله كل مرة يستعرض إلى مقام آخر وتقطيع آخر وتفنن آخر، أو يبدله العازف باستعراض طويل يتضمن تنويعاً مقامياً مقنعا و تقطيعاً وفكرة موسيقية مقبولة تنتهي عند نغمة الدخول ذاتها مسهلاً للمجموعة التقاط الزمام و تشير له بالدخول
في هذا الاستعراض، لا يكون هناك توقف يصل لدورة إيقاع زمنياً، فيكون مجرد ترك فاصلة أو فاصل منقوطة دون وصول غل نقطة توقف
نلاحظ في مثالنا الاستاذ شحاتة سعادة ينزل الميدان بفرسه - العود - ويستعرض على الإيقاع يقسم عليه و يفرد المعاني و ينتهي مع الإيقاع على نفس النغمة التي يستلم عليها التخت جملة الدخول مجدداً. نسمع من الثانية 30:
نلاحظ ان الاستاذ شحاتة انتهى من استعراضه الأول في الثانية 40 والتقط التخت منها الإشارة له بمعاودة الدخول.

إذا اكتفى العازف من دورات الاستعراض، لو اختار أن تكون أكثر من مرة، يأتي دور السؤال والجواب. فنفس العازف هذا، جال وصال واستعرض بفرسه - آلته -
ثم يجيء دور الحوار بينه وبين التخت كمجموعة. يبدأ بطرح سؤال في مقدار دورة إيقاع واحدة مثلا، فيرد التخت عليه بجواب واحد قد لا يتغير. ثم يطرح ذات السؤال أو يبدل فيه نغمة أو إحساساً مختلفاً قليلاً أو ينوع في الترنيم. يلي ذلك الجواب المعهود من التخت.
ثم قد يطيل في سؤال يأخذ دورتين أو ثلاث، قد يشتط غضباً، قد يحزن، قد يبكي، قد يطلب تأكيداً، و وراء كل سؤال طال أو قصر بمقدار دورات دقيقة الطول، و راء كل سؤال جواب هو ذاته مكرر إلا من ملاحقة في النغمة التي ينتهي فيها سؤال الفارس .. حتى ينتهي الحوار من السؤال والجواب بين الفرد والتخت.

في الثانية 46، يقرر الاستاذ شحاتة الدخول في الحوار بعد استعراض واحد فقط. نسمع:


كيف ينتهي الحوار؟ ببساطة، يعطي الفارس إشارة خروج للتخص بأنه انتهى و يعزف هذه الجملة، وهي إشارة الخروج وتبدأ هنا من الثانية 26 بعد الدقيقة الأولى بمقدار جسر من ثانيتين لتعود المقدمة التي عهناها.



بمجرد أن يلمح التخت إشارة انتهاء الحوار، يلتقط الجملة المؤدية للمقدمة التي بدأت بها التحميلة فيقولها كاملة بكل احتفالية و هتروفونية و توافق جماعي وينتهون معاً بإعطاء إشارة لدخول فارس آخر ليستعرض و يسأل و يجيبون كما بينت في الفقرة السابقة. عدد مرات الاستعراض و مهاراته و السؤال والجواب تختلف من عازف لآخر تبعاً لخبرته و مكنته من آلته و من التقاليد و فنون الابتكار، و بمجرد أن ينتهوا من حواره، يعطي إشارة الخروج فتلتقط الفرقة خيط المقدمة فتقوله من جديد وهكذا إلى الفارس الذي يليه ثم الذي يليه حتى ينتهي دورهم جميعاً فتقال المقدمة جماعياً من غير إشارة دخول أو تختتم ببطئ أو بموسيقى للنهاية تؤلف خارج التحميلة من جنسها او بتقاسيم أحد العازفين من نفس مقام التحميلة كل ذلك كوسيلة للإيحاء بالختام.
في هذا التسجيل، في الدقيقة الأولى و 51 ثانية، تأتي الإشارة بالدخول مجدداً فيدخل سامي الشوا بكمانه. يبدأ في الاستعراض بتقاسيم موقعة تنتهي في 2:18 ثانية و يعود التخت و يعطي إشارة أخرى بالدخول. يعود للاستعراض مجدداً بشكل آخر و تمرد آخر وينتهي عند 2:37. تاتيه بعدها إشارة بالدخول فيتحول للحوار. ها هو يسأل و الفرقة تجيب و لنراقب التنوع والابتكار حين يبدأ بالسؤال على الراست في 2:47 ثم يليه الجواب فيعود ويسأل من الصبا فيجيبون من الرست وهكذا.. هو يسأل و جوابهم يلاحقه مع نغمته التي توقف عليها ولكن من الرست.
نلاحظ أن في التسجيل صمت في 3:02 وهذا لأنه منقول من اسطوانة لكن يكمل من الثانية 3:15 من حين كان. ها هو في السيكا ثم في الصبا و الجهاركاه .. والبياتي .. والراست وهكذا حتى يعطيهم إشارة الخروج من هذا الحوار المطول الممتع في القرار والجواب .. والإشارة في 4:38، وتعرفون أنه سلم و حمّل الجملة إلى التخت ليقول المقدمة من جديد.
في 5:10، يبدأ الاستاذ عبدالحميد القضابي استعراضه على قانونه بعد إشارة الدخول وينتهي منه في 5:31. يعطيه التخت إشارة بالدخول مجدداً فيدخل محارواً بسؤال و جواب من التخت بتتابع ثم يعطي إشارة الخروج في 6:01 و يستلم التخت فيعود للمقدمة الذيذة الآن في وقتها .. بعد أن اعتدنا عليها و تكون النهاية عند 6:25 - ملاحظة بقية التسجيل في الأسطوانة لا علاقة له بالتحميلة المعنية.
أشهر من عزف هذه التحميلة على هذه الأصول هو سامي الشوا و من شاركه من الأساتذة في تخته من مثل محمد القصبجي و عبد الحميد القضابي و شحاتة سعادة و علي الرشيدي وغيرهم. وهناك تسجيلات رائعة لمجموعات من الشباب من ضمنهم الاساتذة أحمد الصالحي و مصطفى سعيد و غسان سحاب والقدير الاستاذ رياض عبدالله. و قدر وجدت لها تسجيلات للاستاذ جميل بشير في جلسة خاصة و تسجيلات من اسطوانة للأستاذ سيمون شاهين والاستاذ سامي خشيبون و فرقته والاساتذة في رباعي شجن و فرق عربية و أجنبية في أمريكا و غيرها.
يلاحظ أن هناك سوء فهم لقالب التحميلة في كثير من التسجيلات و حتى من ألف تحميلات جديدة على مقامات أخرى بحيث تلغى خانة الاستعراض، و يُكتفى بالسؤال والجواب، و في أحيان كثيرة تكون هذه التحميلة منوتة - مدونة - و هكذا تكون قد قُتل عنصر الارتجال و الابتكار والتنوع والتمرد الهتروفوني و قُتل قالب اساسه التنويع والتطريب و عدم الالتزام الحرفي الذي ينبو عنه الذوق الشرقي و الروح التي تمل و تكل من التكرار والرتابة.
هناك من يخلط بين خانتي الاستعراض و الحوار - السؤال والجواب، فنلقاه بدأ يستعرض ثم انتقل فجأة للسؤال و الجواب أو العكس أو في وسط السؤال والجواب جعل يستعرض و ترك التخت ينتظره لا يعرف كيف يجيب و انتهى بإشارة الخروج ليقول التخت المقدمة. وهناك من يضيف لزمة هنا أو هناك لا علاقة لها بالمؤلف من ضمن هيكل التحميلة بما يعكر صفو الموسيقى الأصل ويغيرها.
هناك أخطاء أكثر فداحة، فقد لا يعي العازف دورة الإيقاع، فيقف ويسلم الدور للتخت في غير مكانه أو يقضي الوقت في إلقاء جمل من الارتجال على غير الإيقاع أو على غير أصول المقام في التقسيم لا من حيث الترتيب ولا من حيث فكرة مبنية مسبقاً أو تبنى بشكل منطق موسيقي مقبول فضلاً عن الذي يتوه من حيث يبدأ فلا يعرف إلى أين يمضي و إلى اين ينتهي.
قالب التحميلة، قالب جماله في تعقيده، و روعته في سهولة استيعابه استماعاً وتأملاً وعزفاً و تفنناً. و أروع ما يكون أن يكون هناك قالب فيه التزام من ناحية و حرية كبرى من ناحية أخرى تجعل كل التخت على أعلى ما يكون من المنافسة والتعاون والبراعة و التزام بالتقاليد الشرقية و بحدود بعيدة من الابتكار. التحميلة تنمي عند السامع والعازف والموسيقي الجديد الكثير من الطاقة و المهارة و الأمكانيات والخيال وبذرة التأليف و خلق قواعد والثورة عليها أكثر مما تفعله التقاسيم الحرة أو التقاسيم الموقعة المستقلة بذاتها.
هذه وليمة كبرى لذوي الذوق الرفيع من الموسيقيين و الهواة والسميعة .. فليذوقوا و ليهنأوا بكل ما لذ و طاب من معتق و جديد.
تسجيلات مختارة
* استعنت بالتسجيل أعلاه من خيرات و توثيق الاستاذين أحمد الصالحي و مصطفى سعيد. و الشكر للأستاذ مصطفى سعيد و مؤسسة التوثيق والبحث على التكرم بمشاركة صورة ملصق التسجيل.
* ملاحظات: يفضل الأستاذ مصطفى سعيد كما في برنامجه الرائع من روضة البلابل - نظامنا الموسيقي - إطلاق اسم مذهب على المقدمة وربما كان ذلك أنسب في التسمية من باب أن المقدمة لن تكون مقدمة في منتصف التحميلة و في نهايتها. و يفضل كذلك أن يطلق على الاستعراض اسم التفريد، أما السؤال والجواب فيفضل أن يطلق عليه اسم الوحايد و هو في ذلك يتبنى تقارباً في نمذجة التحميلة على قالب الدور والذي هو قالب عربي غنائي شاع مع التحميلة في عصور متزامنة.

السبت، 19 سبتمبر 2015

الإسكندرية تستضيف مهرجان أجيال 29 سبتمبر

تستضيف مدينة الإسكندرية مهرجان أجيال للموسيقى العربية الثلاثاء 29 سبتمبر 2015. يشترك في المهرجان عدة فرق وفنانين من داخل وخارج مصر.
ينفرد مهرجان أجيال بتقديم أعمال فنية جديدة بجانب الأعمال الكلاسيكية لكبار الفنانين الرواد مثل سيد درويش، محمد عبد الوهاب، رياض السنباطي، زكريا أحمد ومحمد القصبجي، بالإضافة إلى ألحان التراث الأقدم كالأدوار والموشحات والطقاطيق. ويهدف المهرجان بجمع القديم والجديد إلى تشجيع المواهب الشابة بتقديم أعمالهم مع الاقتداء بالفن العربي الأصيل بمدارسه المختلفة. ويشمل البرنامج أعمال ثلاثة أجيال على الأقل في عرض واحد، ومن هنا جاءت تسمية المهرجان.
تضم قائمة المشاركين فرقة الإسكندرية للموسيقى العربية وفرقة بنزرت للموسيقى العربية التونسية بقيادة الفنان محمد موحى، وعديد من المطربين والمطربات منهم ياسر الشرقاوي، فيصل رجيبة، أميرة، عادل يوسف، أحمد حسام، أحمد حسن، وكريم عبد العزيز. ومازالت بعض المشاركات معلقة مثل فرقة الفجيرة من الإمارات وفرقة أصوات المدينة من السودان والمطربة السورية لميس خوري.

يقام المهرجان برعاية جمعية الموسيقار محمد عفيفي وثقافة الشاطبي. عمل محمد عفيفي أستاذا للموسيقى الشرقية بمعهد الموسيقى العربية بالإسكندرية، وكان من أحد تلاميذه في المعهد الملحن الكبير كمال الطويل. وكما يقول الفنانون السكندريون يعود إليه الفضل في تدريب عدة أجيال من الفنانين عبر نشاطه في الإذاعة والمؤسسات الثقافية والفنية والتعليمية لأكثر من خمسين عاما. وكان الحارس الأمين على التراث الفني خاصة تراث سيد درويش وزكريا أحمد، كما ساهم كثيرا في توثيق ونشر التراث. ومن ضمن أعماله عدة ألحان لمطربة القطرين فتحية أحمد ستقدم بعضها فرقة الإسكندرية بقيادة أحد تلاميذه، المايسترو مدحت بسيوني.
يقدم المهرجان 10 جوائز منها ثلاثة جوائز لأفضل مستوى هي الفنار الذهبي والفضي والبرونزي، وميداليات ذهبية للفنانين المتميزين، ويحضره جمع من الجمهور السكندري العاشق للفنون. كما يستضيف المهرجان بعض ضيوف الشرف منهم الدكتور حسن البحر درويش حفيد فنان الشعب، والحافظ لكثير من أعماله، والأستاذ محمد غنيم رائد الثقافة الجماهيرية، والفنان على الجندي رائد الفنون الشعبية، والأستاذ محمود حسن مدير ركن محمد عبد الوهاب، والشاعر جابر بسيوني الذي ضم أحد كتبه فصلا عن الفنان محمد عفيفي، والصحفي البارز حسام عبد القادر، والكاتب الأديب منير عتيبة، بالإضافة إلى بعض الشخصيات العامة. 
يقام المهرجان على أحد أكبر مسارح الإسكندرية، مسرح كلية النصر للبنات EGC ، وجرى التحضير له منذ عدة أشهر. ويقول منظم المهرجان الدكتور أسامة عفيفي إن فكرة إقامته بدأ تتبلور مع إحياء ذكرى الفنان محمد عفيفي، وتطورت إلى مهرجان شامل لما وجدنا حماسا كبيرا من فناني الإسكندرية وكذلك من فرق عربية للمشاركة في عمل كبير يجمع الفنانين العرب المهتمين بالتراث وتقديم أعمال جديدة تعبر عن الهوية العربية الأصيلة يشارك فيها الشباب. 
ويضيف أنه "كان هناك بعض الصعوبات أمام إقامة المهرجان أهمها التمويل، ولم نجد تشجيعا ولا مساهمة من أي جهة رسمية مثل وزارة الثقافة التي يفترض أن تكون الراعي الأول لمثل هذا النشاط الذي يلقى قبولا جماهيريا كبيرا، وكان يجب على الأقل أن تفتح المسارح للنشاط الجماهيري لكنها فضلت إبقاءها مغلقة طالما لا تعرض برنامج الوزارة"، "كما أن وزارة التضامن الاجتماعي وضعت عقبات كبيرة في طريق تمويل المهرجان، ونأمل أن تلتفت هذه الجهات إلى دورها في رعاية ودعم الفنون بطريقة أفضل في المستقبل. بالإضافة إلى مشاكل أخرى مثل صعوبة الحصول الفنانين العرب على تأشيرة أو تذاكر السفر، ولكن تم التغلب على معظم هذه العقبات بفضل حماس وإقبال الفنانين ومحبي الفن. وقد تلقينا طلبات اشتراك من مصر وتونس والكويت والإمارات وسوريا والسودان، ومن لم يشترك في دورة هذا العام سنرحب به في الدورات القادمة بإذن الله".
تتألف هيئة التحكيم من خمسة أعضاء هم الموسيقار منير الوسيمي، نقيب الموسيقيين السابق، الموسيقار إيهاب عبد السلام عضو لجنة الاستماع الموحدة للإذاعة والتليفزيون بالقاهرة، الدكتورة سلوى حسن أستاذة الغناء بالمعهد العالي للموسيقى، الكونسرفاتوار، بالقاهرة، الموسيقار أحمد خليل، قائد فرقة الإذاعة ونقيب الموسيقيين السابق بالإسكندرية، والدكتور أسامة عفيفي المدير الفني لمهرجان أجيال.
ويضم موقع المهرجان الرسمي قائمة بالفنانين والفرق المشاركة، ونموذج تسجيل الاشتراك وصور الجوائز، وفيديو يعرض فكرة المهرجان وأهدافه.
روابط

السبت، 12 سبتمبر 2015

في ذكرى رياض السنباطي

هذا العام 2015 يوافق الذكرى التاسعة بعد المائة لميلاد الفنان الرائد رياض السنباطي والذكرى الرابعة والثلاثين لرحيله. ولد رياض  في 30 نوفمبر 1906، ورحل عن عالمنا في 9 سبتمبر 1981 تاركا ثروة فنية عظيمة
استطاع رياض السنباطي الصعود إلى قمة السلم الفني كبار بموهبة عظيمة وإخلاص كبير، ولا يمكن ذكر اسم كوكب الشرق أم كلثوم دون ذكر اسم الملحن الكبير الذي لحن لها أفضل ما غنت.
برع السنباطي خاصة في تلحين القصائد خاصة التي غنتها أم كلثوم، وبفضل ألحانه انتشرت قصائد عربية عظيمة، كما غنت له كوكب الشرق العشرات من الألحان الرومانسية معظمها من كلمات أحمد رامي

بدأ رياض نشاطه الفني في العشرينات واستمر حتى السبعينات من القرن العشرين، لكن شهرته بدأت مع أم كلثوم عندما لحن لها لأول مرة أغنية بعنوان "على بلد المحبوب" عام 1936.
لم يكن اتجاه رياض للفن صعبا كما كان الحال مع غيره من الفنانين، فقد نشأ في أسرة فنية وعلمه والده بنفسه مبادئ الموسيقى والعزف على العود، وبدأ رياض كمطرب خاصة بألحان محمد القصبجي، ثم ترك مدينته "المنصورة" وانتقل إلى القاهرة حيث التحق بمعهد الموسيقى.
بلغت ألحانه لأم كلثوم أكثر من 90 أغنية خلال أربعة عقود آخرها عام 1972 بقصيدة "الثلاثية المقدسة" وهو صاحب أطول قائمة في ألحان أم كلثوم. قدم السنباطي لأم كلثوم مجموعة أغان قصيرة لأم كلثوم ظهر فيها تأثره بأسلوب محمد القصبجي، قبل أن يضع أول طويل لها "فاكر لما كنب جنبي" وهو لحن رومانسي كتب كلماته أحمد رامي في قالب المونولوج، وكان فرصة جيدة لإظهار أسلوبه الخاص في التلحين الذي صبغ معظم ألحانه العاطفية بعد ذلك. كانت تلك الأغنية تسمع في الستينات وكأنها صنعت لتوها وليس في الثلاثينات.

في عام 1940 حقق السنباطي جماهيرية كبيرة بلحنه "يا ليلة العيد آنستينا وجددتي الأمل فينا" من كلمات أحمد رامي، وهي الأغنية التي تزامن إذاعتها مع ظهور هلال العيد كل عام، وانتقل بها السنباطي من صانع ألحان إلى صانع فولكلور. ولم ينافسه في ذلك غير الشيخ زكريا أحمد الذي لحن لأم كلثوم أيضا أغنية الليلة عيد (حبيبى يسعد أوقاته) من كلمات بيرم التونسى بعدها بثلاث سنوات ولا زالت الأغنيتان تثيران البهجة في النفوس وينتظر سماعها الناس لتبدأ التهاني بالعيد، وبهما خط السنباطي وزكريا عميقا فى الوجدان العربي ونجحا في كسب الجمهور لأجيال.

خلال الأربعينات كان على رياض منافسة الملحن الذى يخشاه الجميع، الشيخ زكريا، الذى بلغت ألحانه لأم كلثوم قمة الشرقية والطرب لا يجاريه أحد، وكان زكريا نهرا لا ينضب من الألحان الموغلة في الشرقية والجذور الشعبية للموسيقى التي تأسر الأسماع والقلوب. من أمثلة ما لحن زكريا في تلك الفترة أنا فى انتظارك ، الآهات ، حبيبى يسعد أوقاته ، أهل الهوى ، الأوله فى الغرام ، الأمل ، الحـلم. كما كان عليه منافسة عملاق آخر هو محمد القصبجى، الملحن المجدد صاحب أغنية أم كلثوم الأسطورية "رق الحبيب". 
لكن السنباطي وجد طريقا آخر لم يطرقه الآخرون كثيرا، وهو القصائد. وفي عام 1946 بالتحديد قفز قفزة هائلة بثلاث قصائد طويلة من شعر أحمد شوقي هي ولد الهدى، سلوا قلبي، و نهج البردة. بثت تلك القصائد روحا جديدة فى الأغنية العربية تميزت بالأصالة والجدية والتجديد ونالت إعجاب المستمع العربى فى كل مكان، وبها رسخ السنباطي أقدامه ليس في عالم التلحين بل كشخصية عربية مهتمة بالتاريخ والفكر والوجدان العربي على مستوى الأمة العربية كلها. ولا شك أن قيامه بتلحين أشعار شوقي بما احتوته من مضامين ومعان سامية قد أضاف بعدا جديدا إلى مهمة الغناء العربي كما أضاف جمهورا كبيرا في جميع البلاد العربية التي كانت تتطلع إلى الشعور بقوميتها المستقلة بعد حقبة طويلة من السيطرة العثمانية. ووجدت أم كلثوم في رياض السنباطي الملحن الموهوب الذى يستطيع تطويع الشعر العربي للحن والموسيقى بحيث يردده الناس وكأنهم يستخدمون لهجاتهم المحلية.
لم يكن هذا الأفق العربي جديدا تماما، فقد ارتاده محمد عبد الوهاب بقصائد شوقى وغيره، وهنا لابد أن نذكر لأم كلثوم اختيارها لتلك الأشعار حتى وإن كان من باب التنافس مع عبد الوهاب. وهو تنافس إيجابي صبت نتيجته في صالح الفن والمجتمع.

كما يجب هنا الإشارة إلى دور الفنان في بناء ثقافة مجتمعه. فلولا تلحين وغناء تلك القصائد التي عبرت بصدق عن الهوية العربية لظلت حبيسة الكتب والدواوين، وبالغناء يصل الشعر والثقافة السامية إلى كل الناس حتى الأميين. وكان عبد الوهاب لا يكتفي بإنشاد قصائد مثل دمشق وفلسطين وإلام الخلف، وإنما كان يجوب البلاد العربية بنفسه ويشارك الأمة كلها في إعلاء ثقافتها
إضافة إلى البعد اللغوي والمعنوي هناك بعد لا يقل أهمية، وهو تحديث الفن. قبل ذلك الحين لم يكن هناك فن حديث في بلاد العرب، فقط بعض الفن الشعبى المحلي، وبعض الموشحات الأندلسية. ومع ظهور هذه الفئة من الملحنين المجددين والمطربين المثقفين، أصبحت الموسيقى العربية أحد مكونات الهوية العربية الحديثة، وإحدى أدوات المجتمع في التحديث.

لم تطل منافسة رياض لزكريا والقصبجي طويلا، ففي عام 1947 اختلفت أم كلثوم معهما وتوقفا عن التلحين لها، وخلت الساحة لرياض الذي أصبح الملحن الوحيد لأم كلثوم.
لكن المنافسة لم تنته مع عبد الوهاب، الذي تربع على قمتي التلحين والغناء بألحان عظيمة لقصائد كبرى مثل الجندول، الكرنك، كليوباترا، دمشق ، فلسطين، دعاء الشرق، والنهر الخالد
دخل هذه المنافسة الشاعر الذى حبس نفسه فب شعر العامية طويلا، أحمد رامي، بمفاجأة كبرى حين ترجم رباعيات الخيام الفارسية شعرا إلى العربية ليلحنها السنباطي بلحن عربي أصيل وينتقل الثلاثي بالقصيدة من الآفاق القومية والتاريخية إلى آفاق إنسانية وفلسفية واسعة تخاطب الإنسان في كل مكان. 
عام 1950 أرسى رياض السنباطى معالم مرحلة جديدة في التلحين غلب عليها الطابع العاطفي بدأت بأغنيات سهران لوحدى، جددت حبك ليه، يا ظالمني، معظمها من كلمات أحمد رامي، واستمرت لأكثر من عقدين حتى السبعينات.
ثم في عام 1951 دخل السنباطي مجالا جديدا هو الأغنيات الوطنية، وأبدع سلسلة منها بدأت بالقصيدة الشهيرة لشاعر النيل حافظ إبراهيم "مصر تتحدث عن نفسها". ولحق السنباطي وأم كلثوم بعبد الوهاب مرة أخرى بتقديم القصائد الجادة أسهمت في بث الروح الوطنية وتدعيم الاعتزاز بالهوية. تخلل السلسلة أغان شهيرة مثل مصر التي في خاطري، مثال الوطنية، ثوار، طوف وشوف، حبنا الكبير وغيرها. 
اشتهرت خاصة من حقبة الخمسينات أغنية شمس الأصيل من كلمات بيرم التونسي. واستمر عطاء السنباطي حتى السبعينات مضيفا ألحانا جديدة إلى رصيده الغني تنوعت بين العاطفي والوطني والديني وكانت قصيدة الأطلال حديث الجميع عام 1966، ولا زالت، من أشعار إبراهيم ناجي، أعقبها أغنيات رائعة مثل أقبل الليل، من أجل عينيك، حديث الروح، القلب يعشق كل جميل، والثلاثية المقدسة التي كانت آخر ألحانه لأم كلثوم عام 1972.

ولغير أم كلثوم لحن السنباطي عشرات الألحان من المطربين والمطربات منها لعبة الأيام لوردة الجزائرية، كما غنى بعض ألحانه بنفسه لكنه لم يحترف الغناء. ورغم أنه يسبق له الغناء من ألحان غيره بعد احترافه التلحين، غنى رياض لسيد درويش أحد ألحانه بصوته وهو دور أنا هويت وانتهيت إعجابا وتقديرا لفن الفنان الخالد، الذي غنى ألحانه أيضا الشيخ زكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب

إلى جانب التلحين نشط رياض في تأليف الموسيقى البحتة، ومن أشهر ما ألف "لونجا رياض" وهى مقطوعة رشيقة من قالب اللونجا الكلاسيكي مقام فرحفزا. كما اشتهر كعازف عود من الطراز الأول، وله تقاسيم شهيرة بأسماء مقاماتها، وتميز أسلوبه بالمزج بين دقة التكنيك وجمال الجملة الموسيقية. د.أسامة عفيفى - رياض السنباطى 1906 - 1981

الجمعة، 4 سبتمبر 2015

قصائد عبد الوهاب - الصبا والجمال

الصبا والجمال
كلمات بشارة الخوري
ألحان وغناء محمد عبد الوهاب 
مقام كورد حسيني
فيلم يوم سعيد 1940
الصبا والجمال لحن غير عادي من ألحان عبد الوهاب، فهو يقدم نموذجا يندر وجوده، ليس فقط في ألحانه بل في الموسيقى العربية عامة. وهو علامة فارقة في أسلوب التلحين وتلحين القصائد بصفة خاصة. كما أنه إشارة إلى طريق جديد تمكن منه عبد الوهاب يجمع بين الأسلوبين الغربي والشرقي، يتلخص في البدء بنموذج موسيقي غربي الطابع يتلوه نقلة شرقية بحتة بطريقة غير متوقعة. نجد هذا النموذج في ألحان مثل "إيه انكتب لي" و "يا مسافر وحدك" و"ماكانش ع البال". لاقى هذا الأسلوب نجاحا كبيرا وأحبه الجمهور كثيرا لأنه وجد فيه الحداثة والطرب معا وفي نفس العمل.

قبل هذا استعان عبد الوهاب بالإيقاعات الغربية في تلحين نماذج مثل "جفنه علم الغزل" و"سهرت" و "عندما يأتي المساء" دون الدخول مباشرة في وضع لحن غربي الطابع. امتد استخدام عبد الوهاب لهذا النموذج مع تطويره حتى بلغ أوجه في الخمسينات كما يظهر في "عاشق الروح" و"لأ مش أن اللي ابكي".

الفرق يظهر كبيرا بين ألحان عبد الوهاب "القديم"، في العشرينات وأوائل الثلاثينات وقد سار في طريق التطوير المستمر خاصة في الأربعينات والخمسينات، مشتقا أساليب الموسيقى الغربية مع تجديد اللحن العربي والخروج به من القولبة الجامدة والجمل التقليدية. غير أنه في طريق تلحين القصائد الكبرى رأى أن يسبغ عليها جوا شرقيا خالصا لما احتوته موضوعاتها من معاني وصور عربية الشكل والمضمون مثل مجنون ليلى، قالت، دمشق، فلسطين، النهر الخالد، أو شرقية الطابع والهوى مثل الجندول، الكرنك، وكليوباترا

يلاحظ أن الكلمات الأصلية قد جرى تغييرها من قبل الملحن في البيت الأخير
تقول الكلمات الأصلية
رَفَعُوا مِنْكِ للجَمَالِ إلهاً .. وَانْحَنَوْا سُجّداً عَلَى قَدَمَيْكِ
اعترض عبد الوهاب على التعبيرين "إلهاً "، و "سُجّداً " حيث وجد فيهما مسحة وثنية لا ضرورة لها، فأبدلهما بكلمتي "مثالاً " و"خُشّعاً "
وتم تغيير البيت إلى
رَفَعُوا مِنْكِ للجَمَالِ مثالاً .. وَانْحَنَوْا خُشّعاً عَلَى قَدَمَيْكِ 

لحن الصبا والجمال
1. المقام الموسيقي
مقام اللحن الأساسي مقام كورد الحسيني، وهو مقام كورد مصور على درجة الحسيني "لا" بدلا من درجة الدوكاه "ري" في الكورد الطبيعي. ، وبهذا تنخفض طبقة المقام الصوتية درجتين ونصف عن طبقة المقام الطبيعي. تظهر فائدة هذا التصوير في الغناء حيث بدون نقل المقام إلى درجة أدنى يصل صوت المغني إلى درجة جواب النوا صعبة المنال في أعلى السلم الطبيعي، وفي حالة التصوير ستعادلها درجة المحير أو جواب الدوكاه "ري" وهي درجة يسهل الوصل إليها والتحكم فيها.
تحديد المقام الأساسي وطبقته مهمة أساسية في عمل الملحن، وهنا يظهر كيف أن واضع اللحن إما أنه قد رآه كله قبل أن يكتمل فقرر خفض المقام، أو أنه بدأه على المقام الطبيعي ثم اضطر لخفضه في النهاية، لكن النتيجة واحدة أيا كانت البداية
2. المقدمة
سولو بيانو مقام كورد الحسيني
مقدمة هذا اللحن فقط تكفي لاعتباره لحنا متفردا ومتقدما بالموسيقى العربية إلى أفق جديد، رغم أنها غاية في البساطة وتم أداؤها على آلة واحدة فقط هي البيانو. لم يسبق أن تغنى مطرب عربي بمصاحبة البيانو فقط. وقد يقول قائل إن البيانو كغيره من الآلات يمكنها أداء آلات التخت الشرقي ولا جديد في مصاحبته للغناء. لكن الحقيقة أن الآلات الأخرى لا يمكنها أداء ما نسمعه من البيانو الذي يتمتع بإمكانيات خاصة منها العزف على الجانبين الأيمن والأيسر بنغم مختلف، إصدار أكثر من نغمة توافقية في وقات واحد بضربة واحدة أو ما يسمى "الأكورد"، وإمكانية تأكيد كل درجة من درجات المقام بعزف الدرجات الأساسية (أربيج) لسلم خاص يعبر عنها بدلا من المصاحبة بنفس لحن الغناء.
3. الغناء والفواصل الموسيقية
· بداية الغناء حرعلى نفس المقام لكنه يختتم السلم بمقام البياتي (الفرق بينهما ربع تون فقط) مع عبارة "نصب الحسن"
لماذا ينهي عبد الوهاب غناء المقطع بهذا التغيير في المقام؟ إنها شرقية المقام الذي لا يوجد مثيل له في الموسيقى الغربية، وعبد الوهاب مهما قيل عنه شرقي أصيل، يدرك تماما أنه يغني شعرا عربيا وتسمعه آذان عربية ويخاطب وجدانا عربيا.
البصمة الشرقية تفرض نفسها هنا حتى مع آلة غربية وتكنيك أداء غربي وتآلفات هارمونية غربية، لكنها تفرض بصوت المغني فقط ودون أية مصاحبة آلية، ويصمت البيانو تماما عندما يلمس صوت عبد الوهاب الربع تون الشرقي ليس فقط لأن نغمته غير موجودة أصلا على مفاتيحه ولكن لسبب آخر أوجه.
لا يفكر الملحن هنا في إضافة آلة أخرى شرقية تستطيع أداء المقام الشرقي لتصاحب الغناء لأن فلسفة المقطع كله تقوم على تكنيك لا يعتمد على المصاحبة المثلية للغناء، وإنما على المصاحبة الهارمونية المتوافقة بأنغام أخرى، وإذا تم استخدام آلة شرقية هنا ستهدر قيمة المصاحبة الهارمونية تماما ويعود الأسلوب إلى الطريقة الشرقية التقليدية التي نسمع فيها جميع الأصوات بما فيها صوت المغني تؤدي نفس الأنغام.
· لازمة نهاوند على جواب ركوز الكورد تمهيد لمقطع غائي جديد مقام نهاوند
· مقطع موسيقي مميز من مقام حجازكار على ركوز الكورد تمهيدا للمقطع الغنائي التالي مقام حجازكار بداية من "سكر الروض" مع تحول مقامي غنائي إلى مقام الراست على رابعة المقام. يمكن سماع صدى هذا المقطع مقتبسا في لحن فيروز الشهير "وينن" حيث تم اقتباس النصف الأخير منه تقريبا كما هو.
· عودة إلى البياتي بتمهيد موسيقي قصير في جواب المقام مصحوبا بالإيقاع لأول مرة في اللحن بداية من "قتل الورد نفسه"
· عودة إلى المقام الأصلي، الكورد، بنفس سولو البيانو في المقدمة مع توقف الإيقاع
· عودة إلى الغناء الحر من مقام الكورد في آخر بيتين في مقام الكورد مختتما بالبياتي كما كان في بداية الغناء تأكيد سولو البيانو بالأوركسترا الكامل ثم الختام بالبيانو فقط في استعادة لنفس الجو الذي بدأ به اللحن، د.أسامة عفيفي، قصائد عبد الوهاب، الصبا والجمال.
4. التعبيــر
· يمثل هدوء اللحن ورومانسيته قيمة جمالية كبيرة تضيف إلى الشعر، وكذلك مقام الكورد الرقيق الذي اختاره الملحن، ثم التعبير عن كل ذلك بآلة البيانو المعروفة بانسجامها مع هذه الأجواء
· أضفى مقام الحجازكار قبل وبعد البيت "ما تغنى الغزار .." بعدا نفسيا وتأثيرا وجدانيا أعمق خاصة مع الحركات السريعة المتوالية دون إيقاع في نسج تعبيري خالص وكأنه موسيقى تصويرية وليس لحنا غنائيا
· الإقلال من استخدام الإيقاع حافظ على وتيرة اللحن الهادئة والتي اشتهر بها رغم صدح الطرب في المقطع الإيقاعي
· الختام بنفس الروح التأملية التي بدأ بها اللحن أكد مغزى القصيدة كلها 

الصبا والجمال
الصِّبَا وَالجَمَالُ مُـلْكُ يَدَيْكِ .. أيُّ تَاجٍ أعَـزُّ مِـنْ تَاجَيْكِ
نَصَبَ الحُسْـنُ عَرْشَـهُ فَسَـألنَا .. مَنْ تُـرَاهَا لـَهُ، فَـدَلَّ عَلَيْكِ
فَاسْكُبِي روحَكِ الحَنونَ عَلَيْهِ .. كَانْسِـكَابِ السَمَاءِ فِي عَيْنَيْكِ
كُلَّمَا نَافَـسَ الصِّبَا بِجَمَالٍ .. عَبْقَـريِّ السَّـنَا نَمَّـاهُ إلَيْكِ
مَا تَغَنّى الغزارُ إلاّ لِيُلْقِي .. زَفرَاتِ الغَرَامِ فِي أُذُنَيْكِ
سَكِرَ الرَّوضُ سَكْرَةً صَرَعَتْهُ .. عِنْدَ مَجْرَى العَبِير مِنْ نَهـْدَيْكِ
قَتَلَ الوَرْدُ نَفْسَـهُ حَسَداً مِنْكِ .. وَألْقَى دِمَـاهُ فِـي وَجْنَتَيْكِ
وَالفَرَاشَـاتُ مَلَّتِ الـزَّهر لَمَّا .. حَدَّثَتْـهَا الأنْسَامُ عَنْ شَـفَتَيْكِ 
رَفَعُوا مِنْكِ للجَمَالِ مثالا .. وَانْحَنَوْا خشعا عَلَى قَدَمَيْكِ

الخميس، 3 سبتمبر 2015

قصائد عبد الوهاب - أعجبت بي

أعجبت بي
كلمات مهيار الديلمي
ألحان محمد عبد الوهاب
مقام بياتي 1939
غنى عبد الوهاب هذه القصيدة بمناسبة زفاف الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق ملك مصر إلى ولي عهد إيران محمد رضا بهلوي (شاه إيران فيما بعد) عام 1939
القصيدة للشاعر مهيار الديلمي (ت 1037م)، وهو شاعر فارسي أجاد العربية وله ديوان كبير بالفصحي ضم أكثر من 400 قصيدة.
كتب مهيار قصيدته في امرأة من عصره، وظلت طي الكتب حتى انتبه لها الموسيقار عندما دعي لإحياء حفل الزفاف الملكي بالقاهرة. وفق عبد الوهاب تماما في اختيار الأغنية التي اختارها بعناية شديدة من بين آلاف القصائد القديمة والحديثة، وهي تشيد وتزهو بتاريخ الفرس، وقام بتلحينها بعد تغيير بعض كلماتها لتناسب المناسبة. ولم تكن المناسبة مجرد حدث اجتماعي، فهناك أبعاد سياسية كبيرة لهذا الزواج الملكي الذي جمع بين دولتين كبيرتين في المنطقة، وحقق التحالف بينهما في جو من الابتهاج والاحتفالية، وحال دون التصادم بينهما.

استخدم عبد الوهاب ثلاثة مقامات رئيسية في هذا اللحن هي النهاوند والبياتي والراست. الأول مصور على درجة النوا (فرحفزا)، الثاني طبيعي، الثالث مصور على درجة النوا. والمقامات الثلاثة يمكن الانتقال بينها بسهولة دون مفاجأة كبيرة لكن عبد الوهاب استخدم تمهيدا موسيقيا قصيرا قبل بدء الغناء في أي منها، ثم على غير المعتاد ختم اللحن بمقام غير الذي بدأ به، لكن الحقيقة أنها كادت أن تصبح عادة عند عبد الوهاب من كثرة ختامه بمقام مختلف.

غير أن هذا الأسلوب ليس بلا أساس، فالقصائد غير الأغاني من حيث طريقة الكتابة، ومن سمات الأغنية وجود مقطع مكرر بين الأبيات أو ما يسمى بالمذهب، فإذا كان بلحن معين أعيد بلحنه ومقامه كما هو، وهذا النظام لا يوجد في القصائد التي تسترسل فيها الأبيات دون تكرار مهما بلغ طول القصيدة، وبالتالي يختلف موضوع ولحن كل بيت عن سابقه حتى البيت الأخير. وهكذا من المنطقي أن تكون نهاية لحن القصيدة مختلفة في النغم والمقام. 

1. المقدمة الموسيقية
بداية كالسوناتا الغربية من مقام فرحفزا / صول مينير
جملة موسيقية قصيرة لتأكيد المقام
مقطع موسيقي على دقات المارش من نفس المقام
فاصل ناي تمهيد للغناء
2. الغناء
تمهيد موسيقي قصير للانتقال المقامي للبياتي مع بداية الغناء
تنوع الغناء بين اللحن التقليدي المرسل والموقع مع الاحتفاظ بالطرب في معظم المقاطع
· بداية غنائية تقليدية من أول أعجبت بي حتى أنا من يرضيك عند النسب مع بداية استخدام التعبير اللفظي في كلمة "يخفضني" بالهبوط فجأة بأوكتاف كامل
· إيقاع ثنائي رشيق مع عودة لمقام الفرحفزا في "قومي استولوا على الدهر" واستخدام السلم الملون " الكروماتيك في الفواصل الموسيقية
· غناء مرسل ثم التعبير اللفظي مرة أخرى في "عمموا بالشمس هاماتهم" ، و"بالشهب" بالقفز إلى خامسة مقام الفرحفزا
· عودة للغناء التقليدي مع انتقال مقامي إلى راست النوا
· إيقاع دارج لطيف مع "قد قبست" على راست النوا مع تصاعد تدريجي للجمل اللحنية
· الجملة الختامية مطربة للغاية يتبعها قفلة موسيقية قوية تعلن بوضوح انتهاء الأغنية، وينتهي اللحن في مقام مختلف عن البداية (راست النوا)
3. الفواصل الموسيقية (اللزم)
يخصص الملحن وظائف لكل فاصل موسيقي بحيث لا تكون مجرد نغمات وإنما يؤدي كل منها دورا يخدم اللحن ككل
التمهيد لتغيير المقام من الفرحفزا إلى البياتي والعودة إليه
المارش يوحي بالجو الرسمي داخل القصور والسلامات الملكية
4. الإيقاع
الإيقاع الثنائي يعبر عن حالة الزهو التي يتحدث عنها النص في الفخر بالنسب
الإيقاع الدارج الثلاثي القريب من الفالس الراقص يكمل التعبير عن حالة الزهو حيث يستمر النص في التغني بنسب الدنيا والدين
5. جملة الختام القوية جملة لحنية تقريرية من أجل تأكيد جميع ما جاء بالنص 
أعجبت بي
أعجبت بي بين نادي قومها .. ذات حسن فمضت تسألني
سرها ما علمت من خلقي .. فأرادت علمها ما حسبي
لا تخالي نسبا يخفضني .. أنا من يرضيك عند النسب
قومي استولوا على الدهر فتى .. ومشوا فوق رؤوس الحقب
عمموا بالشمس هاماتهم .. وبنوا أبياتهم بالشهب
وأبي كسري على إيوانه .. أين في الناس أب مثل أبي
قد قبست المجد عن خير أب .. وقبست الدين عن خير نبي
فضممت الفخر من أطرافه .. سؤدد الفرس ودين العرب