كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الجمعة، 17 أغسطس 2012

أهون عليك - تحليل موسيقي

 
أهــون عليك
ألحان محمد عبد الوهاب
كلمات يونس القاضي
مونولوج - مقام بياتى 1928
تحليل موسيقي د.أسامة عفيفي
كان عهدى عهدك فى الهوى ، يا نعيش سوا يا نموت سوا ، لحن عبد الوهاب هذا المونولوج الغنائى من كلمات يونس القاضى فى منافسة مع أم كلثوم التى حققت نجاحا مع أول مونولوج لها من تلحين أستاذه محمد القصبجى ، إن كنت أسامح ، من كلمات أحمد رامى ، وكان على عبد الوهاب ليعتلى القمة أن ينافس الاثنين معا ، الملحن والمطربة
 

سنعرض هنا تحليلا هذا اللحن مع بيان خصائصه بترتيب أهميتها:
الفالس الراقص
عبد الوهاب هنا يمعن فى استخدام الفالس ، ولكنه الفالس الراقص هذه المرة ، فى الأبيات التى تبدأ بجملة كان عهدى عهدك فى الهوى ، وقد زينها برد بصوت الناى بطريقة الفلوت الغربى وليس كما عهدناه فى جمل خاصة به ، هذه الجملة لا تزال تحوز إعجاب أى مستمع فى الشرق للآن
والفالس الراقص هنا ليس بدعة من عند عبد الوهاب فنحن نسمع نفس القالب فى صياغة شبيهة بموشح من لحن كامل الخلعى على نفس المقام " العجم" يقول فى هوى حاوى البها ضاع مالى والنهى ، والموشح كله على نفس الإيقاع ، وكامل من أفذاذ الموسيقى الشرقية الذين سبقوا عبد الوهاب ، كما أن الإيقاع الثلاثى موجود فى تراث الموشحات باسم الإيقاع الدراج وتتفاوت سرعته بين 3/4 و 3/8 ولا شك أن أصداء ذلك الموشح وغيره قد علقت بذهن عبد الوهاب
ولتلك الجملة اللحنية قصة ، فقد سئل عبد الوهاب ذات مرة عما إذا كان قد وضع أى من ألحانه قبل أن تكتب شعرا ، أو بعبارة أخرى هل سبق له تركيب كلام على موسيقى سبق أن وضعها؟ّ!
كانت إجابته بنعم ، وذكر هذا المقطع من أهون عليك تحديدا كمثال مع أمثلة أخرى لا تخطر على بال أحد لأنها من روائع أعماله ربما يأتى الحديث عن بعضها لاحقا
لقد دهشت عندما استمعت إلى عبد الوهاب وهو يعترف بذلك ، ليس فقط  يعترف بل إنه لا يرى أى عيب فى هذا ، ما دامت النتيجة توافق وانسجام بين اللحن والكلمة ، وقد نعتبر أن هذا الأسلوب لا يتماشى مع المدرسة التعبيرية التى بدأها سيد درويش ، فهل هى خطوة للأمام أم للخلف؟
هى خطوة فى عكس الاتجاه بلا شك ، حيث أن هذا الأسلوب متبع منذ عصر الموشحات الأندلسية ، والقدود الحلبية ملأى بهذا النوع من التلحين ، وكان يشترط له التوافق التام بين اللحن والألفاظ من ناحية موسيقاها الداخلية أو الإيقاع الشعرى ، ولكن هناك فرق ابتدعه محمد عبد الوهاب ، فهو قد أضاف شرطين آخرين:
أولهما التوافق التام بين جو ومعنى الكلمات واللحن الموضوع بما يعطى تعبيرا عن الكلمة
ثانيا أن يكون اللحن جديدا تماما ولم يسبق استخدامه على كلام آخر
والجديد هنا هو ظهور جانب آخر من جوانب فن عبد الوهاب وهو أنه موسيقى بالإضافة إلى أنه ملحن ومطرب ، إن هناك موسيقى تعلق بذهنه يراها تستحق الإخراج للوجود لكنه لا يجد لها قالبا مناسبا ، فهى جمل صغيرة لا ترقى إلى درجة تكوين مقطوعة موسيقية ، لكنها تحمل قيمة فنية وجمالية عالية بحيث يمكن استثمارها فى لحن ما ، وهو هنا يرى الموسيقى ويسمعها ويحسها دون كلام ودون تلحين
بدأ هذا فى مرحلة مبكرة من فن عبد الوهاب ، لكنه سيقودنا بعد ذلك إلى عبد الوهاب المؤلف الموسيقى الذى سيضع الموسيقى البحتة بشكل جديد فى تاريخ الموسيقى العربية ، وهى من إضافات عبد الوهاب الكبيرة
استخدام آلة جديدة
آلة التشيلو الرخيمة ، وهى آلة غربية جديدة يستخدمها عبد الوهاب ، ترد فى انفراد على جملة وانا أبات ليالى باكى ، كان هذا تجديدا جميلا حيث لم يكن من المألوف سماع أى آلة أخرى تعزف على انفراد غير آلات التخت الشرقى التقليدية
القفـز النغمى والانتقال المقامى
فى جملة يشوف حالى فى البيت الرابع تتكرر كلمة حالى بعدة أشكال تتميز بالقفز النغمى غير الاعتيادى ، فيقفز اللحن ست درجات مرتين بادئا من فى الأولى من الفا إلى الرى بيمول و فى الثانية من المى بيمول إلى السى بيمول ، وهو لا يكتفى بالقفز بل يجمع بين القفز والتغيير المفاجئ فى المقام من الماجير إلى المينير على نفس الدرجة التى ينتقل إليها وربما أراد بذلك التعبير عن الحيرة التى لازمت الكلمات لثلاثة أبيات ثم لخصت فى كلمة حالى!
ومما يؤكد أن التعبير عن الحيرة كان فى ذهن عبد الوهاب منذ بداية اللحن عزوفه عن الرسو على أى مقام وتنقله من البداية بين الكورد والنهاوند والعجم والصبا ، وهو يدخل ويخرج من المقامات دون نهاية مؤكدة رغم انتهاء النغمات بما يشبه القفلة قبل أن يقرر الركوز أخيرا على الكورد مشيرا إلى أن ذلك مقصده النهائى ، ثم يقف فى البيت التالى على مقام ماجبر ولكن فى درجة المى هذه المرة ممهدا لغناء المقطع الأخير من مقام مى بيمول ماجير إلى نهاية اللحن ، وهنا نجد أنه أنهى لحنه بمقام غير الذى بدأه به 
وقد كان من سمات ألحان عبد الوهاب بعد ذلك التنقل كثيرا بين المقامات لكنه عمد إلى الانتهاء بمقام مختلف فى لحن وردة الحب الصافى على سبيل المثال الذى بدأه بمقام المينير وأنهاه ببياتى الخامسة ، والنهاية هنا على اشتقاق طبيعى منطقى ، لكنه بعد سنوات أنهى لحن فكرونى لأم كلثوم على مقام الكورد على نفس درجة النهاوند الذى بدأ به اللحن
وقد خرجت أصوات موسيقية ناقدة فى ذلك الوقت تقول إن عبد الوهاب قد خالف العرف والأصول ولم يكترث هو لهذه الأقوال كثيرا فقد فات أصحابها أنه فعلها قبلها بعقود ولم ينتقده أحد ، ويظهر من دراستنا هذه أن عبد الوهاب يبدو كما لو كان قد تورط فى هذا ولم يتعمده من قبيل التجديد ، وقد وضع اللحن قبل الكلمات للمقطع الفالس الأخير لم يكن بوسعه غناؤه لا من مقام العجم حيث سيضطر لغناء المقطع كله فى الطبقة المنخفضة ، ولا من مقام الفا ماجير وهو التالى فى الاختيارات الأقرب بعد سى بيمول ماجير أى ماجير على خامسته لأنه بذلك يضطر إلى الغناء فى جواب الفا وهى درجة عالية لا تتيح التحكم الكامل فى الصوت ، وهو قد اختار ماجير الرابعة مع صعوبة اشتقاقه ليناسب صوته ، ولهذا نجده قد تفنن فى تغيير النغمات بطريقة غير مطربة ولا تتماشى مع كم الطرب فى هذا اللحن حتى يصل فى النهاية إلى مفتاح المى بيمول وينهى غناءه فى جوابه
لكن هناك مفارقة غريبة ، هل أراد عبد الوهاب إثبات أن تلحين المونولوج يختلف عن تلحين الطقاطيق من حيث عدم عودته من حيث بدأ؟  إن هذا الاتجاه فى الحقيقة اتجاه منطقى حيث أن المونولوج ليس به رجوع إلى البداية
تطويع الأبيات للصياغة اللحنية
فى البيت رضيت أنا بما ترضاه يا روحى ، وموقعه فى وسط الأغنية تماما ، يعود اللحن على نفس أنغام البيت الأول بالتمام ، مكونا بذلك ما يشبه المذهب وقد مهد له بلازمة موسيقية قصيرة ، أى أنه يعيد تكرار الاستهلال ، وهذا غريب على التعامل مع المونولوج الذى ليس له مذهب أو مطلع يتكرر كما فى الطقطوقة أو الأغانى الشائعة ، وربما أراد عبد الوهاب بهذا ربط المستمع بما كان يقوله سابقا فى أول الغناء ، لكن اللحن اختلف بعد ذلك إلى النهاية
هناك ملاحظة أيضا تدل على ذكاء عبد الوهاب والتقاطه موسيقى الكلمات بأذن الملحن الواعى ، ففى البيت الأول أهون عليك تزيد نارى ولسانى يشكيلك لم ترحم حالى ، يحول عبد الوهاب الكلمات " لك لم  ترحم" وهى على سجع إلى كلمات على وزن فيقابل المقطع لك / لم بالمقطع تر/ حم وواضح هنا إدخاله موسيقى إضافية للألفاظ تجعل وقعها على الأذن أجمل وأكمل بصرف النظر عن لحنها ، لكنه أضاف فى لحنها أيضا أربع حركات متكافئة متتالية فى نزول متدرج أوضح الوقع الذى أراده
التعليق النغمى الطويل
علق عبد الوهاب بداية الغناء على نغمة واحدة ممتدة لنصف البيت الأول ، وكرر نفس الجملة فى وسط المونولوج ، وهو أسلوب غير محبذ فى التلحين لكن بالاستماع إلى لحن البيت التالى نتبين أن البيتين يكونان وحدة لحنبة واحدة من جزئين ، وأغلب الظن أن الموسيقى كانت فى ذهنه قبل الكلمات  
الاستغراق فى الإرسال
لم يستعمل الإيقاع فى هذا المونولوج إلى حتى قرب نهايته فى مقطع الفالس الشهير ، وهو فى ذلك يتشابه مع فى الليل لما خلى فى تغليب الإرسال على التوقيع عدا أن الإيقاع فى الأخيرة كان فى الوسط
الكروماتيك مرة أخرى
هناك ما هو أخطر من الفالس ، إن الكروماتيك هنا ليس زخرفا ، إنه يتعمد الغناء على السلم الملون من أول السلم لنهايته بفارق نصف درجة بين كل نغمة وأخرى ، أى على البيانو مفتاح أبيض يعقبه مفتاح أسود ثم أبيض ثم أسود وهكذا ، هذا ليس من الموسيقى العربية فى شئ ، إنه دم جديد يدخل على الألحان العربية ، هل يتقبله الجمهور؟ لا أحد يدرى ، عبد الوهاب خائف يترقب ، والجمهور لا يرحم ، لكن التجربة تنجح ، والجمهور الذى قيل عنه أنه يسقط فى بعض الأحيان ينجح هو الآخر فى استيعاب الجديد القادم من الغرب ، ويصعد مطربنا من قمة الغناء إلى قمة الموسيقى .. بحث وتحليل موسيقى: د.أسامة عفيفى - ألحان محمد عبد الوهاب

أهون عليك   1928 مونولوج -  مقام كورد
لحن وغناء محمد عبد الوهاب - كلمات يونس القاضى
أهون عليك تزيد نارى ولسانى يشكيلك لم ترحم شاكى
وليه بلحاظك تضحينى   وانا أبات ليالى باكى
أرى النجوم أناجيها من وجدى  وان لاح البدر يواسينى
يشوف حالى ينظر إلى حسنك  تشوف خيال حبيبى عينى
رضيت أنا بما ترضاه يا روحى  بس اتعطف وانظر عانى
أخاف تبعت لى طيف خيالك يروح ولا يجنيش تانى
كان عهدى عهدك فى الهوى  يا نعيش سوا يا نموت سوا
أحلام وطارت فى الهوى تركت مريض من غير دوا
ليه ضاع الوفا ليه ضاع الوفا
ليه زاد الأسى  ليه روحى تهون

الاثنين، 13 أغسطس 2012

فى الليل لما خلي - تحليل موسيقي



في الليل لما خلي
محمد عبد الوهاب 
كلمات أحمد شوقي
مونولوج - مقام بياتي 1928
تحليل موسيقي د.أسامة عفيفي




بإيجاز تعتبر فى الليل لما خلى تحفة فنية بكل المقاييس، أو ما يسمى Master Piece   فى الغرب، وهى مما يسمع للآن بشغف شديد، ولعبد الوهاب عشاق فنه القديم خاصة فقد تمتع بذوق شرقى ساحر امتد تأثيره لأجيال
أحدث هذا اللحن لعبد الوهاب دويا هائلا وأثار إعجاب الجمهور المثقفين والعامة على السواء، واعتبر نقلة كبيرة فى فن عبد الوهاب والموسيقى العربية بصفة عامة
ومن خصائص هذا اللحن أنه استخدم شكلا جديدا للأغنية، كتبت الأغنية على شكل المونولوج أى بدون مذهب وكوبليهات، وأول من قدم هذا الشكل كان سيد درويش فى لحن والله تستاهل يا قلبى، وهى تسترسل من البداية للنهاية لا مقطع يتكرر ولا عودة للبداية فى آخر الأغنية، إنها تحكى كالقصة، كوصف لتأملات إنسان فى الليل الساكن وما يلهمه به من أفكار وأحاسيس 
التعبير اللحنى والموسيقى
فى الليل لما خلى، وهى من شعر شوقى، أغنية وصفية تأملية بالدرجة الأولى، وكان هذا منحى جديدا فى الفن الغنائى، وقد أعطى هذا عبد الوهاب فرصة للتعبير ليس فقط عن المعانى بل عن الألفاظ كلمة كلمة، ونجح فى تصوير الجو الشعرى بطريقة غاية فى الانسجام
نلاحظ الاحتفاظ للموسيقى بالتوقيع دون الغناء، لم يستخدم عبد الوهاب التوقيع للغناء إلا فى مقطع واحد من بيتين على إيقاع  الفالس وهو، الفجر شقشق، وهو فى وسط القصيدة، مهد له بمقطع موسيقى غاية فى العذوبة على نفس الإيقاع، بينما فى بقية الأغنية مضى اللحن مرسلا 
ومن المنطقى أنه مع تلك التأملات العميقة التى حملتها الكلمات والحزن البادى فى الجو العام كما فى الألفاظ مثل الليل لما خلى، الباكى، النوح، الشاكى، المبتلى، سكون، وحشة، ظلمة، ليل مالوش آخر، بكا، هواجع، مواجع، أنينى، جرح، مفارق، هجر، بعاد. ويمكن تصور أن حمل هذه الصور والألفاظ على  إيقاع غنائى قد يأتى يصورة لحنية معاكسة لهذا الجو بل ومتنافرة معه، وإذا كان فسيكون رتيبا مملا
ولنتأمل أين وضع عبد الوهاب إيقاعه .. عندما يقول الفجر شقشق وفاض على سواد الخميلة ... لمح كلمح البياض من العيون الكحيلة .. هنا اختلفت الصورة فاختلف اللحن، وليس الإيقاع راقصا ولا من النوع الطويل، إنه اختار نوعا انسيابيا من الإيقاع، الفالس، يتماشى مع انسيابية اللحن الأساسى وإرساله
ثم يعود إلى إرساله غير الموقع عندما تعود الكلمات لحديث الليل مرة أخرى حتى نهاية الأغنية
هكذا يبدو أن محمد عبد الوهاب قد وضع أمامه التعبير هدفا، وهو يخلص له بدرجة غاية فى الإتقان
ولنتأمل أيضا المطلع الموسيقى لتلك الأغنية ، إنه يتكون من جملتين رئيسيتين، استهلال وتمهيد للغناء، تبدو الجملتان على إيقاع لكنهما ليستا كذلك على وجه الدقة، هما على الأصح على زمن وليس إيقاع، وهنا يظهر الانسجام بين البداية الموسيقية ومحتوى الأغنية   
خصائص الموسيقى  
شـرقية الملامح: صاغ محمد عبد الوهاب لحنه من مقام البياتى الشرقى، وهو ليس فقط مقاما شرقيا وإنما شعبى ممعن فى الشعبية، ومنه يبدأ كافة المقرئين عند تلاوة القرآن الكريم وبه ينهون التلاوة، ومنه كثير من فنون الفولكلور
وحدة العمل الفنى
لم يخرج عبد الوهاب عن التنويعات التقليدية على المقام الأساسى، وبذلك حافظ على وحدة اللحن والجو العام. وكانت تنويعاته شديدة المنطقية فهو يستدرج السامع إلى مقام فرعى من المقام الأساسى فى انسيابية تامة دون أدنى انقطاع، وفى الجملة لم يستطرق إلى تفرعات مقامية فى غير اللازمة الموسيقية من مقام الفرخفزا مع التغيير فى الجو العام قبل الفجر شقشق مباشرة ثم راست النوا مع بداية غناء هذا المقطع
ويلاحظ أن الحفاظ على الجو العام هنا وعدم التنقل كثيرا بين المقامات خاصية لم يلتزم بها عبد الوهاب طويلا بعد ذلك، بل أصبح من سمات موسيقاه كثرة التنقل والتنويع السريع، وهذا الاتجاه قد أفقد أغانيه اللاحقة التوحد المطلوب لإثارة شحنة عاطفية مركزة تربطك بالعمل ككل، وحل محل ذلك المفاجأة والإبهار كعنصران يتقرب بهما إلى السامع، وربما كان هذا التغير متماشيا مع ما جد على العالم كله مما أسمى بعصر السرعة، فقد تغيرت أذواق المستمعين بفضل انتشار وسائل الاتصال السريع بما أسرع من خطى الناس فى كل شيء 
إضافات جديدة على الموسيقى العربية
المزج بين مقاطع موقعة وأخرى مسترسلة فى اندماج تام، وهذه سمة استخدمها عبد الوهاب كثيرا بعد ذلك وأصبحت من الأساليب المتعارف عليها فى التلحين واستخدمها ملحنون آخرون بكثرة، لكن عبد الوهاب ظل هو سيد هذا الأسلوب الفريد
التمهيد الموسيقى المبرمج للمقاطع الغنائية، وهذه أيضا من سمات موسيقى عبد الوهاب وأسلوب يستلزم خيالا واسعا وقدرة عالية على التأليف الموسيقى، وقد شاع استخدامه بعد ذلك بين الملحنين ولكن ليس فى براعة مبتكره
استخدام نغم الكروماتيك، فى الرد على جملة الفجر شقشق تأتى حركة نغمية جديدة على الموسيقى العربية، إنها على السلم الكروماتيك أوالملون أى تتباعد نغماتها المتتالية نصف درجة بنصف درجة، هذا لم يحدث من قبل، بل إنه بالمقاييس التقليدية يعتبر خروجا عن المألوف إن لم يكن نشازا على الأذن العربية التى تعودت الطرب. كيف جرؤ عبد الوهاب على ذلك؟! إنه استماعه إلى موسيقى الغرب، وهذه ليست إلا بداية، فسوف يتحفنا من الموسيقى الغربية بالكثير بعد ذلك، تحليل موسيقى د.أسامة عفيفى، فى الليل لما خلى، محمد عبد الوهاب
 
فى الليل لما خلى  1928 مونولوج -  مقام بياتى
لحن وغناء محمد عبد الوهاب - كلمات أحمد شوقى
فى الليل لما خلى  إلا من الباكى
والنوح على الدوح حلى للصارخ الشاكى
ما تعرف المبتلى  فى الروض من الحاكى
سكون ووحشة وظلمة وليل مالوش آخر
ونجمة مالت ونجمة حلفت ما تتاخر
ده النوم ياليل نعمة  يحلم بها ساهر
الفجر شقشق وفاض على سواد الخميلة
لمح كلمح البياض  من العيون الكحيلة
والليل سرح فى الرياض أدهم بغرة جميلة
هنا نواح ع الغصون وهناك بكا فى المضاجع
ليه تشتهى النوم عيون وعيون سوالى هواجع
ودوح غرق فى الشجون ودوح ما شافش المواجع
يا ليل أنينى سمعته  والشوق رجع لى وعاد
وكل جرح وساعته وكل جرح بمعاد
كم من مفارق وجعته يا ليل وهجر وبعاد

الجمعة، 25 مايو 2012

موسيقى الربيع العربى فى المركز الأول


على القائمة العالمية فى سباق ساوند كليك بين 76,837 أغنية
تأليف د.أسامة عفيفى
أداء أوركسترا الإسكندرية
25 مايو 2012 
الربيــع العــربى     Arab Spring

الاثنين، 21 مايو 2012

الربيع العربى - أوركسترا الإسكندرية

موسيقى الربيع العربى
أوركسترا الإسكندرية

موسيقى د.أسامة عفيفى

مع بدايات ثورات الربيع العربى بدأت سلسلة موسيقية تعبيرية كانت أولاها مارش الثورة المصرية ، ثم تلتها ملحمة قصر النيل ، والآن ، وقد هدأت ثورة الثورة فى بعض البقاع العربية ، ولم تخمد بعد فى مناطق أخرى تأتى موسيقى الربيع العربى فى 2012 بعد عام ونصف من شرارة اندلاعها ومعها صور أخرى من صور الربيع العربى لم تكن متصورة فى البداية .. ولعلنا نكتشف تلك الصور فى هذا اللحن الذى يجمع بين التعبيرية والديناميكية وبين أصوات التاريخ وأصوات المستقبل ..!
تحياتى .. أسامة عفيفى
*

الثلاثاء، 17 أبريل 2012

ملاحظات على تطوير الموسيقى التركية

 

كتبه: موتلو تورون  ترجمة: فاضل التركي - إهداء للعزيز الأستاذ أحمد الصالحي
الموسيقى التركية لم تزل تتغير. و من أجل توجيه هذا التغيّر، فإنه من الواجب تعليم المؤلفين و الوسطاء ( التلفزيون، الراديو و الناشرين الذين يختارون الموسيقى ويعرضونها على عموم المستمعين) و المستمعين، تعليمهم جيّداً. و بما أن كلاً من هذه المجموعات تتطلب بحثاً مستقلاً بذاته، فسأخصص هذه المقالة لما يتوجب على المؤلفين عمله. 
تعدد الأصوات يضيف بعداً آخراً للموسيقى. لا يجب أن تُحرم الموسيقى التركية من هذا البعد. و عندما تُنَفّذُ تعددية الأصوات بذكاء بطريقة تناسب الموسيقى التركية، فإنها تعملُ. ولا نستبعد في ذلك الاستماع والتجريب والبحث. على المؤلفين أن لا يخشوا التفكير في الموسيقى التركية وتعدد الأصوات معاً.  الكلمات تحدّ من التجريد و الذاتية في الموسيقى؛ و يضيع المستمع خياله و حريته اللانهائية في الاختيار. (مهما كان الشعر جميلاً، فإن الموسيقى سيتم تصورها ضمن توجيه الكلمات). الشعر يسهل على المستمع و يمهد الطريق للرخيص في صناعة الموسيقى. 
علينا أن نرفع من عدد مؤلفات الأعمال الموسيقية الآلية في موسيقانا. موسيقانا الكلاسيكية هي في العادة موسيقى بنيت على الكلمات. و الأعمال القليلة الآلية منها، تبدوا كأنها أُلّفت كأغانٍ، تتبع نمط صوت الإنسان (من حيث المدى والمسافات المتجاورة و تأليف الجمل الموسيقية ). 
وفي توجه جديد بدأ بجميل بك الطنبوري، بدأت المؤلفات الآلية تستشعر في مناطق كأنها بالفعل كتبت للآلات. وإن هناك قطعاً لسعد الدين أريل و فريد ألنار و رشاد آيسو و مؤلفين عظام معاصرين آخرين، ظهر من الواضح أنها كتبت للآلات. وبالإضافة إلى الأقسام التي كتبت بأسلوب غنائي، فإن القطع الآلية يتوجب أن تحوي أقساماً تظهر إمكانيات الآلات. في موسيقانا التقليدية، يضيف كل عازف الزخارف أو يبسط كل نوتة على ما يحب أو ما يناسب آلته. وكل حفلة تختلف عن سابقتها وعن النوتة الموسيقية. و هذا يبدو واضحاً عندما يقارن أحدنا تسجيلاً مع تسجيل لجميل بك الطنبوري نفسه يعزف بالنوتة ( مثلاً، سماعي شد عربان). لكن في المقابل، فإن كثيرا من الحفلات اليوم على قناة تي آر تي TRT و على الراديو لا تتجاوز حدود النوتة الموسيقية المكتوبة. ولأن مؤلفاتنا كتبت بنفس الشكل لكل العازفين، فإن عازفينا يتوجب عليهم أن يعزفوا كما تصوّر لهم المؤلف ان يعزفوا مثل ما يكون في موسيقى الجاز أو موسيقى الباروك و الموسيقى الأقدم منهما.  و برغم اختلاف شخصية وإمكانيات كل آلة، فإن موسيقانا لم تكتب لكل آلة على حدة. لم تكتب لإمكانيات كل آلة على حدة كالبيانو و الغيتار و التشيلو وكأن كل شئ سيعزفه العازفون هو محدد مكتوب. و رغم منطقية المسميات كـمسمى "بشرف للناي" و مسمى "سماعي للكمنجة والقانون"، فإن مثل هذه الأعمال لم تر الوجود. و في ضوء هذا، فإن الشريف محيي الدين حيدر (الشريف محي الدين تارغان) كان قد كتب وعزف أعمالاً ودراسات مخصصة للعود وكانت قد لقيت ترحيباً جيداً في العالم. هذه الأعمال تدفع بإمكانيات العود و إن هناك تعبيرات حسنة كان توصّل لها، لم يكن من الممكن أن تتوفر لعازف عود. كتب بعده يالشين تورا "لعبة الأمواج" أو Dalgalarin Oyunu للقانون وكُتبت قطع للعود كانت عزفت في مهرجان اسطنبول على يد منير نور الدين بيكن. إن مزيداً من مثل هذه الأعمال التي نكتب ونعزف في دوائرنا الخاصة، يجب أن تكتب و تنشر!  يجب ان تكتب القطع لتناسب تحديداً شخصية آلاتنا وإمكانياتها التعبيرية لتظهر تقنياتها و تتوسع حدودها. 
 لدينا ذخيرة من الأعمال الكبرى كتبت تماشياً مع عَرُوض شِعرنا الموزون. وهذه ليست الحال مع الشعر الحر و الشعر التركي الحيدث. (اليوم، انتشر الشعر "الغنائي الرخيص" على التلفزيون و الراديو و عند ناشري الموسيقى ضمن التوجه "فيه المقدار الذي يحتاج ليكون منتشراً شائعاً"). في كل عصر مضى، كان الموسيقيون قد لحنوا شعرهم المعاصر. يجب أن لا تنحدر الموسيقى عن مستوى الشعر التركي الحديث. الشعر الموزون فيه إيقاعه الذي نشعر به على الفور و قد لقي هذا الإيقاع نظيرا له في موسيقانا، ولقد تأسست العلاقة بين الأوزان والأقصاق ( الأعرج) والإيقاعات الكبيرة. والمبدأ هو أن المقاطع اللفظية الطويلة تُوفّق مع نوتة طويلة و المقاطع اللفظية القصيرة توفق مع النوتة القصيرة. و في الماضي القريب، تقلصت فكرة العَروض إلى هذه العلاقة التوفيقية، و في ضوء توجيهات لجنة التراث في تلفزيون تي آر تي، فإنه تواصل تلحين الكلمات بالطريقة المقطعية (النوتة الطويلة للمقطع الطويل والقصيرة للقصير). لكن طبيعة الموسيقى التركية هي أنها "عُرَبيّة" - فيها عُرب و زخرف صوتي- (يُمدُّ المقطع اللفظي على عدة نوتات). إن المبالغة في هذه الطريقة تجعل الإيقاع يتوارى إلى الخلف و تصبح الكلمات غير مفهومة. يجب أن يكون هناك توازن مثل ما في مؤلفات مصطفى جاويش وفي الأغاني الشعبية لروميلي. يجب أن يكون هناك توازن في العلاقة بين المقطع اللفظي و النوتة بحيث نصل للتعبير عن الشعر دون أن نفسد شخصية الموسيقى. إن كل قصيدة تملك إحساساً، إحساساً عاماً، عالماً. و التعبير عن هذا في الموسيقى شئ طبيعي جداً. و فضلاً عن هذا، فإن هناك اللغة التي كتبت بها القصيدة. ذات القصيدة لو كتبت بالإنجليزية أو الألمانية فستخرج بتقطيع لفظي مختلف و أنماط تشديد مختلفة. و هكذا، فإن الموسيقى يجب أن تكون متوافقة مع اللغة التركية في الشعر و كأن تطور الموسيقى في الشعر عُبّر عنها في اللغة ذاتها. وإذا غنى المؤدون، فعليهم أن يدخلوا والموسيقى في جو العالم الشعري.
مصدر المقالة
كتبه: موتلو تورون وترجمه: فاضل التركي
سيرة مختصرة لميتلو تورون: عازف عود و مؤلف موسيقي. رئيس المعهد التركي للموسيقى. ولد عام 1942 في أنقرة. تعلم المندولين والغيتار والعود وبرع فيه سريعاً. درّس في جامعة اسطنبول التقنية و معهد الموسيقى التركية و شرع في تدريس مادة فن الموسيقى التركية التقليدية في جامعة مرمرة. عمل قائدا للأوركسترا في فرقة مدينة اسطنبول و قدم مؤتمراً عن عزف و مؤلفات الشريف محي الدين تارغان في جامعة البوسفور. و قدم في تلفزيون تي آر تي حلقات عن المؤلف شوقي بك. له كتاب منهج اسمه "دروس عود". عزف بالعود والغيتار في التلفزيون في حفلات في تركيا وخارجها وقدم حفلات مع مشاهير عازفي الموسيقى التركية و هو عازف أول في فرقة البوسفور و فرقة موسيقى الغرفة في اسطنبول. ترجم كتاب مارسيل بتش في التوافق النغمي إلى التركية. دَرَسَ أغان قديمة كثيرة في عمر المائة عام كتبت بالنوتة القديمة و أعاد كتابتها بالنوتة الحديثة. له مؤلفات كثيرة في الغناء الديني و السماعيات و أعمال للفرقة و أعمال غنائية و أغان للأطفال و قطع للغيتار الكلاسيكي والمجموعة و للأفلام و للمسرح و غيرها ونال عليها 29 جائزة. صدرت له مجموعة من الألبومات. مصدر السيرة

الاثنين، 9 أبريل 2012

وصال المؤلف والمستمع

قد يتخيل المستمع إلى الموسيقى، أن المؤلف الموسيقي يكتب ما تمليه عليه ذائقته و تأخذه إليه حدود إبداعه، هكذا بلا قيود. يتخيل المستمع أنه ما عليه إلا أن يرخي عنان مسامعه للعمل ويمتع عقله وحواسه. بيد أن أحد أسرار الدهشة والاستمتاع والتلذذ بالموسيقى، أن يأتي المؤلف إلى أرضية مشتركة بينه وبين مستمعيه، ويحلق منها إلى عوالم عليا جديدة غير معهودة.

و حديثاً عن المؤلفين الموسيقيين الذين يشتعلون جدّةً على الدوام، فإن المؤلف الموسيقي يعمد إلى طرائق عدة، حتى يستطعم المستمعُ هذا العمل الجديد. من البديهي مثلاً أن يستخدم المؤلف مقامات موسيقية خبرتها أذن المستمع من الثقافة المحيطة وتربى في ظلها. وإذا لم يكن الأمر كذلك، كأن يحاول المستمع أن يستمع إلى موسيقى الشعوب الأخرى، فإن عليه أن يربي ذائقته على فهم هذه اللغة الجديدة (موسيقى الشعوب الأخرى) بكلماتها و نحوها و بلاغتها و سحرها الخاص. ومن البديهي أن يستخدم المؤلف إيقاعات معهودة، ثم يبني عليها وعلى المقامات، وعلى الآلات المعهودة أيضاً، جمله البديعة وصيغه الجديدة. لو غادر هذه الأرضية، فعليه أن يمهد أرضية من نوع آخر. من الطرائق التي يعمد إليها المؤلف لبسط هذه الأرضية المشتركة، إن بدأ بكلمة موسيقية جديدة صقلها للتوّ، أو جملة صاغها، غير معتادة، أن يستخدم التكرار. أن يكرر الكلمة والجملة، تكراراً حرفياً. ومن الطرائق أن يعمد إلى صيغة التقليد، كأن تقول الجملة آلة فتعيدها آلة آخرى أو تعيدها الفرقة أو ذات الآلة في مكان أخفض أو أعلى. و قد يوظف المؤلف التنويع، فيقول الجملة الموسيقية عادية مرة، أو مرنمة مرة، أو مزخرفة مرة، أوسريعة مرة، أو بإضافات مدهشة مرة أو أكثر.

قد يخلق بعض المؤلفين أرضية مشتركة بالصيغة الكلية للعمل. والصيغة هنا هي الشكل، فيقسم مثلاً العمل إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول هو فكرة أساسية، ثم يلي ذلك تحول وتبدّلٌ وتطورٌ، ثم يليه الختامُ. وكثر استخدام هذا الشكل الثلاثي كثيراً في الموسيقى، وهو يبعث على ثقة من المستمع أنه يعرف طريقه، مهما تمادى المؤلف غوراً في التجديد في داخل هذه التقسمية الثلاثية. وقد يكون العمل أكثر تعقيداً إذ هو مكون من أربعة أقسام مثلاً، لكن داخل كل قسم من هذه الأقسام، صيغة (داخلية) مختلفة عن كل صيغة في كل قسم آخر؛ ورغم ذلك، يظل المسمتع يعرف طريقه في الغابة الجديدة. وفي حينٍ لا يريد فيه المؤلف الالتزام بصيغة مهما كانت بسيطة أو معقدة، فإنه يلجأ إلى أرضية من نوع آخر، كأن يهيئ حبكة تسير عليها الحكاية الموسيقية، أو ينشئ موسيقاه على عمل أدبي أو أسطوري يمسك بخيوطه كل جديدٍ.

هذه مجرد أمثلة للطرائق التي يزود بها المؤلف المسمتع بخريطة للغابة الجديدة التي كثّفها وأثثها، ويريد للمسمتع أن يتخيّر له طريقاً فيها من طرق شتى، يتجوّل و يستكشف ويستلهم ويعيش تجربة جديدة. وفي الوقت الذي حاول بعض المؤلفين تجاوز هذه الأرضية، أو حاول بعض المستمعين التقليل من شأنها – مثل سماعه لموسيقى شعوب أخرى ذات أنظمة موسيقية أخرى، كان العمل الموسيقي بلا حظ. وفي وقت استسهل فيه من يشتغل في الموسيقى بالتأليف والتلحين، ولم تسعفهم الخبرات ولا المعرفة ولا الإمكانيات، وظنوا أنهم مبدعون بالفطرة، فسيكون نصيب المستمع غابات محترقة، أوشجيرات جافة وكسر هنا وهناك. و ربما أسعف هذا المؤلف زفاف الإعلام و تجييش أصوات الجماهير وبرمجتهم، وصناعة الميديا للأسماء وتصدر الألبومات؛ لتحظى قطعته الموسيقية بعمر أسبوع أو أسبوعين، ولا يبقى منها في الذاكرة الموسيقية بعدها أي أثر. وإذا كان المستمع قد جَبَلَ نفسه على تخيّر التجارب الموسيقية التي يريد أن يعيشها، و ربىّ ذائقته الموسيقية على الجديد الذي يستحق السماع، من أي أرض ومن كل صنف، فسيكتب في سجلّه الحافل أمتع الرحلات.
::. فاضل التركي

الخميس، 5 أبريل 2012

نسمع ساكن قصادي؟

ساكن قصادي - تحليل مبسط
كلمات حسين السيد - ألحان محمد عبد الوهاب - غناء نجاة الصغيرة
هذا تحليل مبسط بلا مصطلحات فنية .. لنسمع ونقرأ معاً ..


منذ بداية الستينات، عزم محمد عبدالوهاب على بدء مشروع جديد بتحدٍ جديد. لقد كان ذلك مشروع الانتقال بالتلحين أكثر في التعبيرية إلى أجواء أشدّ تطلباً. لقد انتقل بالتلحين من المراحل التي أسس لها في القصائد والمنولوجات ومختلف الأغنيات، من تلحين الكلمة والفكرة والجو العام إلى تلحين قصة مفصلة، إلى تلحين المشاهد والجو العام، مع الإهتمام الدقيق بالأفكار والكلمات والحروف، كل ذلك دون أن يشعر المستمع بكل هذه التعقيدات. ولكي يسهل على المستمع التمتع بهذه المادة الموسيقية الغنية، كان عبدالوهاب قد اختار الشعر القصصي العصري الذي يلامس المسمتع بحكاية سهلة المتناول، ليبقى الخيط الذي يربط بين الموسيقي والمستمع. من تجارب هذا المشروع كانت "أيظن" في عام 1960م، التي تلتها أعمال شتى منها "لا تكذبي" و "ساكن قصادي" و "فاتت جنبنا". ولكي نقدّر هذا المشروع، سنأخذ منه عيّنةً نتذوقها معاً ببساطة، هي أغنية "ساكن قصادي"، التي لحنها للفنانة نجاة الصغيرة و كتب هذه الأغنية الحبيب إلى القلب دوماً الشاعر حسين السيد، الذكي جداً والمهندس المفكر والخطر على مدى خط انتاجه في الشعر الغنائي.

الضربات الأولى تنذر برعب مُقلق يتصاعد و يهبط و يتنوع و يشتكل و تتبادل التعبير عنه الآلات الوترية في مجموعات. هذه الضربات التي تأتي فيما بعد بمعنىً آخر غير مرعب؛ لنتذكر. يلي الضربات دخول القانون منفرداً لترد عليه الفرقة يقول وتقول يقول وتقول في تحاور ينتهي بالتباطؤ إلى شبه صمت مقلق يبعث على الترقب.
ثم نبدأ في حكاية المصيبة. المصيبة تتلوها الفرقة الموسيقية في جمل بلا إيقاع. جمل يشبه بعضهاً بعضاً، جمل تقلد بعضها بعضاً، تتداخل بين آلات الطبقات العليا وآلات الطبقات المنخفضة. إذن، جئنا إلى ثيمة حدث مفجع. لكن المفاجأة أن تبدأ نجاة تغني بلا فجيعة كنا نتوقعها. إنها تحكي قصة حبها سعيدة البداية على الأقل، مغرقة في الرومانسية. من الآن فصاعداً إنتبهوا إلى كل كلمة كتبها حسين السيد!
الأغنية كتبت في ثلاثة مشاهد، ولنتفق على هذا من الآن. مشاهد مغرفة في الذاتية، الرومانسية، للفتاة التي تحكي قصتها التي تعيشها وحدها، لكن معنا.
يبدأ العمل ويواصل ثلاث دقائق من موسيقى القلق والتقلب والترقب المتلوي في ثيمة من الفجيعة يليها المشهد الاول حيث يرفع الستار. اسمعوا ارتفاع الستار. المشهد الأول الذي تصف فيه الفتاة حالها الأول، حال حب جارها والأحلام التي تعقدها، حال ترقبه خارجاً وداخلاً، و ترجو يوماً يُكشَفُ فيه مقدارُ حبها له فيهتم للأمر. إنها لا تستطيع أن تبوح له بشئ من كل ما يعتريها. تبدأ جواً عادياً حين تقول "ساكن قصادي و بحبه"، و هنا ترد الفرقة عليها، "بحبه"، وكأن فيها حبّا عميقاً؛ ثم تقولها بلحن آخر "بحبه"، منخفضة، منكسرة قليلاً، وترد الفرقة، عليها من الثيمة المفجعة التي سمعناها قبل حين. تغني "أتمنى أقابله"، في تصاعد في الخطر يصل إلى "فكرت أصارحه" والفرقة ترد بالفجيعة. "لكن أبدا، أبداً مقدرش أقول له" تغنيها نجاة بثيمة الفجيعة بذاتها. هكذا بدأ العدّ. إيقاع محسوب يعد كسرعة ثانية ثانية. يدخل الإيقاع "العداد"، لأن الفتاة بدأت "تستنى الأيام" و تراقب ألوان الأحداث، "ساعة ما يسهر" بلون و "معاد ما يرجع" بلون آخر، العدّاد مستمر، والحكاية تتطور، "وف كل خطوة أرسم أحلام"، "تكبر في قلبي"، "و القلب يطمع". هكذا حال الفتاة التي تحلم، تعيد أحلامها، وتعيد غناء المقطع والأيام تعد والخطوات تعد والأحداث تعد وتتكرر وتتشكل الموسيقى غناء وتنويعاً موسيقياً من الفرقة مع الإعادة ثلاث مرات، التي يفضل دائما عبدالوهاب. هكذا "و فْضِلتْ" .. أعطتنا كل هذا، ثلاث مرات، ثم، والعدّ مستمر، "و اقول مسيره"، "حيحس بيا"، "لو يوم صادفني"، "و سلم عليّا"، هكذا مقطعة فاصلة فاصلة تنتهي بكل عذوبة ورقة في منى الفتاة بأن يسلم عليها صدفة، ثم نقطة. والنتيجة، الجواب، بكل تأكيد وثقة، تعطيها جملة مقلِّدةٌ لسابتقتها: "حيلاقي صورته"، "ساكنة في عنيا"، "ويحس بيها"، "في رعشة إيدياّ". الموسيقى تؤكد هذه الثقة والتوقعات، إنها ذات الموسيقى في الجملة السابقة تحوي ذات الفواصل وتنتهي على النقطة ذاتها. كرر الصورة ثلاث مرات أيضاً. ثم تقف الموسيقى ويتوقف العدّ، ثم يبدأ إيقاع آخر مختلف، يعرِجُ. إن هي إلا أمانٍ. تمشي الموسيقى، تَعُدّ قليلا وتتباطأ وتتوقف، ثم تقول "كنت حاسة"، "إن حبه"، "كل مادا"، "كان بيكبر"، "كان بيكبر"، والموسيقى فضلاً عن تكرار الكلام تقول أيضا أن حبه كان يكبر من ذات الثيمة. ثم يلي ذلك جواب هذه الفقرة التي بدأت مع "كنت حاسة"، يأتي الجواب الموسيقي: "أبقى عايزة لو يكون لي قلب غير قلبي الصُغيّر!"، وهو تنتهي به الموسيقى صغيراً على الحب الذي يكبر. لا ننسى اللزم – الموسيقى التي تفصل الغناء- مازالت ثيمة الفجيعة التي تملأ الأجواء والفراغات كلما سنحت الفرصة. تتكرر الصورة مرتين، ثم تأتي الحقيقة مرة واحدة في الأخير لتختم المشهد الاول:"فضلت أمالي"، "مع الليالي "، "تقرب حبيبي اللي ساكن قصادي"، "حبيبي"، "اللي ساكن"، "اللي ساكن"، "اللي ساكن"، "اللي ساكن"، "قصادي وبحبه" . تذكرون الضربات القلقة بداية الأغنية؟ .. "وبحبه" هي شكل رومانسي للضربات المرعبة التي بدأت بها الأغنية. إنه الحب الذي جلب كل هذا القلق. وينتهي المشهد ونحن نعرف بالتحديد "اللي ساكن" و "تحبه".
المشهد الثاني يبدأ بلحظة الرعب التي وشت بها بداية العمل. وتريات ترعد.. ترفع درجة القلق والترقب. يدخل القانون ليزيد الطين بلة. تستمر الوتريات على إيقاعها وتدخل موسيقى الزفة، لكنها حزينة، ونسمع في نهاية كل عبارة زغردة. الوتريات مستمرة في خلق القلق لا تغيب، ماذا يجري؟ إنه صوت "فرح"، وهي نائمة، صحت على الصوت، طلت من الشباك، كل شئ يبدو طبيعياً، زينة، وتهان، وناس، و العداد –نسمع الإيقاع- يتحرك بسرعة الثواني. تكرار للصورة ثلاث مرات!، أشاروا لها بأيديهم، و دعوا بالعقبى لها، هكذا تتصاعد الموسيقى فكرة بعد فكرة، حتى تهلل معهم من الفرح، بكل براءة، تهلل الموسيقى، وتهلل هي وتهلل الموسيقى، ثم تتباطأ الموسيقى، حين تقول "وسألت" لتتوقف الموسيقى، ليردون "قالوا جارك"، وترد "جاري حبيبي"، "حبيبي"، "اللي ساكن"، "اللي ساكن"، "اللي ساكن"، "اللي ساكن قصادي وبحبه".
المشهد الثالث والأخير أكثر قسوة و فجيعة ودموعاً. ها هو الثيم المفجع يأتي موقّعاً (على إيقاع). إنه ايقاع بسرعة المشي. راحت "الفرح بالليل" و رسمت في عينيها الفرحة. ترسم الموسيقى – اللزمة الفَرِحة. حينها كان يرفع بيديه وعينيه الطرحة. لحظة الفرحة تقابل لحظة الطرحة. ننظر مدى كتمانها للألم، رغم كل الضغط النفسي و تمالك مشاعرها؛ التصاعد الذي تشي به الموسيقى وهي تغني "شربت شرباتهم وأنا قاعدة بصالهم" و يالثقل اللحظة شعراً و موسيقى. إنها لا تغمض جفناً وشجاعتها – حبها – جلبها للفرح و حبها حتّم عليها شرب الشربات، و لم تغمض جفناً تشهد كل شئ. وعيها كامل معهم .. حتى الآن، وقد "مشت"، "مشت" توصلهم. هي أقسى درجات الوعي، ثم أخذت تُحدِّث نفسها .. بعد هذه الليلة .. أصبح غيرها أولى به، ولا حق لها حتى التفكير في الأمل. إنتهى كل شئ. توقف الإيقاع. انتهت الحكاية عند هذه الذروة. هكذا نتوه معها من الآن .. هي الآن مجنونة تائهة .. تاهت وسط الزحام، لا أحد يحس بها .. تريد أن تجري و وتجري وتجري .. والناس تنبهها. الناس التي تمشي في النور .. في موسيقى فَرِحةٍ، طريق تنوره الشموع.. وهي التي تمشي في طريق مهجور تنوره الدموع .. طريق فَرِحة .. وطريقها المفجع في موسيقى فجائعية .. هكذا تائهة .. حتى تصل إلى بابه .. جارها الذي تعرفه تماماً لكنه لا يدري عن قلبها ولا ما نابه .. لم يبق إلا الويل لها ولأيامها من جرح عذابه .. هي حكاية "اللي ساكن قصادي وبحبه" .. أغنية غنية بالتعابير والثيمات والمقامامات والإيقاعات والمكنة في التلحين والشعر والغناء .. وكثير من التفاصيل التي تتكشف كلما سمعنا. نسمع ساكن قصادي؟


فاضل التركي

الثلاثاء، 13 مارس 2012

التأليف الموسيقي و حقوق النشر والتأليف

حكايتي في هذه المقالة بسيطة. هناك فكرة موسيقية في عمل موسيقي وردت في عمل موسيقي آخر.
هل هي سرقة أم اقتباس أم استعارة أم توظيف أم تجديد أم ماذا؟ هل هناك معايير تشير لهذه الأفكار و تحدد طبيعة و مظاهر ورودها في أعمال اخرى؟

ورود فكرة موسيقية وجدت مسبقاً، في عمل موسيقي لاحق، ليست وليدة اليوم ولا وليدة هذا القرن ولا الذي قبله. سنرى طبيعة استخدام الأفكار المسبقة في الأعمال الجديدة وسنورد الأمثلة وسنتطرق إلى بوادر ظهور قانون النشر وحقوق الملكية ثم نعطف على مظاهر استخدام الأفكار الموسيقية عبر التاريخ ونقترب من حكاية السرقة والإبداع والتقييد الذي يخيفنا اليوم.

قبل الشروع في موضوع "استخدام" الأفكار الموسيقية، لنتبين ماذا نعني بقولنا "فكرة موسيقية". فأول ما يتبادر للذهن عندما نقول "فكرة موسيقية"، يخطر بالبال أن الفكرة هي جملة موسيقية أو نغمة نرددها. و الجملة الموسيقية هي كالجملة في كلامنا أو كتابتنا. الجملة مكونة من كلمات هي أسماء وأفعال وحروف و علامات ترقيم كالفاصلة والنقطة والتعجب والاستفهام. الجملة الموسيقية هي كبيت شعر ننسبه للمتنبي نتداوله وننشده تلذذاً أو استشهاداً. الجملة الموسيقية هي فكرة، نعم، لكن الأفكار الموسيقية أوسع من ذلك بكثير؛ ولكي نعي ما أعني، سأضرب بعض الأمثلة هنا لما نسميه فكرة موسيقية.

الجملة الموسقية فكرة. الإيقاع فكرة. شكل المقطوعة الموسيقية فكرة. شكلها يمكن تصوره كشكل موشح فيه مطلع و دور و قفل. المطلع يتكون من أشطر والدور يتكون من أسماط وراء كل منها قفل؛ أماالقفل الأخير فهو الخرجة. الألوان ( كمزج لون العود بالكمان أو لون القانون بالكلارينيت ) في الموسيقى فكرة وأسلوب العزف فكرة و عدد الآلات المستخدمة فكرة و التجانس الصوتي فكرة. الأفكار لا تعد ولا تحصى. كيف لنا أن نتلمس كل هذه الأفكار كانت في عمل و أصبحت في عمل آخر، كما هي؛ صغيرة أو كبيرة، معدلة، مغيّرة، منوعة، إلى أحسن أو أسوأ، مقلوبة أو منثورة؟
قد نعطف في موضوعنا هذا ونعقد مقارنة بالسرقات الأدبية والكتابية، بسرقات الأفكار العلمية، بسرقات الفن التشكيلي، بالجرائم والاعتداءات والاتهامات التي تشغل المحاكم بالتحقيق والتدقيق و وضع التعويضات و العقوبات. لكننا لن نذهب بعيداً بغية التبسيط و نحاول تفهم هذا الشأن متى ظهر وكيف تطور ونتداول الأمثلة الممتعة ونبقى في حلبة الموسيقى.

أول ما ظهرت بوادر حقوق النشر – لاحظوا الاسم "النشر" – كان مع شيوع طباعة النوتة الموسيقية وتداولها من قبل الطبقات الوسطى إذ تشترى مع ظهور الأعمال الموسيقية ليتعلمها المهتمون والهواة و يعزفونها في بيوتهم وفي حفلاتهم وسهراتهم قبل أن تتغير وسائل التسلية إلى جهة ما هي عليه اليوم (كم هو غريب ما كان يسلي الناس بالأمس عند ناس اليوم). سَهُلَ أمر نسخ النوتة الموسيقية مع ظهور الطباعة وكانت مصدراً للدخل للموسيقيين والملوك والإقطاعيين. ثم توسع أمر الحقوق ليشمل أداء الموسيقى وتنفيذها وعزفها ليتطور حين وصلنا إلى عصر الميديا والإعلام و عصر الثقافة الشعبية الشائعة؛ وتوسع الجمهور ليستقطب شتى شرائح المجتمعات في جميع أنحاء العالم. ها قد جاء الوقت الذي أصبح فيه المردود المادي أضخم بكثير مما كنا نتصور في عصر انتشار النوتة الموسيقية! أصبح مقدار الربح يتعدى المؤلف ويدخل في مجالات الأداء و الحفلات والتسجيل ونسخ الاسطوانات وجاء عصر الإذاعة والتلفزيون وعصر الإنترنت والسوق الالكتروني وعصر أجهزة الموسيقى والكتاب الإلكتروني والعصر التفاعلي والفضاء الالكتروني. هكذا توسع مقدار الربح و توسع الجمهور وتوسعت الوسائل و جراً على ذلك توسع موضوع استخدام الموسيقى ونسخها من الطباعة للوسيلة المسموعة والمشاهدة الحية والمسجلة وتوسع ليصل إلى استخدام الفكرة الموسيقية في أعمال آخرين قد تكون مصدر ربح لهم من أكثر من ربح مؤلفها الأول. أفكار – ولنتذكر – قد لا تستخدم بشكلها الأول تماماً ولها ألف صيغة جديدة محتملة تعتمد على مهارة من أصبحت بين يديه قيد الاهتمام.

من هنا تنبثق حساسية الموضوع في الأساس تاريخياً ثم تتبعها تبعات تتعلق بالأصالة والإبداع عند المؤلفين وتذهب بنا في جدل هل هناك أصالة في البدء، أم هي تراكمات و أعمال على أكتاف أعمال أخر؟

أمثلة عبر التاريخ
لنتوقف قليلاً هنا، ونحاول أن نتناول بعض الأمثلة لنستوعب طبيعة "الاستخدام” للأفكار الموسيقية عبر تاريخ الموسيقى. عندما ألف براهمز سمفونيته الأولى، كان قد استلهم فيها الكثير من بيتهوفن. وحين ظهرت، كَتَبَ عنها أحد النقاد من بين نقاد آخرين كثر تناولوا الشاب المسكين: سمفونية براهمز الأولى هي سمفونية بيتهوفن العاشرة ( بيتهوفن كتب تسع سمفونيات). كم كان ذلك مؤذيا لبراهمز في شبابه وكم كان مؤلماً. هل هي عمل عظيم: لنسمع عمله ولنتلمس ما استلهم من بيتهوفن:



نواصل؛ كان تشايكوفسكي أدرج في افتتاحيته الشهيرة بافتتاحية 1812 النشيد الوطني الفرنسي و الروسي. نستمع؟
نسمع نشيد فرنسا الوطني في الوقت 2:19 ونسمع خلف صوت الألعاب النارية والانتصارات صوت النشيط الوطني الروسي في الوقت5:14:



أما الاستعارة من الفلكلور جملاً وإيقاعاً و ما شابه، من فلكلور بلد المؤلف أو من خارجه، من الغناء الديني أو الريفي، فحدث ولا حرج. خذ من القديم إلى الجديد: هاندل في هالالويا و هو بغض النظر عن هذا المثال، أكثر الموسيقيين استعارة واستخداماً لأفكار موسيقية لآخرين من كل نوع بلا منازع. ولنأخذ باخ الذي استعار من ما ذكرنا أعلاه ومن أعمال بعض أفراد عائلته و من نفسه في أعمال سابقة ومن تيليمان ومعاصرين آخرين.

ولقد استعار أبناء باخ من أبيهم واستعار هايدن من مصادر شتى واستعار موزات من هايدن وحوّل سوناتات باخ إلى كونشيرتوهات. وإذا ذهبنا إلى بيتهوفن، فإن ثلث مؤلفاته كانت اشتغالاً على أعمال موسيقية سبقته، وهكذا استعار كل من شوبرت و ستراوس و ماهلر و استعار ديبوسي من أوبرا فاغنر. وهكذا استعار فاغنر و مندلسنون و استعار بيلا بارتوك و سطان كوداي اللذين بنيا كثيراً من أعمالهما من بحوثهما واستقصائهما للفلكلور وموسيقى الشعوب و هكذا فعل كبار مؤلفي القرن العشرين. ثم وصلنا إلى ما آل إليه الحال وتضخم مع ظهور الموسيقى الشعبية والشائعة في الغرب و شاعت في كل أنحاء العالم مع سهولة النسخ والتوزيع والسفر والتواصل بين كل بني البشر.

هالالويا لهاندل:



موسيقى الرقصات الرومانية لبيلا بارتوك:




سلطان كوداي : رقصات جالانتا


ليس هذا يمثل طوبولوجيا شاملة لانتقال الأفكار أفقياً وعمودياً، عبر الزمان والمكان بين المؤلفين الموسيقيين و الموسيقيين عموماً، تأليفاً وتوزيعاً وتفسيراً وأداء. سيكون من الممتع والمفيد رسم طوبولوجيا شاملة مفصلة و بالتحليل يقدم دراسة لظاهرة استخدامات الموسيقى المتنوعة ووسائل الإبداع والنسخ وإعادة الإنتاج - ليس ذلك بصعب في زمننا هذا!

الانطباع الذي نخرج به من هذا الاستعراض، هو أن هذه الظاهرة، كانت منذ البدايات، صيغة رائجة ومعتبرة وأساسية بين الموسيقيين وعلامة من علامات الإبداع والصناعة والخلق الجديد في الموسيقى بشتى صنوفها. ثم تدريجياً، أصبح الجو خانقاً لدرجة أن ترفع قضية على مؤلف استخدم ثانيتين تتكونان من 3 نوتات موسيقية استعارة من عمل آخر و حسب. وعندما انتهت المحاكمة، كانت انتهت بكسب القضية!
لقد كانت عرفاً وثقافة متبعة في الموسيقى وسائر الفنون مع فارق الاستشهاد والتعقيد وتبيين المصدر وحيرة القانون إزاء كل ذلك. هناك من يدعي أن لا أصالة يمكن الاشارة إليها في أي عمل كان و إنما هي تراكمات جهود المؤلفين على شغل من سبقهم وتجديداً من أبناء الحاضر – كمقولة ليس تحت الشمس من جديد؛ وهناك من يتطرف في الجانب الآخر. هل كل ما انتج من موسيقى كما رأينا أعلاه، رائع، مبهر جديد يستحق أن يخلد أم هو كله مسخ وتقليد وقص ولصق وتغليف؟
لنحسن النظر قليلاً ونقرأ في بعض تقنيات التأليف الموسيقي التي كانت ومازالت تستخدم في أطر الموسيقى الكلاسيكية.

من تقنيات التأليف الموسيقي

الثيمة و التنويعات (Theme and Variations): وهي نوع من أنواع كثر من التنويعات من بينها غراند باص و باساكاليا و الكاكون. الثيمة والتنويعات هذه قطعة موسيقية يشترط فيها أن يختار المؤلف ثيمة سبق أن وجدها في عمل سابق أو فلكلور يستعرضها ثم يظهر قدراته على تصميم تنويعات وتشكيلات منها ذات صبغة مبهرة. مثال هذه القطع هو ما قدمه موزارت في موسيقاه الشهيرة التي نسميها اليوم باسم تونكل توينكل ليتل ستار Twinkle Twinkle Little Star وهي مشتقة من فلكلور فرنسي باسم Ah! vous dirai-je, Maman وقد اخذ موزارت الثيمة و جعل ما يتلوها 12 تنويعا عليها. نستمع؟



يذكر عن بيتهوفن – كما تمت الاشارة أعلاه – انه في شبابه كان يأخذ ثيمة من موسيقى من سبقه، ويترك العنان لقدرته يتعلم فنون التأليف والإبداع والتجديد بعمل التنويعات. لنستمتع لبعض أعماله في التنويعات:

32 تنويعا على C ماينر:



12 تنويعا لبيتهوفن على ثيمة لهاندل:



ها هي موسيقى هاندل هنا:



7 تنويعات لبيتهوفن على ثيمة من موزارت في الناي السحري:



و هاهو مقطع موزارت من الناي السحري:



الاستيلاء | المناسبة | التطويع (Appropriation): وهو أخذ بعض العناصر الموسيقية واستخدامها لصناعة قطعة موسيقية جديدة. ذلك يشمل الجمل الموسيقية والإيقاعات والآلات والثيمات والأشكال وهكذا. وهناك جدل كبير حول هذا الموضوع يدور حول المناسبة | الاستيلاء من عدة نواح بعضها يخص أخذ عناصر من أمم أخرى وفلكلور واستخدامها في أعمال لأمم "أرقى" منها أو أعمال راقية بعد أن كانت شعبية – هذا جدلهم – أو ما يسمونه بالإنحدار الثقافي أو تخريب الذوق و تذويب الهوية. على عكس ذلك، هناك مثال من ذلك ما صنع الأمريكان من أجل تقديم هوية جديدة لموسيقاهم الكلاسيكية أو الشعبية الشائعة من أخذ ملامح الجاز والبلوز و مناسبتها بحيث في النهاية أصبحت جزءا متأصلا من شخصية موسيقاهم. هناك استيلاء – و مناسبة - قد لا يصل لهذا الحد وقد يكون يختص ببعض العناصر من أجل قطعة موسيقية محددة.

لنستمع إلى هذا المثال وهو للمؤلف الأمريكي تشارلز إيفز يطوع فيه الربع توع على البيانو:



ميبوبوي لسيليمون ليندا:



تذكرون الأسد الملك؟:



التجميع – جمع العينات (Sampling): وهو استخلاص عينة موسيقية واستخدامها كقطعة بشكل ما أو كآلة موسيقية في قطعة موسيقية جديدة. ولقد شاع هذا النوع من العمل مع ظهور التسجيل والأجهزة الصوتية وبرامج تحرير الصوتيات المتطورة. و منه أنواع كثيرة منها تكوين حلقات loops أو صنع صوت آلة جديدة. لنتابع بعضاً من الأمثلة هنا من الموسيقى الشائعة Pop



ثم هناك إعادة المزج Remix وهو أن نعيد تقديم عمل بإخراج جديد والكولاج والخلط Mashup و هو أن نخلط مجموعة أعمال لتشكل معاً عملاً جديداً متجانساً. و هناك تقنيات أخرى قديماً وحديثاً؛ لكننا قد استوعبنا الآن الصورة و رأينا الأمثلة وربما أضاء لنا هذا شئ على نوع العمل الموسيقي الناتج من هذه التقنيات ومقدار الجهد والتجديد في كل منها.. وليس في هذا كل سبيل للخروج من مأزق الجدل.

القانون والإبداع
هناك تحدّ دائماً ما حضر أمام القانون وهو عدم القدرة على اشتشراف مستقبل التقينات، منذ زمن طباعة النوتة الموسيقية وصولاً لعصر التسجيلات والاسطوانات إلى عصر الانترنت وتقدم التقنية و وسائل العمل في مجال الموسيقى تأليفاً وانتاجاً عموماً ونشراً وتداولاً. القانون لم يعد يستطيع تصور مختلف تبعات وإمكانيات هذه التقنيات أو عمل شئ من أجل معرفة الحق مع من، وليست كل القضايا المرفوعة أو المسكوت عنها والخفية، في المتناول السهل. لقد كان أفلاطون قد طلب من الحكام بعدم السماح بأي تبديل أو تغيير في الموسيقى اليونانية فهي تعكس كمال الكون و هي تلامس العقل، وإما تم التلاعب بها، فقد يتعدى ذلك من العقل إلى المشاعر والأحاسيس وبالتالي يجلب على الإنسان الخطر. ولقد تكرر شخص أفلاطون على مر العصور ولو بأشكال أخرى في مختلف أنواع الموسيقى.
أما في الحضارة الرومانية، فكان هناك تشجيع على كتابة النوتة الموسيقية لحفظ الموسيقى وكان هناك تشجيع من الكنيسة لكتابة الموسيقى الدينية كنوتة حفظاً لها من التغيير ولكي يتم إلقاؤها كما هي شكليا بحذافيرها (توحيدها) دون أي تغيير أو تبديل. ولم تبق تلك النوتة الموسيقية كما هي، إذ تراجع الاهتمام بها وعادت للظهور تدريجيا فيما بعد في القرن السابع عشر بعد أن كانت ظهرت في القرن التاسع بادئ الأمر.

بقي أمثال أفلاطون حتى يومنا هذا، ففي الوقت الذي بدأ يروج فن الجاز في أمريكا، كان هناك من يذم الحال ويقول أن ذلك مفسدة للعرق الأبيض باستخدام موسيقى السود – النيجرو - الأدنى درجة!
القانونيون يحاولون الاستفادة من 2000 عام من تاريخ الموسيقى الحافل بمثل هذه الممارسات لكن الأمر كما أشرنا ليس بالسهولة التي نتمنى.
إن الاستعارة الموسيقية كانت دوماً اسلوباً لتعلم الجيل الجديد من أساتذتهم ومن سابقيهم حتى يتقنوا المهنة والمهارة في التأليف. لم تكن الاستعارة في سالف العصور حتى عهد قريب وسيلة تعلم، بل وسيلة رائجة وناجعة للتأليف وانتاج الجديد.

ويروي أحد المختصين في الموسيقى المعاصرين، حادثة تقديم تأليف موسيقي إلى استاذه كان ألفه بنفسه، فما كان من استاذه إلى فضحه أمام الجميع واتهمه بالسرقة. ولقد كان تأثر بشكل غير مباشر بأغنية شائعة، وإذا بالاستاذ نفسه يقترح عليه أن يعنونها بعنوان إهداء إلى مؤلفها، فتتغير المعايير وتصبح حالة لا سرقة فيها. هي ذات القطعة الموسيقية!

كانت محاولات إصدار قانون لحقوق النشر والتأليف كما ذكرنا تتعلق بالطباعة والكتب وكانت البوادر ظهرت حدود 1500م. ثم كان قانون النشر الشهير قد ظهر عام 1710م وتم تطبيقه على نشر الموسيقى ( النوتة الموسيقية ) عام 1777م حيث يبقى للمؤلف حق مع كل نسخة مطبوعة مباعة و للناشر. ومع مرور الوقت وصولاً ليومنا هذا، أصبح الموضوع أكثر تعقيداً من التصريح والرخصة للعزف وإقامة الحفلات إلى أن وصل إلى مستوى "ذري" من الحقوق تتعلق تقريباً بكل شئ في الانتاج الموسيقي. ثم جاء عصر العينات وتحولت مهارة صناعة فن راق إلى سرقة. ولقد ضاق الخناق الآن على المؤلفين الذين يكتنفهم الخوف من وصفهم بالسارقين وأصبح شغل الملحنين والمؤلفين الشاغل هو أخذ رخصة قانونية من زملائهم أو اليأس ممن لا يصلون لهم، رخصة على كل شئ حتى لو كان في حجم ذري لا يتعدى ثانية أو نوتة أو تأثيراً موسيقيا ضئيلاً. ربما وصل الحال إلى قتل أي تجديد أو إبداع. تخيل أنك مؤلف موسيقي تقف أمام المحكمة لتدافع عن نوتة موسيقية واحدة اتهمت بسرقتها من عمل لم تسمعه!

لقد كانت حقوق النشر محفوظة لمؤلفها المسجل في قانون النشر في حتى عام 1978، تحفظ له حقه 28 عاماً منذ تسجيله إياه ثم يجدد لـ 28 عاماً أخرى. ثم تطور الأمر ليحفظ الحق إلى 70 عاماً بعد وفاة المؤلف أو 95 عاماً لو كانت الحقوق لشركة مثل ديزني! كيف لمؤلف موسيقي في حال كهذه أن يتأثر أو يوظف أو يخلق جديداً من عمل وضعت عليه كل هذه القيود؟ هل أصبح "التأليف" "تفكيكا"؟ هكذا تقول جينيفر جينكنز في حديثها عن معضلة قانون الموسيقى وحال الإبداع.

إلى أين نحن متجهون؟
المدافعون عن هاندل، يقولون أنه صنع فناً لم يكن ليصنعه ولا يمكن التخلي عنه عندما قلّد في البدء و شكّل وغيّر وطوّر. لم ينتج فناً من هذه الفئة وحسب وبهذه التقنيات في التأليف، لكن متذوقي الموسيقى ليسوا مستعدين عن التخلي عن هذا الكم الهائل من الأعمال الموسيقية له ولغيره والتي تلوح جدة وغزارة وغنى وجديداً. هناك موسيقى أنجزت بالطرق المذكورة وشبيهاتها، وهناك موسيقى أنجزت بشكل مختلف. وإن هناك موسيقى عظيمة وموسيقى أخرى ليست كذلك فيما أنتج بطريقة الاستعارة أو بطرق أخرى.
هناك من قال بأن الموهبة لا تسرق، لكنه ظل حالماً. إنما هو في النهاية إنتاج موسيقي يمكن أن يتبناه أحدهم سرقة أو توظيفا أو تجديداً. هناك معضلة في الاعتراف بالمصدر الأصل، أو طريقة للاستشهاد كما في الكتابة ونسبة الأفكار والجمل إلى أصحابها – و الكتابة ليست بعيدة عن جدل السرقات وليست بالسهولة التي نتصور، بالمناسبة. هناك ما هو بين السرقة مع قلة الجهد والحظ وهناك ما هو مستلهم من قديم أو معاصر، وهناك ما قد انجز بوسائل أخرى ألفها عباقرة كل عصر حتى يومنا هذا.

معضلة الموسيقى و استخداماتها التي لم يصل بنا القانون إلى معيار يسهل علينا التمييز بين الشرعي منها وغير الشرعي، هي معضلة باقية في عالمنا العربي و في أنحاء العالم كله. وها هو زمن أصبحت كل الشعوب تتواصل مع بعضها والمشتغلين يتواصلون مع بعضهم البعض بشتى الوسائل ويتأثرون. هكذا يزداد الأمر تعقيداً على القانون والمتابعة والملاحقة مع تطور التقنية والوسائل. كل هذا يحدث في زمن تذوب فيه الهويات في الموسيقى وتتمازج ويخشى أن لا يصبح لكل وطن فنه. الخوف على أشده والاتهامات والقانونيون لا يتحركون بالسرعة المطلوبة. نحن في حاجة ماسة إلى إعادة هندسة القوانين حفاظاً على الإنتاج الموسيقي العظيم. هذه هي الحكاية البسيطة في موضوع غاية في التعقيد.
ملحق
أترجم لكم نصين بخصوص حقوق الطبع والنشر والملكية الفكرية من كتاب فهم الموسيقى للدكتور جيريمي يودكين:
كتب د. جيرمي يودكين في كتابه "فهم الموسيقى” عن حقوق النشر والطبع:

“قبل انعقاد أول اتفاق دولي في مسألة حقوق الطبع والنشر في بيرن في سويسرا عام 1886م، كانت أعمال – النوتات الموسيقية - المؤلفين الموسيقيين غير محمية. لم يكن باستطاعة الموسيقيين المشهورين عمل شئ لوقف 'قرصنة' طبعات أعمالهم المنتشرة. الناشرون بلا ذمة؛ بمجرد أن تقع في أيديهم نسخة من عمل، يقومون بطباعتها و بيع النسخ. في بيرن، كان هناك مبدأ أولي تم تأسيسه. المبدأ يقول، أن أي عمل منشور – ويشمل ذلك الأعمال الموسيقية – فإنه محميٌ بموجب حقوق الطبع والنشر في حياة مؤلفه و إلى بعد وفاته بخمسين سنة. هذا المبدأ ظل هكذا بلا تغيير حتى يومنا هذا. و إضافة إلى ذلك، فإنه بالنسبة للأعمال الموسقية، يجب دفع مبلغ من المال لكل مرة يتم عزف عمل ما سواء كان ذلك على الهواء – مباشرا – أو مسجلا"

ثم يكتب يودكن عن حقوق الملكية والطبع والنشر بخصوص الموسيقى الشائعة "بوب”:

“على مدار القرن التاسع عشر وحتى 1914م، لم تغط قوانين الطبع والنشر، حقوق أداء قطعة موسيقية. لقد كان يتسلم الناشر والمؤلف حقوقهم على مبيعات الموسيقى المطبوعة؛ ولا يستلمون أي شئ مقابل أي قطعة موسيقية لهم تعزف أو تغنى”. وقد عولجت هذه القضية عام 1914م إذ أسست جمعية المؤلفين الموسيقيين الأمريكان والمؤلفين والناشرين (آسكاب) (ASCAP). وكلما عزفت قطعة أو غنيت أغنية في قاعة رقص أو ناد ليلي أو فندق أو مطعم، وكلما شُغِّل تسجيل في الإذاعة، يتم دفع حقوق لكل من المؤلف الموسيقي والناشر. في 1940م، كانت غالبية الشبكات والإذاعات تدفع حقوقاً لآسكاب وصلت مبلغاً قدره 4.5 مليون دولار سنوياً وكانت هذه الأموال توزع على أعضاء آسكاب. في هذا الوقت، كان هناك منظمة منافسة هي بي إم آي قد تم تأسيسها وكان الهدف هو توفير حقوق طبع ونشر للمؤلفين الموسيقيين والناشرين للموسيقى الشائعة "بوب”. و كل فرد يعمل في صناعة الموسيقى اليوم، سيكون محمياً بإحدى هاتين المنظمتين. في عام 2000م، جمعت آسكاب مبلغاً قدره 576 مليون دولار لأعضائها، أما بي إم آي، فقد جمعة مبلغاً قدره 400 مليون دولار. أما هذه الأيام، فقد أصبحت مسألة حقوق الطبع و النشر محل تحدّ مع زيادة و انتشار تبادل ومشاركة الملفات و التحميل الغير مدفوع الثمن على الانترنت"
::. فاضل التركي
مصادر:
1. Understanding Music by Jeremy Yudkin
2. http://en.wikipedia.org/wiki/Appropriation_%28music%29
3. http://en.wikipedia.org/wiki/Sampling_%28music%29
4. http://blog.mises.org/13476/musical-borrowings-from-bach-to-hip-hop/
5. http://www.youtube.com/watch?v=gKX25MRggEk
6. http://dspace.nitle.org/bitstream/handle/10090/8396/murray%20-%20thesis%20-%2009.pdf
7. http://en.wikipedia.org/wiki/Variation_(music)#cite_note-0
8. http://en.wikipedia.org/wiki/Copyright

السبت، 10 مارس 2012

زكريا أحمد يغني "ياصلاة الزين"

زكريا أحمد يغني للتليفزيون المصرى 1960
كان تأثير ألحان الشيخ زكريا من الأغانى والطقاطيق ساحرا لا يجارى ، فهو يتبارى مع الملحنين الآخرين فى إبراز جانبين غاية فى الأهمية ، الموسيقى الشعبية والأنغام الشرقية ، فيستقبلها الجمهور بحفاوة بالغة لما فيها من أصالة وخفة فى نفس الوقت ، وقد صنع الشيخ زكريا من كلمات بيرم التونسى الشعبية صورا فنية هى لآلئ نادرة يصعب تصور تلحينها بواسطة غيره من الملحنين
وقد سجل بعض ألحانه بصوته مثل ياللى باهواك ، قلبى يميل ، انت ياعينى ، ياجريح الغرام
ومن أغانيه المشهورة أغنية "ياصلاة الزين" من أوبريت عزيزة ويونس ، وقد غناها بنفسه للتليفزيون المصرى عام  1960 وهو فى الرابعة والستين من عمره
انبهر الناس بأداء الشيخ زكريا واهتزت مشاعرهم حتى صار المطربون ، بل وبعض الملحنين ، يقلدون أداءه وهو فى تلك السن ، وبهذا الأداء أدخل زكريا أحمد مفهوما جديدا على الأغنية العربية أصبح اصطلاحا معروفا فيما بعد ويقصد به "الأداء" ، فقد قبل الجمهور ربما لأول مرة فى تاريخ الشرق غناء من صوت لا يمكن أن يكون مطربا، إنه شيخ كبير ، ذو صوت أجش ، نفسه متقطع ، ولم يحترف الغناء من قبل طويلا بل ظل ملحنا معظم مشوار احترافه ، ولم يكن الجمهور هو الجمهور ، فقد كانت هناك أجيال جديدة فى عصر التليفزيون تذوقت أداء زكريا أحمد الرائع كما تذوقه الجيل القديم 

السبت، 3 مارس 2012

موسيقى فكرة - محمد عبد الوهاب

موسيقى فكرة / محمد عبد الوهاب 
مقام نهاوند / ري مينير 1933 
تحليل موسيقي: د. أسامة عفيفي

هي أول مؤلف للموسيقي العربية يخرج عن الأشكال الموسيقية المتعارف عليها في الموسيقى البحتة في ذلك الوقت، وهي لم تخرج عن سبعة أشكال كانت المتاحة لأي مؤلف، البشرف، السماعي، اللونجا، التحميلة، التقسيم، المقدمة، الدولاب، وهي بداية طريق طويل اتبعه موسيقيون كثيرون بعدها عرف باسم "المقطوعات الموسيقية"

محمد عبد الوهاب - موسيقى فكرة
  
خصائص موسيقى "فكرة"

1. التحرر من القوالب الموسيقية التقليدية تركية الأصل كالسماعي والبشرف

2. بساطة التأليف والتركيب

3. استخدام التخت الشرقي التقليدي البسيط دون إضافة آلات أوركسترالية سوى الشللو

4. خلو الموسيقى تماما من الإيقاع، وهذا يندرج جزئيا تحت باب التحرر من القوالب

5. الاعتماد التام على الميلودية اللحنية وأحادية الأداء الصوتي (مونوفون) بلا توزيع أو هارموني

هناك سمة خاصة عجيبة فى موسيقى فكرة وهي أن التسلسل الزمني يعتمد على السرد المتماثل لأجزاء المقطوعة بحيث يمكن تعديله بحرية تامة دون الإخلال بالشكل العام للمقطوعة، إذ أن البناء الدرامي لا يوظف بداية أو نهاية مميزة، وبهذا يمكنك البدء بالعزف أو بالاستماع، إلى المقطوعة في أي جزء منها والانتهاء في أي جزء دون الشعور بأنك بدأت في أولها أو وسطها أو آخرها، وهو أسلوب يظهر في غاية البساطة لكنه في الواقع يعكس حالة من إبداع "السهل الممتنع" .. 

التكوين

يجمع الشكل الفني بين التقسيم والتحميلة حيث أخذ من التقسيم العزف الحر للآلات المنفردة ومن التحميلة تبادل العزف على آلات التخت الرئيسية، العود والكمان والقانون والناي، دون استخدام الإيقاع المميز لقالب التحميلة

  • مقدمة قصيرة من مقام النهاوند تعاد بين المقاطع فيما يعرف بالتسليم، ويذكرنا لحنها بالتمهيد القصير لموسيقى مقدمة أغنية فكروني التي لحنها عام 1967
  • سولو عود حر على نفس المقام
  • سولو كمان حر مقام بياتي على خامسة المقام الأصلي وهي محل تحول شائع من النهاوند إلى البياتي
  • سولو قانون رشيق على مقام نهاوند
  • سولو ناي من نفس المقام، نهاوند، مع تحول بسيط إلى مقام الراست والنكريز على نفس درجة ركوز المقام الأصلي ثم العودة إلى النهاوند
  • الختام بالتسليم  

من السمات القديمة للموسيقى البحتة:

1. تكريس لقالب التقسيم القديم لكنه هذه المرة مكتوب وليس مرتجلا كما كانت القاعدة (ولا تزال)

2. التجانس التام بين المقامات المستخدمة في اشتقاق طبيعي ومنطقي

3. استخدام فكرة "التسليم" القديمة أي تكرار موسيقى المقدمة بين المقاطع