كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الأحد، 2 نوفمبر، 2014

الخلل في الموسيقى "المعاصرة"

إهداء للعزيز أسعد الوصيبعي في عيد ميلاده
أقصد بموسيقانا "المعاصرة"، الموسيقى في شكلها "الجديد" الذي ما زلنا نطلق عليه عنوان "الشرقي"،  لاحتوائه على شئ من  إيقاع شرقي،  وشئ من  مقام شرقي، وكلام شرقي، ونطق شرقي، و لنقل بعض الذوق الشرقي. وأستبعد من ذلك موسيقى النسخ واللصق التقليد في الشكل والصورة والذوق لموسيقى الشعوب الأخرى غير ما تبقى من كلمات عربية، كآخر رمق لصلة بهذا المكان من الشرق. سأكتب الملاحظات على الخلل في مجموعة نقاط جديرة بالتأمل فيما حدث ويحدث، أين نتجه، كيف توقفنا كل هذه السنوات - في الإطار العمومي - أين نحن من العالم، أين هو العالم من مسيرة موسيقية صحيحة، وكيف نعيد صياغة ذوقنا ونرتقي بمعيار نتخير به ما نسمع ونعزف ونغني ونبدع  ونصوغ من جديد الأعمال.
  • الخلل جاء من تقليد الأفلام في الثلاثينيات التي قلدناها في الملبس والقصة والمشاهد والموسيقى والآلات والموضوعات. الخلل جاء من الانبهار و المفاجئة الصادمة التي جلبت انبطاعاً من ضرورة  التجديد والتقليد في الجُمل والإيقاعات والآلات وأسلوب  الغناء و الأشكال و القوالب الموسيقية والموسيقى التصويرية.
  • الخلل جاء من الانبهار بحجم الأوركسترا عدد الآلات وشكل الحفلات الموسيقية في أوروبا وأمريكا رغم أن كل ذلك هو تطور منعكس لتطور الموسيقى الأوروبية العريقة و حاجاتها وتأليفها ومسيرتها.
  • الخلل جاء من مفاجأتنا بالتناغم والانسجام والنظام والترتيب والهارموني - التجانس الصوتي - والكاونتربوينت - التباين الصوتي - الذي يوظف في التأليف الموسيقي والذي له دواعيه وطبيعته المناسبة للمقامين الرئيسيين الموضوعين والتعديل على السلم الغربي و تصنيع الآلات بما يناسب كل ذلك. مثل ذلك يقال أشكال الموسيقى الأخرى خارج إطار الموسيقى التقليدية عندهم.
  • الخلل جاء من ربط تأخرنا الحضاري بموسيقانا وتقدمهم الحضاري بموسيقاهم وهذا انطباع خاطئ. وردة الفعل كانت في التقليد والعمل بمثل ما يعملون واقتباس الأشكال والجمل والموضوعات والعمل بمنوال واحد معها ولو كان في وقت متزامن معاصر لإنتاج من انتاجهم.
  • الخلل جاء من الشعور بالدونية وعدم الوعي بغنى الهوية وعمق عراقة موسيقانا و اتساعها وتنوعها و قابليتها للنمو والتنوع والخلق الجديد، وعدم الوعي بتقدير الآخرين لها وانبهارهم بها. زهدنا فيها من حيث طمع فيها غيرنا.
  • الخلل في إهمال منابع وجذور ثقافتنا الموسيقية و تقليلد الأبعد والانتهال منه بدل القريب وما يشاركنا كثيرًا من الصفات والنظريات والذوق والشكل. ليتنا عندما بهرنا الأبعد فهمناه وهضمناه وربيناه في تربتنا وخلقنا منه راسخا عميقا، وبدلنا ما نحتاج فيه أكثر وجعلناه حلقة في سلسلة التطور.
  • الخلل في مقارنة كل موسيقانا بتنوعها والحكم عليها بحكم واحد في التأخر، والتفكير بتجديدها من خلال الالتقاط من كل أنواع الموسيقى الغربية والشرقية القديمة والجديدة والبوب والتافهة والسوقية والأخذ منها وتطعيم موسيقانا بها من باب التحضر والإبداع.
  • الخلل في تصديقنا بموجة الحداثة التي جرفت كل مناهل الإبداع والانتاج وسوقت له ودرسته في الجامعات و مهدت له وسائل الانتشار، وكانت الموسيقى إحدى ضحاياه، ومنها موسيقانا وبأيدينا.
  • الخلل في الانبهار بأساليب التعليم وبالمفاجأة بأهمية النظريات المكتوبة والتدوين الموسيقي و فاعليته في الحفظ والعزف المباشر في الوقت الذي لم يكن كل هذا موضع اهتمام سوى من قبل نخبة قليلة غير ذات بال من أهلنا بيننا.
  • الخلل في التهاون بأساسات راسخة في موسيقانا من الارتجال ودرء التكرار والتزمت في الجمل والطبيعة التي تترك مساحة لفردانية كل المؤدين والمؤلف والملحن والمغني، وجعل نسخ الآخرين أقرب طريق للتحضر.
  • الخلل في أن نظن أن الموسيقى يمكن أن تكفيها النوتة الموسيقية والتدوين والخلل في التهاون بالنوتة والتدوين والتوثيق والدراسة والتحليل والنقد خارج مستوى الصحف الصفراء والعلاقات الشخصية والتغطية الإخبارية.
  • الخلل في معاهدنا التي لم تعد تخرج جيلنا محنكاً متمكننا من أدواته ونظرياته مثل ما كان قبل المعاهد، وذلك لتقليد طريقة تدريس الأمم الأخرى التي تناسب موسيقاهم - هم يعانون من ركود في المواهب لخلل في ذلك عندهم بالمناسبة. أما نظامنا الموسيقي فلا تكفيه هذه الطريقة. أصبحت المعاهد تخرج من يستطيع أن يلبي حاجة اليوم من ردئ إلى أردأ كل يوم، ومن يبهر و يتميز اليوم من شبانا، هو من يشتغل على نفسه أو مع مجموعة مثله أو مع أناس خارج هذا المحيط الرسمي وتخيّر المصادر التي تغنيه.
  • الخلل في ندرة الراسخ من المصادر المكتوبة والمسموعة ومن الأساتذة والمشتغلين في الموسيقى وتفرغهم لمسؤولية التأثير والعمل مع الجيل الجديد.
  • الخلل في اعادة تدوير ما هو موجود من مناهج والسرقات والاستعجال والتساهل في انتاج مادة عميقة سهلة التناول بكل الوسائل الحديثة من ورق وتسجيل وقنوات على الانترنت وتواصل بين مدرس وطالب بشكل مباشر عن بعد وعن قرب.
  • الخلل في تأخر المدّ والانتشار للأعمال العظيمة الجديدة والقديمة للناس في قبالة ما ينتشر من الثقافة الشائعة والذوق الردي من خلال كل الوسائل.
  • الخلل في تساهل المشتغلين بالموسيقى الراقية في نشر هذه المواد التي ينتجونها وأخذ المسألة بجدية واهتمام.
  • الخلل في ترك الأمر للصدفة لتلقي الدعم وتيسير الانتشار والاهتمام والتحرج من جعل ذلك خوفاً من انطباع تكسب أو ترويج شخصي.
  • الخلل في أن الداعم لا يعي ما يجب دعمه وأين يكمن المستقبل الذي سيكون مصدرا للتقدم والفخر، غير الآني الزائف من النشاط والشعور بالنبل.
  • الخلل في نقل هذا التعليم والتدوين والنظريات وتوظيفها بكل ما هو مختلف عن حاجتنا ونموذجنا وإضعافنا بها بدل أن نستفيد مما ينفعنا منها وتقديم شئ يناسبنا أكثر منها.
  • الخلل في ورود وسائل جديدة للإنتشار والتسويق واستغلال السياسة والترويج  بالموسيقى والغناء واستخدامهما للتسلية والترفيه وتمضية الوقت -  وسائل من اسطوانة وراديو عام وسينما وتلفزيون وشرائط كاسيت وأقراص وقنوات فضائية واحتكار ودعم.
  • الخلل في أن جعلتنا هذا الوسائل بما تحدده من وقت وحجم للعمل الفني، وضياع الأشكال والقوالب وإهمالها و تغير طريقة العرض ودخول الدعاية وانتقال ذلك للأداء الحي، جعلتنا نغفل وننسى ونرمي بكل منجزنا الموسيقي وراءنا ونستسيغ ونأتي بصيغ جديدة قد ينفع بعضها ويضرنا بعضها الآخر، بلا وعي ضروري.
  • الخلل في تبعية الناس وعدم القدرة على التمييز بين الجيد والأجود والرديء وركوب أي موجة تأتيهم والاقتناع بها. الخلل في الاعلام العام الذي يبرمج الناس ويغير قناعاتهم ويحدد لهم ما يحبون ويتابعون ويسحرهم بالتكرار والكلام الرخيص.
  • الخلل في نظم تعليمنا وتربيتنا وتثقيفنا التي جعلت الجمهور والفنان والمشتغل في مجال الموسيقى ينبهر بكل مغاير و مختلف ولو كان تافها، من باب ما يسمى بآخر صرعة وإصدار والانتشار والتداول.
  • الخلل في الجيل الذي يتابع الجيل الذي قبله - الذي ذكرنا حكايته - وينتهل منه كمصدر وإلهام ويكون هو سقفه ومحدوداً به في الإمكانيات والطموح وهو لا يخرج إلا مقلدا حرفياُ لا فنانا مبدعا مجدداً ولا يعرف أصول الأشياء ولا كيف يخترع ولا كيف يتوسع ويتمدد ويخلق له اسما مغياراً متميزاً في جيله و مقارنة بالسابقين.
  • الخلل في أن يكون الإرث الذي يستقي منه هذا الجيل هو ذلك الناقص المحدود الذي كان يوما مصدرا للتكسب والرواج.
  • الخلل في جعل الجمهور يقود الذوق أو ركوب الهم التجاري والربحي في الاعتماد على ما يتيسر بالكلمة لا الموسيقى والشكل والمظهر لا العمق والمعنى. الموسيقى أعظم من الكلمة التي تلحن والموسيقى التي توضع لها. فلتذهب الكلمة إلى الجحيم إن علت على الموسيقى ولم نتذكر الموسيقى إلا بها. الخلل في تسهيل الموسيقى والمقام والإيقاع  وتبسيط الذوق وتيسيرها للمشتري ولو جاء ذلك بالاستغناء عن كثير من المقامات والايقاعات والاشكال وكثير من الفنون والتقاليد والأصول.
  • الخلل أنه في حين أن مؤلفي الموسيقى والملحنين العظام، كانوا يأتون في تقاسيمهم وتلاحينهم و موسيقاهم المؤلفة بصور عميقة وشاملة للمقام المتناول والإيقاع وتناول الكلمات والتقطيع  والتجويد الكلامي حسب موطنهم، لا نجد ذلك في جيل ما نسميه الموسيقى المعاصرة.
  • الخلل في أن يعتمد جيل اليوم، هذه الموسيقى المعاصرة هذا الإرث مصدرا يستقي منه معارفه وذوقه و ما يفترض أن يبني عليه في جديده، فيخرج محدوداً بحدوده متخبطاُ، الأسهل عليه هو المزج والتقليد والقص واللصق بدل البناء الواعي واليقظ والشامل الرؤية والخبرة.
  • الخلل في أن الموسيقيين يبحثون عن فكرة أصيلة غائرة مدهشة مغايرة ومميزة، و نحن يقلد موسيقيونا الموضة ويتخلون عما هو جاهز عندهم مكتمل الدهشة جاهز لكل طموحات غيرنا؛ ثم تصبح موسيقانا ذات طابع واحد كوجبة سريعة لا يفرق بين واحدة وأخرى إلا التسمية المحلية.
  • الخلل في الانتباه إلى ضرورة اختراق هذا الجيل حاجز الخوف وتعلم الأشياء على أصولها والنظر في كل ما هو موجود من قديم وجديد وفي الجوار وفي البعيد والوعي بالخطوات الصحيحة في العمل والتقدم والانتاج.
  • الخلل في التحرج من الاستماع إلى تسجيلاتنا القديمة وأساليبنا القديمة والإرث الموسيقي بشتى صنوفه الديني والدنيوي.
  • الخلل في تدخل المشيخة والتصورات الشائعة والحرام والحلال في شغل موسيقيينا والتأثير على ذوقهم ومجالات اهتمامهم وانتاجهم وقناعاتهم وتثبيطهم.
  • الخلل في الحاجة إلى كسب العيش إن كنا نريد أن ننتج موسيقى راقية ذات قيمة لأن هذه حاليا لا تجلب جاها ولا مالا.
  • الخلل في أننا نتنازل عن مبادئنا وطموحاتنا من أجل مجاملة أو تحرج أو تزلف أو  بهرجة الشهرة.
  • الخلل في تصور قلة أثر الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ومجموعات العمل وارتباط ذلك بجمهور يتسع يوما بعد يوم وتغير اقتصاد العالم وتغير شريحة المهتمين بموسيقانا الجادة خارج حدودنا الجغرافية.
  • الخلل في أننا نظن أن موسيقانا الجيدة من يشتغل عليها هو أهلنا  وحسب بينما يشتغل عليها أناس حريصون عليها من أمم أخرى بالبحث والممارسة والأنتاج والنشر والتدوال.
  • الخلل في أن نعمل في مجموعات أو بشكل فردي لا نتعاون فيه مع الجادين الآخرين أو نترفع عليهم أو نجعل الشخصي بيننا حاجزاً لكلمة حق ودعم  ومنافسة.
  • الخلل في أن الأمم التي يهمها تميزها وهوياتها، قامت من وحل ثقيل على روحها من موجة موسيقى البوب والرواج التجاري والموضة الرخيصة .. وبدأت تتعافى يوما بعد يوم، ونحن لا نعي أننا أمة ويجب أن نسارع إلى صحتنا والاعتناء بصورتنا الحقيقية التي نفخر بها و نحسنها يوما بعد يوم بدل التبعية والضعف والتقليلد كمظهر من مظاهر الثقة الزائفة.
  • الخلل في أن لا نأخذ كل هذا الأمر بجدية تامة ونعمل.
::. فاضل التركي