كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الأربعاء، 11 نوفمبر 2009

محمد عبد الوهاب 1904 - 1991

محمد عبد الوهاب ..
اسمه يعني الموسيقى والفن والغناء والطرب .. 
وهو على ذلك منذ بدايات القرن العشرين وحتى أواخره ، وشب على فنه وموسيقاه أجيال عديدة فقد مد الله له العمر لكي يمتع أمته بأجمل الألحان 
وإذا علمنا أن عديدين غيره من الموسيقيين والملحنين قد عمروا قرب عمره لكنهم توقفوا في مرحلة ما عن العطاء وأن من استمر منهم أصبح أسير خطاه الأولى فلم يغير من أسلوبه كثيرا، وأن عبد الوهاب استطاع أن يكون على القمة دائما بالتجديد المستمر، ولم يستطع أن يجاريه في تجديده شباب الملحنين بينما كان هو يجدد وهو في السبعينات من عمره ... نعرف عندئذ لماذا أصبح محمد عبد الوهاب صاحب هذا الإسم الكبير
ومحمد عبد الوهاب هو أكثر الفنانين الموسيقيين شهرة في العالم العربي وحققت أعماله أوسع انتشار
ويرجع نجاح عبد الوهاب إلى أسباب عديدة منها:
1- أنه كان صاحب موهبة أصيلة قلما يتكرر مثلها
2- كان موسيقيا مجددا يبحث عن الجديد دائما  
3- كان مطربا محبوبا فاعتمد على نفسه في غناء ألحانه 
4- كان على ثقافة عالية 
5- قدم فنا راقيا اعتمد على رقي الكلمة واللحن والأداء 
6- احترم الجذور الشعبية للفن 
7- احترم فن من سبقوه 
8- انفتح على موسيقات العالم
9- عمر طويلا ولم يتوقف عن العطاء إلى آخر لحظة في حياته 
10-عاصر كثيرا من التغيرات في المجتمع واستوعبها جميعا 
في هذه الجولة القصيرة نستعرض معا مشوار حياة عبد الوهاب 
أنشودة القمح - محمد عبد الوهاب 

حياته ومشواره الفني
محمد عبد الوهاب الصبي الفنان 
كان ميلاد محمد عبد الوهاب في 10 مارس 1904، ولد في أحد أحياء القاهرة الشعبية المسمى باب الشعرية ، ونشأ في بيئة دينية فقد كان والده إمام مسجد سيدي الشعراني، أحد جدود محمد عبد الوهاب ، وساعدته هذه النشأة في حفظ قدر كبير من القرآن الكريم، وتأثر خاصة بقراءة الشيخ محمد رفعت 
ظهرت موهبة الطفل محمد عبد الوهاب مبكرة حيث كان يحفظ ما ترامى إلى سمعه من الأدوار والأغاني القديمة ويرددها في المدرسة وفي الشارع، ويتردد على المسارح والفرق لسماع المزيد منها إشباعا لهوايته 

عام 1914 بدأ عبد الوهاب العمل كمطرب وهو في العاشرة من عمره يغني بين الفصول حيث سمعه فوزي الجزايرلي صاحب إحدى الفرق وقرر تقديمه للجمهور رغم صغر سنه، بل إنه علق على باب المسرح إعلانا يقول الطفل الأعجوبة الذى يغني لسلامة حجازى
بينما كان محمد عبد الوهاب يغني بين فصول الروايات في فرقة عبد الرحمن رشدي المحامى، شاهده أمير اشعراء أحمد شوقي في إحدى الليالى يغني فأشفق عليه واستنكر أن يحترف العمل فى هذه السن الصغيرة ، واعترض لدى صاحب الفرقة، لكنه لم ينجح في إيقافه عن العمل إلا عندما استصدر قراراً بذلك من حكمدار القاهرة 
انزعج عبد الوهاب لهذا الموقف كثيرا وظل يخشى الظهور أمام شوقي الذى منعه من الغناء، ولم يسمعه شوقي يغني ثانية إلا بعد عشر سنوات 
عام 1917 تنقل محمد عبد الوهاب لعدة سنوات بين عدة فرق مغنيا بين الفصول وعمل أحيانا وراء الكواليس بصوته فقط، وتعرف على عدد من الفنانين 

عبد الوهاب في عشرينات القرن العشرين 
عام 1921 عبد الوهاب يغني فى فرقة سيد درويش 
كان عبد الوهاب قد أضاف إلى رصيده الفني من الغناء القديم من أدوار عبده الحامولي وقصائد سلامة حجازي وغيرهم ما حفظه من أدوار وأغاني سيد درويش المجدد الذي استطاع أن يكون سيد الموسيقى في مصر في خلال ثلاث سنوات فقط قضاها في القاهرة (1917- 20)، وساقت إليه الأقدار ذلك العملاق بالصدفة حيث تعرف إليه ثم أسند إليه دور البطولة الغنائية في أوبريت شهرزاد وهو مازال في السابعة عشرة من عمره، فاقترب محمد عبد الوهاب أكثر من سيد درويش وتعلم منه الكثير من الجديــد فى الفن 

عام 1922 رحلة فاشلة 
يعرض بديع خيري على عبد الوهاب السفر مع فرقة الريحاني في رحلة إلى فلسطين وسوريا ولبنان، لكن النتيجة فشل تام، ولم ينجح عبد الوهاب في تقديم نفسه كمطرب بين الفصول في تلك البلاد
عام 1923 عبد الوهاب يلتقي بمحمد القصبجي
التحق عبد الوهاب بنادي الموسيقى الشرقى ، فالتقى هناك بمحمد القصبجي أستاذ الموسيقى الشرقية وآلة العود حيث تعلم على يديه العزف على العود وأصول المقامات، ثم درس بعض اصول الموسيقى الغربية والتدوين الموسيقي بمعهد جويدين الإيطالي بالقاهرة 

عام 1924 عبد الوهاب مدرس الأناشيد 

محمد عبد الوهاب يبحث عن عمل، وتأتيه الفرصة كمدرس للأناشيد بمدرسة الخازندار الابتدائية، لم تكن هناك غير أناشيد سيد درويش، لكن تلاميذ عبد الوهاب لا يعطونه الفرصة، إنهم شلة من المشاغبين عديمي التذوق، يفشل أستاذنا في تدريبهم على أي شئ، فيقرر البحث عن عمل آخر 

عبد الوهاب في رعاية أمير الشعراء 
في نفس العام تأتي لمحمد عبد الوهاب فرصة عمره، يلتقي عبد الوهاب بأمير الشعراء أحمد شوقي والذي كان نقطة تحول في حياته، حيث استمع إلى غنائه في حفل على مسرح سان استفانو بالإسكندرية وسمح له بالغناء عندئذ وكان عبد الوهاب في العشرين من عمره. 
لم يكن باستطاعة شوقي أن يضيف شيئا لموهبة عبد الوهاب، لكنه أضاف أشياء إلى مناطق كثيرة في حياته كان من شأنها صقل تلك الموهبة وتسليحها بالدراسة والثقافة، فقد قرر أن يتبناه فنيا واهتم بإكمال تعليمه ليس فقط للغة العربية والشعر، وإنما الموسيقى الغربية أيضا والثقافة العامة، واستمر شوقي في رعاية محمد عبد الوهاب وتقديمه إلى صفوة المجتمع من المثقفين وأصحاب النفوذ إلى أن توفي عام 1932، وبالإضافة قدم له أشعاره وشجعه على تلحينها 

عام 1925 عبد الوهاب يكمل تلحين رواية سيد درويش كليوباترا 
كانت بداية اعتراف المجتمع الفني بمحمد عبد الوهاب عندما استدعته سلطانة الطرب منيرة المهدية وطلبت منه إكمال تلحين رواية لم يكملها سيد درويش قبل وفاته وهي كليوباترا  
ولا شك أن هذه الخطوة قد أفادت عبد الوهاب كثيرا ، وكانت تحولا كبيرا في حياة وفن عبد الوهاب لأسباب عديدة منها
1 الاعتراف الفني
2 إكمال عمل بدأه الأستاذ سيد درويش 
3 أن التكليف كان للتلحين وليس للغناء فقط 
4 صغير السن، 21 عاما ، يكلف بعمل كبير 
5 أن التكليف جاء من قمة النفوذ الفني والاجتماعي
 
وكانت نتائج هذا التكليف ذات أثر كبير على عبد الوهاب وعلى مستقبل فنه وملخصها
1 اكتسب الكثير من الثقة بالنفس وبدأ التلحين بخطوات ثابتة 
2 أنه " تلبس" روح الشيخ سيد درويش 
كان الشيخ سيد قد أشركه في عمل له قبل ذلك هو شهرزاد، ولكن بصفته مطربا لا ملحنا، والفرق كبير، فإن جمال الصوت ليس له علاقة مباشرة بالقدرة على التلحين، وإن إكمال عمل لسيد درويش يوحي بضرورة السير على نفس المنهاج وإلا فسيفقد العمل وحدته الفنية، ومن هنا وجد عبد الوهاب نفسه مضطرا للسير في طريق سيد درويش، وقد فعل ذلك فعلا، عن حب واعتزاز وتأثر بالأستاذ ، لكنه كان في داخله يهتز كمن أصابه زلزال لإحساسه بعظم المهمة 

ويحكي عبد الوهاب عن تلك الفترة أنه كان يتأمل صورة سيد درويش ويشعر بشعورين متناقضين أمامها، أولهما التقدير الكامل لهذا الفنان والنظر إليه كقمة لا يمكن بلوغها، وثانيهما أنه يحس بأن عليه هو مواصلة مسيرة الأستاذ وتطوير الفن إلى أعلى مرحلة ممكنة، وهي مهمة تكاد تكون مستحيلة في نظره، فهو فنان متواضع وأين هو من سيد درويش، لكن يبدو أن تقدير الآخرين لموهبة وقدرات عبد الوهاب كان أكبر بكثير من تقديره هو لنفسه
لقد استشار في ذلك كل من استطاع التحدث إليه في الموضوع، بمن فيهم أمير الشعراء الذي لاحظ تردده فنصحه بقبول العرض. وكان شوقي يعرف سيد درويش جيدا وقد لحن نشيدا من أشعاره بل إنه نظم شعرا مديحا ورثاء في الشيخ سيد 

وكان هذا التلبس بعيد الأثر في فن محمد عبد الوهاب ، فإنه للفترة التالية قد أنتج ألحانا كأنها من تلحين الشيخ سيد خاصة في الأدوار، منها القلب يا ما انتظر، وفي الأغاني أيضا إمتى الزمان وغيرها ، وهي ذات المرحلة التي صنعت أجمل ألحان عبد الوهاب وأطلقته إلى القمة باسم كبير، وللآن تجد بعض الذواقة من الجمهور يقول أنه يحب سماع عبد الوهاب القديم إشارة إلى تلك المرحلة. واستمر تأثره بسيد درويش حتى بعد دخوله دخل عالم السينما في الثلاثينات والأربعينات، وحتى فى الستينات والسبعينات كانت لا تزال هناك بصمات سيد درويش في موسيقى عبد الوهاب 

أول أوبريت من تلحين عبد الوهاب 
قام عبد الوهاب بتلحين أول أوبريت كاملة له وهي قنصل الوز لفرقة نجيب الريحاني، بسعي من عبد الوهاب نفسه لدى نجيب الريحاني ليمنحه الفرصة لتلحين إحدى أوبريتاته، وقبل الريحاني ونجحت الرواية فعلا بألحان عبد الوهاب  

عام 1926 عبد الوهاب يبدأ التلحين والغناء لشوقي
كمن وجد ضالته بدأ شوقي يكلف عبد الوهاب بوضع ألحان لقصائده وغنائها. كان شوقي يريد لقصائده الانتشار وكان صوت محمد عبد الوهاب هو الجهاز الإعلامي الذي اختاره لتلك المهمة. كانت أول أغنية كتبها بالعامية وهي "شبكتي قلبي ياعيني" وبها المقطع الشهير "توحشني وانت ويايا واشتاق لك وعنيك في عنييّ"، والذي استعار صورته أحمد رامي في أغنيته لأم كلثوم إنت الحب بعد أربعين عاما في المقطع "واحشني وانت قصاد عيني" التي لحنها عبد الوهاب أيضا، وكان عبد الوهاب يغني لشوقي قبل ذلك لكن ليس من ألحانه. وكان شوقي يسعد بسماعه يغني أدوار عبده الحامولي وألحان محمد عثمان ، ومنها ما كان من تأليف شوقي. ثم بقصيدة يا جارة الوادي بدأ المجتمع الراقي يتعرف على عبد الوهاب، ولكي يصقله أكثر قرر أحمد شوقي اصطحاب الفنان الناشئ إلى باريس عاصمة الفن، وهناك استمع إلى الموسيقى الباريسية والموسيقات الأوربية عموما واتسعت مداركه الفنية لتستوعب فنون الشرق والغرب 

عام 1927 أول اسطوانة لعبد الوهاب 
سجل عبد الوهاب أول إسطوانة بأغنية خفيفة من ألحانه وكلمات الشيخ يونس القاضي، فيك عشرة كوتشينة ، وقد ظهر فيها تأثره بموسيقى سيد درويش، وسجل في نفس العام عددا قياسيا من الألحان بلغ 17 لحنا 
 في الليل لما خلي - محمد عبد الوهاب 

عام 1928 فى الليل لما خلي
أحدث هذا اللحن لعبد الوهاب دويا هائلا وأثار إعجاب الجمهور المثقفين والعامة على السواء، ويعتبر نقلة كبيرة في فن عبد الوهاب. ومن خصائص تلك الأغنية، وهي من شعر شوقي، أنها أغنية وصفية ، وقد كتبت الأغنية بشكل المونولوج أى تسترسل من البداية للنهاية بدون مذهب وكوبليهات، وكان سيد درويش أول من أدخل هذا الشكل الغنائي في أغنيته والله تستاهل يا قلبي، وتحكي كلمات شوقي كالقصة تأملات إنسان في الليل الساكن وما يلهمه به من أفكار وأحاسيس، وقد أعطت عبد الوهاب فرصة كبيرة لإثبات قدرته على التعبير
عام 1928 أهــــون عليــك 
كان عهدي عهدك في الهوى يا نعيش سوا يا نموت سوا 
لحن عبد الوهاب أهون عليك كأول مونولوج غنائي له من كلمات يونس القاضي في منافسة مع أم كلثوم التي حققت نجاحا مع أول مونولوج لها من تلحين أستاذه محمد القصبجي، إن كنت أسامح و أنسى الأسية ، من كلمات أحمد رامي، وكان على عبد الوهاب ليعتلي القمة أن ينافس الاثنين معا، الملحن والمطرب  

عبد الوهاب في الثلاثينات
عام 1931 دور القلب يا ما انتظر 
يجتهد عبد الوهاب في وضع اللحن، واشتهر الدور لكن النتيجة نجاح غنائي فقط، هل كان اللحن ضعيفا؟ لا بالعكس فاللحن غاية في الجمال، ولكنه التقليد، لقد خرج اللحن نسخة من دور سيد درويش ياللي قوامك، وكذلك كانت أدواره الأخرى تسير على خطى أدوار سيد درويش، بلغ مجموع أدواره خمسة هي
1926 ياليلة الوصل استني -  أحمد شوقي 
1928 أحب اشوفك كل يوم - حسن أنور 
1930 عشقت روحك - محمد متولي 
1931 القلب يا ما انتظر - أمين عزت الهجين 
1932 حبيب القلب -  أمين عزت الهجين  

لكنه يتوقف بعدها عن تلحين الأدوار نهائيا، كان زكريا أحمد سيد تلحين الأدوار بعد الشيخ سيد درويش مازال يلحن الأدوار واستمر كذلك حتى لحن لأم كلثوم دور عادت ليالي الهنا عام 1938 وهو آخر دور في الموسيقى العربية، وكمن كان يقرأ المستقبل، قرأ محمد عبد الوهاب أن الدور كقالب غنائي قد شارف على انتهاء عهده فترك ذلك الميدان 

عام 1930 عبد الوهاب يتلقى عرضا بالعمل في السينما 
التقى محمد عبد الوهاب بشخصية أخرى غيرت مجرى حياته فقد تعرف إلى المخرج محمد كريم فى إحدى الحفلات وقد أخرج له أفلامه السته فيما بعد، وكان محمد كريم هو الذي اقترح على عبد الوهاب العمل بالسينما فقبل ولكن بعد تردد رهيب 

عام 1932 محمد عبد الوهاب مطرب الملوك والأمراء
أطلق على محمد عبد الوهاب لقب مطرب الملوك والأمراء عندما غنى في إفتتاح معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية (معهد الموسيقى العربية)، أمام بعض الملوك والأمراء الذين حضروا الافتتاح، وبذلك تم فضل شوقي عليه
أشــعار شوقي لعبد الوهاب 
من القصــــــــائد: ياجاره الوادي ، علموه كيف يجفـو فجفا ، تلفتت ظبية الوادي ، أنا أنطونيو ، مضناك جفاه مرقده ، سجى الليل ، ردت الروح ، مجنون ليلى ، مقادير من جفنيك ، منك يا هاجر دائي ، يا ناعماً رقدت جفونه ، دمـشـق ، يا شراعاً وراء دجلة يسرى ، جبل التوباد ، إلام الخلف 
من شعر العامية: في الليل لما خلي ، اللي يحب الجمال ، بلبل حيران ، تراضيني وتغضبني ، شبكتي قلبي ، شجاني نوحك ، قلبى غدر بي ، الليل بدموعه جاني ، النبى حبيبك ، النيل نجاشي

عام 1933 عبد الوهاب بعد وفاة شوقي
حزن عبد الوهاب كثيرا لفقد أستاذه ومعلمه لكنه استمر في مسيرته وقد اكتسب العديد من الخبرات، بعدها سافر إلى بلدان عربية كثيرة وأحيا حفلات ملوكها وأمرائها الذين أغدقوا عليه الكثير من الهدايا والعطايا تقديرا لفنه. وكان عبد الوهاب قد تعلم أصول مخالطة الخاصة والأثرياء عن طريق شوقي، وكان له من الأدب الجم وحسن الخلق ما يضمن له ترك انطباع شخصي جيد لدى مضيفيه وقد ظل حاله كذلك للثلاثينات والأربعينات، كما انخرط في ميدان جديد تماما هو السينما
 
عام 1933 عبد الوهاب في السينما 
دخل عبد الوهاب عالم السينما بأول فيلم غنائي له وعمره 29 عاما، الوردة البيضاء، وأتبع هذا الفيلم بخمسة أفلام أخرى، قام ببطولتها تمثيلا وغناء كان آخرها عام 1947 وعمره 43 عاما، ثم اشترك بالغناء فقط في فيلمين أحدهما هو غزل البنات مع ليلى مراد ونجيب الريحاني عام 1949، والآخر كان فيلم منتهى الفرح عام 1963 
احتوت تلك الأفلام على عشرات من أجمل أغاني عبد الوهاب، وتميزت بالبساطة والتحديث، وقد أدخل إلى أفلامه طابع الحياة الغربية واستخدم إيقاعات أوربية مثل التانجو والسامبا والرومبا 

ولا شك أن دخول عبد الوهاب ميدان السينما قد أسهم كثيرا في صنع مجده الفني، ولا زالت مقاطع أغانيه في الأفلام تذاع لليوم في جميع محطات الراديو والتليفزيون العربية والقنوات الفضائية. ونادرا ما تعرض تلك الأفلام كاملة، فالغرض من إذاعتها هو غناء عبد الوهاب، وهو الذي أضاف القيمة الكبرى لتلك الأفلام، وإذا أخذنا في الاعتبار أن كل ما غناه كان من ألحانه فإن تلك الألحان هى السر الحقيقي في جمال تلك الأغاني، ومعظم الجمهور الذي استمع لتلك الأغاني عبر الراديو لا يدرى إن كانت تلك الأغاني قد قدمت في أفلام أم لا  

عام 1934 عبد الوهاب في الإذاعة 
غنى عبد الوهاب لأول مرة في ستديوهات الإذاعة المصرية عند افتتاحها عام 1934، ورغم أن الإذاعات الأهلية كانت موجودة قبل ذلك الحين إلا أن أنه لم يكن يسجل لها ألحانه ، وقد فسر ذلك بأنه خشي على اسطواناته من الكساد

عام 1935 عبد الوهاب مؤلف موسيقي
بدأ محمد عبد الوهاب مرحلة جديدة تماما في تاريخ الموسيقى العربية، إنه يؤلف مقطوعات موسيقية بحتة لا يصاحبها غناء، وهى ليست على أي من قوالب الموسيقى الشرقية تركية الأصل كالسماعي والبشرف واللونجا، وإنما شكل جديد فيه الكثير من الحرية في التأليف 

كانت أول مقطوعة له بعنوان فانتازي نهاوند، أي خيال على مقام النهاوند، وقد أعطاها هذا العنوان الذى استوعبه الموسيقيون نظرا لتعرفهم مسبقا على اسم المقام، لكن كلمة فانتازى لم تقصد لغويا فهي اصطلاح موسيقي غربي لشكل تؤلف عليه المقطوعات الموسيقية الصغيرة. 
وقد عمد عبد الوهاب إلى أسلوب جديد في تسمية مقطوعاته بعد ذلك، إذ أن الأسلوب التقليدي، الشرقي والغربي، في تسمية الموسيقى البحتة يعتمد أساسا على اسم المقام الأساسي المؤلفة منه. 
في الشرق نقول سماعي بياتي أي مقطوعة موسيقية من مقام البياتي موضوعة على ميزان أو إيقاع السماعي ، ونقول سماعي هزام أي مقطوعة من مقام هزام على نفس الميزان وهكذا، وفي الغرب يقال سوناتا الكمان من دو ماجير مثلا أي مقطوعة موسيقية من مقام دو ماجير لآلة واحدة هي الكمان. ويقال كونشرتو البيانو من ري مينير أي مقطوعة لآلة البيانو بمصاحبة الأوركسترا من مقام ري مينير. وقد يضاف رقم إلى اسم المقطوعة مع اسم المؤلف كأن يقال السيمفونية رقم 94 لهايدن أو الأولى لفاجنر. وللبعض القليل من المقطوعات الغربية أسماء أطلقت عليها، كحلم ليلة صيف لمندلسون أو سيمفونية القدر لبيتهوفن مثلا. 
لكن عبد الوهاب اتخذ من هذا القليل قاعدة لكل أعماله في الموسيقى البحتة بعد ذلك وأعطى لكل مقطوعة عنوانا حاول التعبير عنه بالموسيقى. واستمر عبد الوهاب يؤلف مثل هذه المقطوعات حتى الستينات ، وقد حفظها عن ظهر قلب كثير من الموسيقيين في مصر والعالم العربي، بل وصارت من النماذج المستعملة كنماذج وتدريبات موسيقية للدارسين مثلها في ذلك مثل السماعيات الشرقية والسوناتات الغربية 
ومن أمثلة ما ألف عبد الوهاب من مقطوعات موسيقية ، حبي ، إليها ، بنت البلد ، ألف ليلة ، عزيزة ، لاسمر ، موكب النور ، حياتي ، الخيام ، هدية العيد 
 سهرت منه الليالي - محمد عبد الوهاب 

من أشهر أعمال عبد الوهاب في الثلاثينات  
من الأدوار: القلب ياما انتظر ، عشقت روحك  
من الأغاني: إمتى الزمان ، إيه انكتب لي ، أعجبت بي ، الصبا والجمال ، مجنون ليلى ، جفنه علم الغزل ، خدعوها بقولهم حسناء ، علمه كيف يجفو ، النيل نجاشي ، ســهرت ، يا دنيا يا غرامي ، يا دي النعيم ، يا وردة الحب ، أحب عيشة الحرية ، إجري إجري ، يا وابـور قوللي ، عندما يأتي المساء
أفلام عبد الوهاب في الثلاثينات  
1933 الوردة البيضاء - النيل نجاشي ، جفنه علم الغزل ، ضحيت غرامي ، ناداني قلبي
1935 دمـوع الحــــب - قصر الأماني ، سهرت منه الليالي 
1938 يحيـــا الحـــب - يا دنيا يا غرامي، عندما يأتي المساء، أحب عيشة الحرية، يا وابور 

عبد الوهاب في الأربعينات 
عام 1940 آخر حفلة عامة لعبد الوهاب 
غنى عبد الوهاب لآخر مرة في حفلة عامة أمام الجمهور في طنطا وكان عمره 36 عاما، ولكن لماذا يتوقف عبد الوهاب عن الغناء وهو في قمة مجده؟ 
الواقع أن عبد الوهاب لم يتوقف تماما عن الغناء فقد استمر ولكن ليس أمام الجمهور، وكان قراره باعتزال الحفلات العامة راجعا إلى عدة أسباب:  

1- التغير في طبيعة صوته مع تقدم سنه: فهو قد بدأ الغناء مبكرا وصدرت أول اسطوانة له وهو فى الثالثة والعشرين، وعندما بلغ هذه السن 36 لم يعد بإمكانه تقديم نفس الأعمال ذات الأبعاد الصوتية القاسية التى متع الجمهور بها وعودهم عليها، وجمهور الحفلات لا يرحم، فها هو يطلب من عبد الوهاب غناء أغانيه الأقدم التي كانت سببا في شهرته ويخشى عبد الوهاب أن يفشل فى أدائها بنفس الطريقة فيقرر قصر لقائه بالجمهور على الاسطوانات والإذاعة والسينما 

2- الإذاعــــة: كان الجمهور قد تعود أيضا خلال سنوات على الاستماع لأجهزة الراديو التي راجت وانتشرت وقلل ذلك من ارتياد الجمهور الحفلات، فقد أصبح بالإمكان سماع عبد الوهاب وغيره فى المنازل والمقاهى دون مشقة أو تكلفة 

3- الســـــينما: كما أن رواج أفلامه السينمائية أغناه عن تلك الحفلات إذ أن جمهورها كان بالآلاف وفى جميع البلدان العربية، بينما كان جمهور الحفلات محدودا بالوقت والمكان وبمزاج الجمهور أيضا!
لكن توقف عبد الوهاب قد خدمه وخدم الفن عموما في مفارقة كبيرة. ألم يعترض الجمهور على تقديمه الجديد وأصر على طلب القديم في آخر حفلة له؟ هل يستسلم للجمهور أم يلبي نداء الفن ويمضي في تحقيق ما يريد؟ لقد أصبح عبد الوهاب هو الفنان الأول وتربع على قمة عالية، فمن غيره يتجه بالفن إلى التطوير والإضافة؟ هي رسالة إذاً ولابد من المحاولة 

لقد تجرأ عبد الوهاب أكثر وبدأ يجرب، فقد كان يعشق التجديد والتحديث في كل شيء، بدءا من أول نغمة موسيقية يضعها في اللحن حتى الملابس التي يرتديها هو وأعضاء فرقته، وكانت له هذه الفرصة خلف الستار ليجرب أشياء جديدة في الفن  

هكذا أضاف عبد الوهاب تجارب جديدة إلى إنتاجه القديم، وانشغل بشيئين هامين في تلك الفترة هما نشاطه السينمائي، وألحان جديدة خارج محيط السينما، فقدم في بقية أفلامه ألحانا تميزت بالتطور الواضح لحنا وأداء وتنفيذا. وله فى تلك الفترة ثلاثة أفلام قام ببطولتها وفيلم اشترك فيه بالغناء فقط وهو غزل البنات بطولة نجيب الريحاني وليلى مراد مقدما أغنيته الشهيرة عاشق الروح، وهي من العلامات الفارقة في موسيقى عبد الوهاب، ويكفى مشاهدة مقطع الأغنية فى الفيلم لنعرف مدى التطوير الذي أحدثه عبد الوهاب في الموسيقى العربية  

عام 1942 تزوج عبد الوهاب من السيدة إقبال نصار أم أبنائه الخمسة، ولم يعقه زواجه عن الفن بل استمر في إبداعه كما كان 
عام 1947 آخر بطولة سينمائية لعبد الوهاب لست ملاكاً مع المطربة نور الهدى.
من أشهر أغاني عبد الوهاب في الأربعينات
حكيم عيون ، ما كانش ع البال ، يا مسافر وحدك ، انسى الدنيا ، لست أدري ، حياتي إنت ، همسة حائرة ، القمـــح ، عاشق الروح ، الحبيب المجهول ، الفــن ، قالت ، كليوباترا ، الكرنك ، الجندول ، دمشق ، فلسطين
تعبر هذه القائمة فترة عشرة سنوات فقط إلا أن الفرق بينها وبين الألحان الأسبق لعبد الوهاب ايبدو موسيقيا كأنه عشرات السنين. فإن القفزات الموسيقية التي حققها في تلك الفترة كما في ألحان لست أدرى ، القمـح ، عاشق الروح والفــن تضعه بحق في مصاف المؤلفين الموسيقيين ولايمكن النظر إليه فيها على أنه ملحن فقط، ولم يبلغ هذه المرحلة غيره من الموسيقيين الأوائل أو اللاحقين، ولا شك أنها رفعته إلى مكانة عالية جدا فى الفن 

وقد نلاحظ في هذه الألحان أن عبد الوهاب لم يكن قد استطاع بعد تطويع الكلمات العربية أو عملية التلحين للموسيقى التي يؤلفها بالكامل، فيما عدا لحن القمح الذي انسجمت موسيقاه المتطورة مع لحنه تماما. فبدت المقاطع الغنائية في تلك الأعمال متأخرة عن مقدماتها الموسيقية من ناحية التطور في التركيب الفني. وقد حاول عبد الوهاب حل هذه المعضلة في لحنه أنا والعذاب وهواك ولكن الفرق ظل موجودا، وربما لم يصل إلى حلها ثانية إلا بعد ذلك بقليل في لحن لا مش أنا اللي ابكي، ولو أنه زاد على اللحن الأساسي مقطعا تقليديا في نهايته، ثم في لحنيه لعبد الحليم أهواك و أنا لك على طول أتى بموسيقى جديدة على المسامع العربية لكنه عاد للغناء التقـليدى بعد البداية بقليل
وقد فسر بعض النقاد هذا المنحى بأن عبد الوهاب كان يلحن بعين على الموسيقى وعين على الجمهور، أي أنه كان يهدف للتجديد كلما أمكنه ذلك خاصة أن قطاعا كبيرا من الجمهور قد أصبح يتذوق وينتظر التجديد مع نمو الطبقة المتوسطة، لكنه كان يخشى رد فعل الجمهور الذي قد لا يتقبل التجديد، وكان ينظر إلى كل عمل من أعماله على أنه مغامرة قد تصعد به إلى السماء وقد تهبط به أسفل سافلين، ولذا كان يحرص على إرضاء جميع الأذواق بالخلط في أحيان كثيرة بين القديم والجديد ، حتى أن بعضهم شبه ألحانه بأنها عبارة عن طبق من السلطة الفاخرة  

أفلام عبد الوهاب في الأربعينات 
1940 يـــــوم ســـــعيد - إيه انكتب لي ، اجري اجري ، طول عمري عايش لوحدي 
1942 ممنوع الحــــب - يا مسافر وحدك ، ما كانش ع البال ، ياللي نويت تشغلني ، انسى الدنيا ، بلاش تبوسني ، ردي عليّ
1944 رصاصة في القلب - لست أدري، مشغول بغيري، أحبه مهما أشوف منه، حكيم عيون 
1947 لســت مــــلاكا - القمـــــــــــح  
1949 غـزل البنـــات ـ عاشق الروح

الجنــــدول - محمد عبد الوهاب 

قصــائد عبد الوهاب الكبرى 
قدم عبد الوهاب سلسلة من القصائد العذبة لأعظم الشعراء تميزت بثراء فني شديد جعلته يتربع على قمة جديدة غير تلك التي اعتلاها في شبابه بألحانه الأولى، إنها قمة الأستاذ الناضج الذي يمثل الآن فن وتراث أمة وليس مجرد إنتاج فردي، وقد أعلت كثيرا من منزلته ومكانة فنه في العالم العربي
قدم عبد الوهاب تلك القصائد المتميزة عبر الثلاثينات والأربعينات والخمسينات منها:
الجنـــدول - علي محمود طه 
الكرنـــــك - أحمد فتحي 
دمشـــــق - أحمد شوقي 
كليوباترا - علي محمود طه 
لست أدري - إيليا أبو ماضي
همسة حائرة - عزيز أباظة 
فلسطين - علي محمود طه 

دعاء الشرق - محمود حسن اسماعيل
النهر الخــالد - محمود حسن إسماعيل


دمشــــق - محمد عبد الوهاب 

عبد الوهاب في الخمسينات
لم ينس عبد الوهاب قط أنه مطرب ، واستمر يغني حتى الستينات قبل أن يعتزل الغناء في كل الوسائط. ورغم تغير صوته في مراحل متعاقبة استمر كل منها حوالي عشر سنوات تقريبا إلا أن الأداء الجميل أكسب صوته جمالا في كل مرحلة يسيطر على مشاعر الناس وحواسها رغم تقدمه في السن، وكان دائما يكسب عند عقد مقارنة بينه وبين أي صوت آخر على الساحة
هذا عن صوت عبد الوهاب ، أما عبد الوهاب الملحن فلم يستطع أحد الوصول إلى روعة ألحانه ، خاصة تلك التي غناها بنفسه فهي ألحان لها شخصيتها الخاصة، شديدة الحضور، متسامية، وراقية، ولم يكن يكرر نفسه في الحانه
قدم عبد الوهاب عدة ألحان غنائية بلغت من الروعة مستوى قصائده الكبرى ولكنها امتازت بالتجديد الموسيقي من حيث البعد عن الموسيقى الموقعة على أرتام تقليدية سواء كان شرقية أم غربية
لا مش أنا اللى ابكي قمة جديدة 
ما هذا الذى يقدمه عبد الوهاب في لحنه الشهير لا مش أنا اللي ابكي؟ هل هذه موسيقى عربية؟
الإجابة أنها لم تكن موسيقى عربية لكنها أصبحت كذلك! لقد بلغ هنا قمة التجديد وقمة الانطلاق في التأليف الموسيقى  
قبل هذا اللحن لم يكن من المتصور أن هناك موسيقى شرقية بهذا الشكل، إنها تبدو غربية مثل كلاسيكيات الغرب السائدة في الخمسينات. إنه يضع موسيقى مختلفة كل الاختلاف عما تعودته الأذن الشرقية ، لقد أصبح لدينا فرانك سيناترا آخر في الشرق! وهو هنا يحقق أمنية من أماني سيد درويش، إنها موسيقى غاية في الحداثة وهي الموسيقى يمكن أن يتذوقها الشرق والغرب، وهي من الرقى بحيث يمكن نفاخر بها أمما أخرى لها باع طويل في الموسيقى، وهي موزعة أوركستراليا على أصول الموسيقى العالمية ، لقد قفز عبد الوهاب عاليا، ولا عزاء لمن لا يستطيع اللحاق به سواء من الفنانين أو من الجمهور، انتهى الأمر وأصبح محمد عبد الوهاب فوق السحاب 

ولكى تكتمل الصورة لم يكن التجديد هنا في الموسيقى فقط، فقد حملت الكلمات التي صاغها حسين السيد ، صاحب أكبر عدد من الأغاني لعبد الوهاب بين المؤلفين، معان جديدة قدمت نموذجا في الحب غير ذلك الذي شاع الغناء له قبل ذلك. إنه يقدم محبا جديدا يرفض الشكوى والبكاء والتمتع بالعذاب في الحب ، يحترم ذاته ويقدم كبرياءه على حبه
فى نفس الفترة قدم عبد الوهاب ألحانا عديدة لغيره من المطربين الجدد، مثل ليلى مراد ونجاة وفايزة وصباح وغيرهم كما قدم العديد من الأغاني الوطنية التي روجت لثورة يوليو 

عبد الوهاب وثورة يوليو 
أطلقت ثورة يوليو شعور عبد الوهاب الوطني من مكمنه، فبعد طول مهادنة مع العهود الملكية أسفر محمد عبد الوهاب عن وجه قديم افتقده منذ أن ضمه شوقي إلى الحاشية الملكية وسعى له حتى خلع عليه لقب مطرب الملوك والأمراء. فظهر بكل طاقته يعبر عن قيم الحرية التي أطلقتها الثورة، واندمج في سلسلة من الأعمال الوطنية. وقد بدأت صحوته تلك في وقت مبكر من عمر الثورة وقد غنى منها الكثير بصوته ، كما لحن منها العديد لغيره من المطربين 

وكانت قيادة الثورة في حيرة من أمرها مع أم كلثوم وقد صدر قرار بمنع أغانيها فعلا من الإذاعة باعتبارها من رموز العهد الملكي، ولم ينقذها من ذلك القرار غير تدخل شخصي من جمال عبد الناصر الذي دافع عنها بشدة. لكن ذلك لم يحدث مع عبد الوهاب الذي كان يحمل لقبا ملتصقا بالعهود الملكية أشد الالتصاق ، ترى لماذا؟ 
الإجابة على هذا السؤال تتطلب العودة إلى ما كان يقدمه عبد الوهاب في الأربعينات أي في العقد السابق للثورة مباشرة 

لقد قدم عبد الوهاب مجموعة من القصائد الوطنية التي لم تتعرض لا للملك ولا للنظام لا بالمديح ولا بالانتقاد ، لكنها كانت جميعها قصائد وطنية بمعنى الكلمة، بل إنها تتفوق على جميع أغانيه الوطنية المباشرة التي قدمها بعد الثورة والتي لم تخل من مدح النظام الجديد وإنجازاته. وقد تغنى في تلك القصائد وهي من الشعر العربي الراقي الحديث بوصف مصر، أرضها ونيلها ونسيمها وتاريخها وآثارها ، فقد غنى الجندول والكرنك وكليوباترا، دمشق وفلسطين، وقبل ذلك إلام الخلف بينكم وبعدها دعاء الشرق والنهر الخالد .. 
هذه الأعمال ذات القيمة العالية كلاما ولحنا ميزته عن باقي الفنانين بأنه قد أصبح يمتلك مجموعة من الأعمال الوصفية غنية بحب الوطن والتغني بجمالياته اعتز الناس بها كثيرا بل أصبحت من رموز الشرق ، ومعها عبد الوهاب، لقد أصبح رمزا هو الآخر، رمزا وطنيا يتأثر الناس في مشاعر عميقة كلما سمعوه يتغنى بإحدى هذه القصائد، وهذا السجل الذى كتبه عبد الوهاب بفنه وإخلاصه ورقي قيمه لم يكن باستطاعة أحد محوه بقــرار، بل إن ضباط الثورة أنفسهم تأثروا بتلك القصائد كغيرهم من فئات الشعب المصري الباحث عن هويته وسط ظروف غاية في الصعوبة من فقد السيادة والحرية بسبب قهر الاستعمار وفساد الحكام 

غير أن أغنية واحدة هي أغنية الفــن، وهي من أروع أغانيه على الإطلاق، والتي مدح فيها الفن وسمو قيمه تم منع إذاعتها بعد الثورة حيث ذيلت بمديح للملك ، وإن لم يتعد ذلك المديح رعايته للفن
قصيدة فلسطين، أخي جاوز الظالمون المدى، 1948، أغنية وطنية أبعد ما تكون عن حماسة الخطوة العسكرية والأناشيد، لكن عبد الوهاب بلحنه وأدائه يحرك أعمق ما في الإنسان من مشاعر، وقد جعل عبد الوهاب الناس تحس بالكلمات والمعاني أعمق الإحساس، واللحن عربي مائة في المائة، شعرا ومقاما ونغما مس كل قلب في المنطقة العربية وللآن يختفظ بنفس التأثير
من أغنياته الوطنية في الخمسينات 
يا نسمة الحرية، الدنيا بقت حرية، زود جيش أوطانك، الجلاء ( قولوا لمصر تغني) 

عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ 
تميزت الخمسينات بسيطرة أربعة أصوات على الساحة الغنائية لكل منها رصيد جماهيري كبير، إلى جانب عشرات من الأصوات الأخرى، والأصوات الأربعة هي أم كلثوم، محمد عبد الوهاب، عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش  كان لفريد الأطرش جمهوره الخاص في مصر والشام مسقط رأسه، أما عبد الوهاب وأم كلثوم فكانا على القمة منذ زمن طويل، وعبد الحليم كان في مستهل حياته الفنية لكنه انتشر انتشارا واسعا بفضل السينما والإذاعة والألحان الجديدة 

كان هناك ملحن واحد وراء كل صوت من هذه الأصوات الأربعة ماعدا عبد الحليم كان يلحن له ثلاثة ملحنين، أحدهم عبد الوهاب واثنان من الملحنين الجدد هما كمال الطويل ومحمد الموجي، وقد نجح كل منهما أيضا في التلحين لأم كلثوم، وبالتالي أصبحت كفة الملحنين الجدد أرجح في سوق الفن، فهما غزيرا الإنتاج واكتسبت ألحانهما شعبية واسعة وغنت لهما أم كلثوم وعبد الحليم فماذا بعد؟ 
هنا يأتي محمد عبد الوهاب ليس المطرب أو الملحن ولكن رجل الأعمال الذكي، بعين على الفن وعين على السوق والجمهور، تبنى الصوت الجديد الصاعد عبد الحليم حافظ ووقع معه عقودا لبعض الاسطوانات وفيلمين، ثم كون شركة إنتاج مع عبد الحليم والمطربة الجديدة ذات الصوت الناعم التي دربها بنفسه نجاة الصغيرة، هي شركة صوت الفن، وبذلك أشرك عبد الوهاب عبد الحليم في عملية صناعة الأغنية كشريك تجاري وتمت له السيطرة العملية على ما يمكن أن ينتجه عبد الحليم، وهي شركة قائمة للآن رغم وفاة صاحبيها واعتزال الشريك الثالث
ولو أن عبد الحليم لم يغن أغاني عبد الوهاب القديمة، ولا نتصور أنه كان بإمكانه غناءها من الناحية الفنية، ولا عبد الوهاب توقف عن الغناء كلية، ولكن بدأت مرحلة غريبة نتجت عن تلحين عبد الوهاب أغان جديدة لعبد الحليم 

وأغرب ما في تلك المرحلة بالنسبة لعبد الوهاب، وكان لا يزال يغني بنفسه، أنه وعبد الحليم كانا شريكين متعاونين ومتنافسين في ذات الوقت، كان يلحن لنفسه لحنا ثم يعقبه بلحن لعبد الحليم فإن نجحت أغنيته فلحنا وأداء، وإن نجحت أغنية عبد الحليم فللحنه نصيب من النجاح يحافظ على اسمه عند الجمهور، وكان شائعا أن يسائل الناس بعضهم بعضا هل تحب عبد الوهاب أم عبد الحليم؟! 

هناك حكاية عن أول لقاء جرى بين عبد الوهاب وعبد الحليم لا ندري مدى صحتها، وملخصها أن عبد الحليم كان مطربا مبتدئا، وكلما هم بالغناء في إحدى الحفلات طالبه الجمهور بالغناء لعبد الوهاب الذي اعتزل الحفلات. ورغبة منه في مقابلة عبد الوهاب ذهب إليه لكنه تلعثم في الكلام أمام الفنان الكبير، فأشفق عليه عبد الوهاب وظن أنه يطلب مالا فقدم له مبلغا ليشعر عبد الحليم بالحرج الشديد ويمضي حزينا ويظل كذلك حتى قابله مرة أخرى بعد ذلك بعامين حيث اتفقا على عمل فني في هذه المرة
جديد في جديد 
يشعل عبد الوهاب مشاعل جديدة على طريق التحديث ولكن بصوت عبد الحليم، يلحن له أنا لك على طول وأهــواك فيضرب في كل مرة عدة عصافير بحجر، إنه يقول للجميع أنا عبد الوهاب، للقدامى والمحدثين، ويضمن انحياز الأصوات الجديدة له، ويعبئ الجمهور ضد كل محاولات التحفظ، ويطبع بصماته على كل الألحان القادمة، ويعلن أن المستقبل للتجديد والابتكار
من ألحان عبد الوهاب لعبد الحليم في الخمسينات  
توبـــة ، أنا لك على طول ، أهواك ، عقبالك يوم ميلادك ، ظلموه 

عبد الوهاب في الستينات
استمر محمد عبد الوهاب في تقديم ألحانه للآخرين لكنه توقف عن الغناء في منتصف الستينات تقريبا. وله في تلك الفترة أعمال وطنية متميزة مثل ناصر ، والله وعرفنا الحب ، وطني حبيبي ، الجيل الصاعد ، صوت الجماهير ، ياحبايب بالسلامة
ومن الغريب أن عبد الوهاب بعد كل هذا التاريخ وقد اعتلى كل هذه القمم لم يستطع الهرب من تأثير موسيقى سيد درويش ، فتسمع في لحن والله وعرفنا الحب ولحن يا حبايب بالسلامة موسيقى سيد درويش واضحة كالشمس! 
ولعبد الوهاب في هذه الفترة بعض القصائد العاطفية نذكر منها لنجاة الصغيرة أيظن، وماذا أقول له من أشعار نزار قباني، ولا تكذبي التي غناها عبد الوهاب وعبد الحليم ونجاة الصغيرة كل بمفرده من شعر كامل الشناوي
عام 1963 ظهر عبد الوهاب في آخر فيلم سينمائي له باسم منتهى الفرح اشترك فيه بالغناء فقط بأغنية هان الود، واعتزل بعدها الغناء تقريبا وتفرغ للتلحين 

عبد الوهاب وأم كلثوم 
عام 1964 تم لقاء القمتين محمد عبد الوهاب وأم كلثوم في أول عمل فني مشترك هو إنت عمري، وانتهت بذلك عقود طويلة من المنافسة بينهما، وبدأت مرحلة جديدة من إبداعات عبد الوهاب الموسيقية استمرت عشر سنوات
لم يكن اللقاء لا عفويا ولا مخططا، فقد بلغ كل منهما من السن والمكانة ما بلغ، ولم يكن في ذهن أحد أن تلتقي القمتان بعد هذه السنين من الافتراق 

كان لافتراق عبد الوهاب وأم كلثوم أسباب كثيرة تندرج جميعها تحت عنوان المنافسة، ومن الناحية الفنية لم يكن هناك مانع فني حقيقي، فكلاهما يعترف بالآخر على قمته 

فى تحليل ذلك الموقف يقول موسيقار الإسكندرية محمد عفيفي، وكان صديقا لمحمد عبد الوهاب وقام بتلحين بعض الأغاني التي لم تسجل لأم كلثوم: "كان عبد الوهاب يخشى صوت أم كلثوم وكانت أم كلثوم تخشى ألحان عبد الوهاب، هكذا بدت الصورة التي استمرت عشرات السنين، لم يكن هناك أي شك في نجاح عمل يتمه الاثنان معا لكنها غيرة الفنان، يخشى الملحن أن ينسب نجاح اللحن لصوت المطربة الكبيرة، وتخشى هي أن تغطي موسيقى الملحن الكبير على صوتها، وهكذا دار الاثنان في حلقة مفرغة"  

على أنه قد لاحت هناك فرصة لإنهاء ذلك الموقف بعد اعتزال عبد الوهاب الغناء مباشرة، فقد أصبحت أم كلثوم وحدها على قمة الساحة الغنائية، وكان باستطاعتها الغناء وبأفضل ما يكون
شخص واحد في مصر استطاع أن يقبض هذه الفرصة، لم يكن فنانا ولا ناقدا وإنما كان متذوقا للفن وكان أيضا صديقا للاثنين، وقد أقنعهما بفكرة الاشتراك في عمل واحد من غناء أم كلثوم وتلحين عبد الوهاب وفعلا تم اللقاء الذي سمي بلقاء السحاب في الأغنية الشهيرة إنت عمري من كلمات الشاعر أحمد شفيق كامل عام 1964، ولم يكن ذلك الشخص سوى الرئيس جمال عبد الناصر! 

موسيقى إنت عمري - محمد عبد الوهاب 

إنت عمـــري - إبداع جديد 
لاقت إنت عمري نجاحا منقطع النظير، وأصبحت على كل لسان منذ اليوم الأول لإذاعتها، بل إن صداها قد تعدى المنطقة العربية وغنتها بعض الفرق الأوربية خاصة في اليونان ، ودخلت البيوت والمدارس ومعاهد الموسيقى والأندية والمقاهي والصالات وأصبح اللحن المفضل والمطلوب في أي جمع، وجن الناس بها جنونا من فرط حلاوتها. وكان هواة الموسيقى يبدأون تعلم الموسيقى خصيصا ليتعلموا عزف هذه الأغنية ، أما من تعلم الموسيقى قبل ذلك فقد طغى اللحن الجديد على كل ما سبق وأصبحت أصابعه تعزف اللحن تلقائيا كلما سنحت الفرصة 
والحقيقة أن هذا النجاح لم يتحقق بصوت أم كلثوم وإنما بموسيقى عبد الوهاب 
عند الاستماع إلى المقدمة الموسيقية التي وضعها عبد الوهاب لهذا اللحن نجد فرقا كبيرا بينه وبين كل ما قدمه عبد الوهاب من قبل من ناحية، ومن ناحية أخرى فرقا على نفس المستوى بين هذه الأغنية وبين كل ما قدمته أم كلثوم 
استسلمت أم كلثوم لموسيقى عبد الوهاب، أو هكذا بدت، فهي لا تستطيع إلا أن تتقبل نجاحه الذي هو نجاح لها في الوقت ذاته، وهكذا تبين أن اجتماع القمتين قد أضاف نجاحا إلى نجاح، وربما ندم الاثنان على تأخرهما في اللقاء طويلا بهذا الشكل  

كان رياض السنباطي هو ملحن أم كلثوم الوحيد تقريبا في تلك الفترة، فقد لحن لها آخرون ولكن ليس في انتظام ولا مقدرة السنباطي، لكن تأثير السنباطي الكبير على الساحة أدى إلى تاثر الملحنين الجدد به ولم يجدوا بدا من التلحين لأم كلثوم على طريقة السنباطي لضمان النجاح، وكانت أم كلثوم بطبعها ميالة إلى المحافظة كالسنباطي، وإذا اضفنا لذلك أن السنباطي قد أدخل نفسه في سلسلة من الألحان المتشابهة لأم كلثوم لدرجة أنك تستطيع بكل سهولة الدخول في أحدها والخروج إلى آخر ثم العودة دون أن يلحظ المستمع أنك قد تركت الأغنية، إلا إذا كان يحفظ تلك الأغاني المطولة جميعا عن ظهر قلب ، هكذا نصل إلى أن فن أم كلثوم كان في حاجة إلى تجديد 

وقد تم لعبد الوهاب تحقيق ذلك التجديد في موسيقى إنت عمري، ولأول مرة في تاريخ أم كلثوم يطلب الجمهور إعادة مقطع من أغانيها لا تغني فيه كوكب الشرق بل تعزف فيه الموسيقى فقط، وأم كلثوم تنتظر فراغ الجمهور من استقبال تلك الشحنة الهائلة التي فجرتها موسيقى عبد الوهاب 
وقد كرر عبد الوهاب هذا الأسلوب في كل مرة لحن فيها لأم كلثوم، وفي كل مرة يقدم شيئا جديدا ومبتكرا وفائق الجودة، وتكرر نفس الاستقبال الجماهيرى الحار في كل منها، بل وأصبح الجمهور ينتظر موسيقى عبد الوهاب ويطير فرحا مع كل موسيقى جديدة، ومع الوقت أصبحت تلك المقدمات الموسيقية مقطوعات مستقلة تعرف بأسماء أغانيها وتعزفها كل الفرق الموسيقية في جميع المناسبات! 
ألحان عبد الوهاب لأم كلثوم في الستينات 
1964 إنت عمـــــــــــــري - أحمد شفيق كامل
1964 على باب مصـــــــر - كامل الشناوي
1965 إنت الحــــــــــــــب - أحمد رامى
1966 أمــــل حيـــــــــاتي - أحمد شفيق كامل
1966 فكـــــــــــــــــروني - عبد الوهاب محمد
1968 هـذه ليـــــــــــــلتي  - جورج جرداق
1969 أصبح عندي بندقية - نزار قباني

عبد الوهاب في السبعينات
تغير الزمن وانتشرت الموسيقى الأجنبية في البلاد، وهذه مصنوعة بدرجة عالية من الكفاءة وأقبل عليها الشباب بكثافة، وهنا يظهر خطر جديد على الموسيقى العربية ، ترى من يتصدى له؟ 
لقد كان لعبد الوهاب فضل كبير في مواجهة هذه الحملة، وما أدخله من موسيقى متطورة في أغاني أم كلثوم كان يبتلع كل تأثيرات الغرب، فهو يحتفظ بأصالة الشرق وطعم أنغامه الشجية، وفي نفس الوقت يدخل الآلات الغربية في جمل من ابتكاره لم تعزف من قبل على تلك الآلات مثل الجيتار والأورج، ويسمع الجمهور أصواتا حديثة وأنغاما جديدة غاية في الشياكة والإبداع، واستمر عبد الوهاب على ذلك المنوال عشر سنوات يقدم لأم كلثوم أغنية جديدة كل عام أصبحت من علامات الموسيقى العربية، وقد عود جمهوره على انتظار التحفة القادمة بشغف شديد، إنه عبد الوهاب، وحتما سيقدم شيئا جديدا وممتعا 

اشتعلت المنافشة بين ملحني أم كلثوم، حاول بليغ حمدي وحاول السنباطي وحاول محمد الموجي وحاول سيد مكاوي، ولكن هيهات .. لم يلحق أحد بعبد الوهاب أبدا، رغم أنه كان أكبرهم سنا وأقدمهم في الفن، لكنه أستاذ الجميع، هو القائد والجميع يتبع ألحانه البراقة دائما. وأفادت المنافسة كل الأطراف، عبد الوهاب وأم كلثوم والملحنين الآخرين الذين أبدعوا أفضل ما عندهم، وربما لم يصل لحن واحد لملحن آخر إلى مستوى القمة إلا لحن الأطلال للسنباطي، ومع ذلك يبقى في إطار أنه قمة شرقية محافظة 

ألحان عبد الوهاب لأم كلثوم في السبعينات 
1970 دارت الأيـــام -  مأمون الشناوي  
1970 أغدا ألقــــاك - الهادي آدم
1971 ليـلة حــــــب - أحمد شفيق كامل 

بعد وفاة أم كلثوم عاد عبد الوهاب ليلحن لعبد الحليم حافظ، الذي كان قد كون ثنائيا فنيا مع الملحن الجديد بليغ حمدي منذ سنوات، فلحن له بضع أغان قبل رحيل عبد الحليم عام 1977 منها فاتت جنبنا و نبتدي منين الحكاية، وكالعادة تفوقت الموسيقى على الغناء 

محمد عبد الوهاب والسلام الوطني
في السبعينات أيضا يطلب من محمد عبد الوهاب طلبا رئاسيا جديدا، من الرئيس السادات هذه المرة. إن السادات مهتم ببعض الرموز الوطنية والسياسية، فهو قد غير اسم الدولة، وغير شكل العلم، ووضع دستور جديد يحمل الشعارات الجديدة، ولكن في نظره بقي شيء هام هو النشيد الوطني، كان اسم الدولة الجمهورية العربية المتحدة منذ قيام الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 وحتى عام 1970 عند وفاة عبد الناصر، وكان علمها يتوسطه نجمتان ترمزان للدولتين الداخلتين في الوحدة، وكان النشيد القومي قد وضع لحنه الموسيقار كمال الطويل أيام حرب 1956 في نشيد لحنه لأم كلثوم بعنوان والله زمان يا سلاحي واختاره جمال عبد الناصر ليحل محل السلام الملكي الذي وضعه الموسيقار الإيطالي فيردي، ورأى السادات في حركته لتغيير الرموز ضرورة انتقاء لحن جديد للسلام الوطني يساير التغيرات في الرموز الأخرى. وهو قد أعاد اسم مصر إلى اسم الدولة بعد حذفه لقرابة 12 عاما ، وكان الطلاب في المدارس يهتفون في طابور الصباح تحيا الجمهورية العربية المتحدة بينما لم يكن هناك شئ بهذا الاسم لعشر سنوات منذ انفصال سوريا، فأصبح الاسم الجديد جمهورية مصر العربية. وأعاد شعار النسر المصري إلى العلم مكان النجمتين تمشيا مع الواقع، وهكذا طلب من محمد عبد الوهاب وضع نشيد وطني لمصر، وفرح عبد الوهاب بالتكليف الجديد لكن فرحته لم تدم طويلا، رغم أن السادات قد منحه رتبة عسكرية فخرية هي رتبة لواء إلا أنه طلبه كان مشروطا وبشرط قاس، فقد طلب من عبد الوهاب عدم وضع نشيد جديد وإنما فقط إعادة صياغة نشيد مصر الأول الذي عاد وحده تلقائيا بين الجماهير في تلك الأيام بعد النكسة وردده الناس بحماس في كل مكان ومناسبة وهو نشيد بلادي بلادي لسيد درويش!

هنا يتبين شيئ جديد في شخصية عبد الوهاب الفنان الإنسان الوفي وذي الشعور المفعم بالوطنية، إنه ينسى ذاته، ينسى أنه عبد الوهاب، ينسى أنه وأنه وأنه، ويندمج في شئ واحد فقط هو إخراج نشيد سلفه سيد درويش في أبهى صورة 

لقد وضع السادات تحت إمرة عبد الوهاب فرقة الموسيقات العسكرية المصرية الحائزة على المركز الأول بين الفرق العسكرية العالمية لعدة سنوات على التوالي، وبها أمهر الخبرات ولها كل الإمكانيات بدءا من الآلات حتى الملابس. ويتفرغ عبد الوهاب للمهمة في تواضع شديد واعتراف جميل بفضل موسيقار مصر الأول ونابغتها سيد درويش، والذي استطاع توحيد أبناء أمته في نشيد رمزي من كلماته ولحنه بعد نصف قرن من رحيله. ويقود محمد عبد الوهاب الموسيقى العسكرية وهو في زيه العسكري لتعزف نشيد بلادي لأول مرة في تاريخها ويتحول من نشيد شعبي إلى نشيد رسمي، وتطير نوتته الموسيقية إلى السفارات المصرية في جميع أنحاء العالم وتودع نسخ منها بجميع السفارات الأجنبية بالقاهرة، ليعزف في جميع المناسبات الوطنية والدولية 

في الثمانينات
لم يتبق على الساحة أصوات ذات قيمة بعد وفاة أم كلثوم 1975 وعبد الحليم 1977 غير المطربة وردة الجزائرية التي لحت لها عبد الوهاب في السبعينات، ونجاة الصغيرة فلحن لها لحنا من شعر نزار قباني هو أسالك الرحيلا في أواخر الثمانينات ثم انشغل بالصحافة وأجهزة الإعلام التي كانت تسعى للحصول منه على مادة تحكي قصة حياته وآراءه في الفن والحياة 

في التسعينات
عام 1990 فاجأ عبد الوهاب الجمهور بمفاجأة لم تدر بخلد أحد، لقد قرر الغناء مرة أخرى! 
اختار عبد الوهاب أغنية فلسفية من كلمات الشاعر مرسي جميل عزيز بعنوان من غير ليه 
يقول مطلعها 
جاييـــن الدنيـــــــا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه 
مشــــــاوير مرسومة لخطاوينـا نمشــــــيها ف غربـة ليــــــالينا 
يوم تفرحــــــنا ويوم تجرحــــنا واحنــا ولا احنــا عارفين ليــــه 
زى ما جــــــينا ومش بإيديــــنا ولا عارفيــــن أبدا ليــه جينـــــا
وقد غناها قبل وفاته بعام واحد حيث توفي فى الثالث من مايو عام 1991. 
اقتربت هذه المعاني كثيرا من أغنية قدمها عبد الوهاب قبل ذلك بسنوات طويلة هي لست أدرى للشاعر إيليا أبو ماضى يقول فيها
جئت لا أعلـــم من أين ولكني أتيــت ولقد أبصـرت أمـامي طريـقا فمشيت 
وسأبقى سائرا إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت .. كيف أبصـــرت طريقي
لســت أدرى .. 

إن عبد الوهاب الذي اعتزل الغناء تماما قبل ذلك بنحو ثلاثين عاما وكان في الستين من عمره يغني الآن وهو يقترب من التسعين، هل كان هذا قرارا حكيما؟ خاصة من إنسان عرف بالتفكير مرات عديدة قبل أن يقدم على أي شيء؟!
لم يأت قراره بتقديم تلك الأغنية من فراغ بل كانت له دوافع كثيرة أهمها: 
1- إن كلمات الأغنية كانت لها وقع خاص لديه فهو يشعر بأنه قد طال به الأمد في الدنيا وتلح الأسئلة الفلسفية عليه كلما استعرض شريط الذكريات، ولا شك أن كل إنسان تأتيه لحظات تأمل مثل هذه، وهو بذلك يخاطب الجميع 
2- سمعت وقرئت لعبد الوهاب آراء جريئة في الموسيقى الجديدة التي يقدمها شبان هذه الأيام وسميت بالشبابية، لقد اتهمهم اتهاما قاسيا، وهو المعروف عنه المجاملة بل المبالغة في المجاملة، بأنهم ليسوا إلا دخلاء على الفـن، بل وصرح بضرورة عودة هؤلاء المتطفلين إلى "جحورهم"، وفي رأيه أن ما يقدمه هؤلاء ليس له علاقة بالفن، وإنما هو تهريج صريح 
3- أنه كان يود تقديم المثال على الفن الذي يمكن أن يقدم ويجد له جمهورا بعد زوال نشاط الكبار بوفاتهم أو اعتزالهم ولم يبق على الساحة غيره 
4- أنه لم يجد صوتا يصلح لأداء أغنيته هذه كما يحب أن تؤدى 
5- أنه يود توجيه الرسالة للجمهور الذى انجذب بعضه للتيار الجديد مؤداها أن الفن بخير وأنه يجب أن يكون هكذا
وأخيرا اتخذ قراره ثم نفذه ، فهل نجحت المهمة؟ 
الإجابة: لقد بيع منها يوم صدورها مليونا نسخة!
رحل الموسيقار الكبير الذي لقب بموسيقار الجيل في الخمسينات ثم بموسيقار الجيلين في الستينات ثم بموسيقار الأجيال في الثمانينات، بل لقب بالهرم الرابع، وترك ثروة كبيرة من الفن الراقي هي كنز من كنوز الموسيقى العربية 
وودعته مصر كلها في موكب مهيب وشارك في وداعه الملايين من العرب الذين متعهم بفنه طوال حياته عبر شاشات التليفزيون وعلى صفحات الصحف والمجلات  
وصدر في عام وفاته عشرات الكتب والمقالات والبرامج الإذاعية والتليفزيونية تقدم فنه أو تتحدث عن حياته وأعماله وآرائه في الفن والدنيا 
ومما نشر عنه فيلم وثائقي فرنسي بعنوان محمد عبد الوهاب، لا تزال تعرضه القناة الفضائية الفرنسية من آن لآخر
هكذ أثبت محمد عبد الوهاب أن الفنان الذي يحترم نفسه وفنه وأمته جدير بالاحترام من الجميع بحث وتحرير د.أسامة عفيفي، محمد عبد الوهاب

سيد درويش 1892 - 1923

الحديث عن سيد درويش لا يكاد ينتهي إلا ويبدأ من جديد
إن الجو الذي خلقه سيد درويش بموسيقاه أثر بعمق في وجدان الناس واستمر أثره لعشرات السنين ولا زالت موسيقاه تحدث نفس الأثر كلما سمعت ولا يمل المرء من تكرار سماعها، إذ أنها تميزت تميزا فريدا في الأصالة وحسن التعبير
الحقيقة هي أن فن سيد درويش جزء من تراث أمة تعتز بمبدعيها كما تعتز بأصالتها، وهو جزء من كفاح شعب متصل من أجل آمال تحققت وآمال لم تتحقق بعد
ها نحن نكتب عن سيد درويش بعد مرور أكثر من ثمانين عاما على وفاته، وكاتب هذه السطور قد ولد بعد وفاة سيد درويش، فما الذي يدعونا إلى ذلك؟ سنحاول هنا أن نجيب على هذا السؤال
كتب كثيرون عن سيد درويش وظهرت أعماله في الإذاعة والمسرح والسينما والتليفزيون بعد وفاته بسنوات طويلة. وهو هنا يختلف عن غيره من الفنانين الذين استمرت أعمالهم بعد وفاتهم، إذ أن موسيقاه قد ظهرت ثانية بعد فترة طويلة من التواري زادت على ثلاثين عاما أعقبت وفاته المفاجئة عام 1923
فكيف تعود وبقوة بعد هذا الانقطاع الطويل وتنتشر في أجيال لم تعاصر سيد درويش ولم تسمع أعماله
صدر أيضا عن سيد درويش عديد من الكتب والمقالات، ونحاول نحن هنا التركيز على الجوانب الفنية في أعماله أكثر من أحداث حياته 

لحن الوصوليين - عشان ما نعلا 

رحــلة فنـــان
ترى ما الذي جعل من سيد درويش فنانا على أي حال؟
ولد سيد درويش مرتين، الأولى هي ولادته الجسدية لأمه وأبيه في الإسكندرية عام 1892
والثانية هي ولادته الفنية لوطنه وأمته في القاهرة عام 1917  


في أسرة بسيطة في أحد أحياء الإسكندرية العريقة وهو كوم الدكة ولد الطفل سيد درويش، وحي كوم الدكة هذا حي غريب في كل شيء، فهو على ربوة عالية في وسط المدينة تطل على أحياء الوسط الراقي، بينما تفصله عن ذلك الوسط حواجز اجتماعية واضحة، كوم الدكة ليس به مدرسة ، فقط كتاب صغير لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم بسيط، بينما في الخارج مدارس أجنبية ومسارح وشركات وجمعيات خيرية دولية نشطة ، والحي كما لو كان قرية فى وسط المدينة

انتمى سيد درويش مباشرة إلى الاثنين معا، حيه الشعبي ومدينته التي جمعت ثقافة أوربا كلها في ذلك الوقت، وهكذا جاء فنه أيضا، أصيلا شعبيا لكنه التف في ثوب حضاري متقدم للغاية
لم ينشأ سيد درويش في أسرة فنية ولم يجد أحدا يشجعه على السير في اتجاه الفن، بل على العكس لقي العنت والتعنيف والإكراه على عمل أشياء لم يجد فيها إحساسه بذاته، وفي ظل ظروف معيشية غاية في القسوة كان الفن بالنسبة لمثله ترفا لا يمكن لمسه

حمل الفتى الصغير مسئوليات أكثر من طاقته فقد توفي والده وهو في السابعة، وحملته أسرته على الزواج المبكر في السادسة عشرة من عمره، واضطرته تلك المسئوليات إلى العمل مبكرا من أجل الأسرة الجديدة وهو لم يكمل تعليمه بعد
في هذه الظروف كان الفتى الصغير يبحث عن وسيلة للتعبير عما في نفسه من ضغوط وعن أحلامه في الحياة، فلم يجد أفضل من الموسيقى. وانجذب بحسه العالي إلى ما سمعه من أساتذته في المدرسة، وبدأ يبحث بنفسه عن مصادر أخرى لهذا الفن فأخذ يتردد على ألأماكن التي تقدم الفنون في مدينته الهادئة الإسكندرية، المحلي منها والأجنبي ، ثم بدأ يردد ما حفظه على أسماع أصدقائه

كان سيد درويش طالبا بالمعهد الديني بمسجد أبي العباس المرسي الشهير، لكن أصدقاءه وجدوا في الشيخ الصغير موهبة تستحق الاستماع إليها فدعوه لإحياء حفلاتهم العائلية، وسرعان ما انتشر الأمر فطلبه آخرون وعرضوا عليه أجرا مقابل ذلك فقبل  


حاول الشيخ عندئذ العمل بالفن لكنه لم يفلح، ومن أعاجيب القدر أنه عندما استسلم لضغوط الحياة وبدأ يعمل كبناء لحساب أحد المقاولين فإذا بهذا العمل نفسه يقوده إلى أبواب الفن. فها هو المقاول يكتشف فيه موهبة ذات فائدة عظيمة عندما سمعه يغني وسط العمال وهم يرددون غناءه، لم يكن المقاول فنانا لكنه، تماما كشركات الإنتاج، ومن زاوية مصلحية بحتة، عرض على سيد درويش التفرغ للغناء للعمال بينما يحتفظ بنفس الأجر لما وجد أن غناءه أثناء العمل يزيد من حماس العمال ويجعلهم يعملون بلا كلل أو ملل، فاستراح الشيخ الصغير من عناء العمل وتفرغ للغناء

في عام 1909 يتدخل القدر مرة أخرى فيسمع غناءه رجلان من الشوام كانا يجلسان مصادفة على مقهى بجانب العمارة التي يعمل بها الشيخ سيد وهما أمين وسليم عطا الله صاحبا فرقة مسرحية تعمل بالشام. عرض الرجلين عليه على الفور العمل بفرقتهما فقبل الشيخ سيد وسافر في أول رحلة له خارج مصر وعمره حينئذ 17 عاما، لكنه لم يمكث غير عشرة شهور لم يوفق فيها ماديا لكنه جمع تراثا موسيقيا قيما خاصة بعد لقائه بالموسيقي المخضرم عثمان الموصلي

في عام 1912 التقى سيد درويش بعثمان الموصلي مرة أخرى في رحلة ثانية إلى الشام مع نفس الفرقة. وأكمل خلال تلك الرحلة ما كان يتوق إلى جمعه من مواد التراث وعاد بعد عامين وقد أحضر معه العديد مما عثر عليه هناك من الكتب الموسيقية 


في عام 1914 عاد سيد درويش للعمل بمقاهي الإسكندرية لكنه لم يكتف بتقديم ما حفظه عن الأقدمين كالشيخ سلامة حجازي، ولكنه بدأ يبدع ألحانه الخاصة فقدم أول أدواره يا فؤادي كما ظهرت أغانيه القصيرة السريعة إلى الوجود وغناها بنفسه كما غناها غيره من المطربين، وبدأ نجمه يعلو في المدينة حتى سمع عنه الشيخ سلامة حجازي وقرر أن يذهب لسماعه بنفسه
ما أن سمعه الشيخ الكبير حتى أثنى عليه وعلى الفور، ومثلما حدث مع أمين وسليم عطا الله، عرض عليه العمل بفرقته بالقاهرة فقبل الشيخ سيد
كان الشيخ سلامة حجازي هو الفنان الأول في مصر في ذلك الوقت وقد جابت شهرته الآفاق لما تمتع به من حنجرة ذهبية وأداء عال إلى جانب رقي مادته. وكان هو بطل عروض فرقته التي قدمت المسرح العالمي معربا وغنى فيها الشيخ سلامة القصائد القوية، ولكن ما عرضه على الشيخ سيد لم يكن دورا في إحدى رواياته بل غناء بين الفصول، وهو تقليد معروف في ذلك الوقت لطول الزمن بين الفقرات، وقد استفاد منه محمد عبد الوهاب لاحقا


وبدأ الشيخ الصغير يغني، لكنه تلقى استقبالا فاترا من الجمهور الذي تعود صوت سلامة حجازي، وأصيب الشيخ سلامة نفسه بصدمة جعلته يخرج إلى الجمهور ليقدم سيد درويش قائلا: "هذا الفنان هو عبقري المستقبل لكن الشيخ سيد أصيب بإحباط كبير جعله يقفل عائدا إلى مدينته في اليوم التالي

في عام 1917 عاد الشيخ سلامة ليكرر نصيحته للشيخ سيد بالذهاب إلى القاهرة ولكنه هذه المرة عرض عليه عرضا آخر أقوى. كان الشيخ سلامة مقتنعا تماما بموهبة الشيخ سيد، ولذلك طلب منه التلحين ولفرقة جورج أبيض ولرواية كاملة هي فيــروز شاه
كانت فيروز شاه تجربة خاصة من جورج أبيض الذي اعتاد المسرح الجاد وقرر أن يخفف شيئا من مادته في هذا العرض كي يجتذب جمهورا أكبر مثل ذلك الذي يرتاد المسرح الكوميدي. لم تنجح تجربته لكن الجمهور جذبه شيء جديد هو ألحان سيد درويش ، لقد تركت انطباعا بأن تيارا فنيا جديدا أتى وأنه أقوى من أن يعرض مرة واحدة
لم يكن جمهور تلك الليلة فقط هو المتأثر ولكن تناثرت الأخبار إلى الفرق الأخرى المنافسة التي عزمت على استثمار الحدث لصالحها فتسابقت لاكتساب سيد درويش إلى جانبها وأغدقت عليه لاجتذابه
في خلال شهور أصبح سيد درويش يلحن لجميع الفرق المسرحية بالقاهرة وانضم لفرق: نجيب الريحاني، علي الكسار، ومنيرة المهدية. وكان عطاؤه غزيرا حتى قيل عنه أن باستطاعته تلحين خمس روايات في شهر واحد 


في عام 1919 اندلعت الثورة الشعبية بقيادة سعد زغلول وكان للشيخ سيد فضل تغذيتها بالأناشيد الوطنية والأغاني التي تعرضت لكل ما هو وطني. وفي طريق الثورة على القصر الفاسد والاحتلال الأجنبي قدمت روايات محلية احتوت على كثير من الرمز ضد الاستبداد وأعلت كثيرا من شأن القيم والرموز الوطنية والشعبية. وحقيقة قام المسرح بدور كبير في هذا الاتجاه وكانت ألحان سيد درويش هي السبب في نجاح هذه المسارح والفرق بانتشارها العارم بين الناس وبسرعة فائقة
غير أن طموحات سيد درويش لم تكن مسرحية ولم تكن مادية بل كانت موسيقية بالدرجة الأولى، هو يريد موسيقى أفضل، وإن كان المسرح هو الوسط الملائم فليكن ، لكنه اصطدم بإدارات تلك الفرق التي تريد من الهزل كما لا بأس به إلى جانب الجد ، كما تريد تقليل النفقات ما أمكن ، فعمل على إنشاء فرقته الخاصة ليستقل بنفسه

في عام 1920 أنشأ سيد درويش فرقته الخاصة وقدم بها روايات العشرة الطيبة لمحمد تيمور وشهرزاد لبيرم التونسي والباروكة الفرنسية 

لم يكن سيد درويش وحده في الساحة الفنية وقتها، فقد كان هناك عملاقان عالمان هما داود حسني وكامل الخلعي، وهما مصريان أجادا التلحين خاصة للمسرح وقاما بتلحين أعقد النصوص حتى الأوبرا. وكان على سيد درويش، الذي لم يختلط بهما، منافستهما وأن يخرج من تلك المنافسة متفوقا وبسلام! وقد كان له ذلك
وربما كان سر ذلك في أن سيد درويش لم يعتبر نفسه محترفا في أية لحظة. كان هاويا إلى درجة العشق، عشق الفن والجمال والحرية والتعبير، ولم يكن الفن عنده مهنة كغيرها لكسب القوت، وإنما رسالة سامية وواجب وطني. ويذكر عنه رفيق دربه بديع خيرى أنه عندما عانت فرقته من مصاعب مادية كان ينزل إلى وسط البلد وهو مفلس فيسمع ألحانه تقدمها الفرق الأخرى فيعود إليه إحساسه بالسعادة وينسى ما كان فيه من هم

في عام 1921 قرر سيد درويش بعد نجاحه أن يكتب عن الموسيقى ، فكتب للصحافة مقالات موسيقية كان يقصد بها توعية الجمهور والتثقيف الموسيقى العام واعتبر هذا الميدان الذي لم يرتاده أحد قبله أحد واجباته تجاه الرسالة الفنية التي حمل لواءها ، وكان يختم مقالاته بتوقيع
"خادم الموسيقى سيد درويش". ثم قرر أن ينشر كتابا يضم نوت ألحانه واتفقت معه إحدى الصحف على نشر الكتاب في حلقات 


أصبح سيد درويش سيد درويش! ولم يكن هناك باب إلا وطرقه من أجل توصيل رسالته والمشاركة فى المد الشعبي والقومي الصاعد حينذاك بكل ما يستطيع من طاقة
وهو على تلك القمة تمنى سيد درويش أن يفعل شيئا طالما حلم به، أن يذهب إلى أوربا، وإيطاليا بالذات موطن الموسيقار فيردي محب مصر، كي يستزيد من العلوم الموسيقية ويقدم ألحانه فى أفضل صورة

في عام 1923 استعد سيد درويش للسفر لكن القدر لم يمهله ووافته المنية بالإسكندرية مسقط رأسه عندما ذهب إليها ذات فجر ليكون في استقبال الزعيم سعد زغلول العائد من المنفى. وبينما كان الشعب في فرحة غامرة بعودة زعيمه كانت أسرة سيد درويش تبكيه في هدوء حزين ولم يتنبه أحد في الخارج إلى وفاة روح الثورة سيد درويش

موسيقى سيد درويش
كان سيد درويش يستلهم ألحانه من الألحان الشعبية البسيطة التي يرددها الناس في مناسبات مختلفة، وكان يستمع إلى كافة طوائف الشعب من باعة وشيالين ومراكبية وسقايين وفلاحين وعمال وغيرهم. وكان له القدرة على تحويل تلك النغمات البسيطة إلى ألحان ذكية يستطيع كل الناس ترديدها في سهولة

التعبير الموسيقى عند سيد درويش
تتلخص مدرسة سيد درويش الفنية في مبادئ أساسية هي
1- اختيار الموضوع والكلمات
2- التعبير عن الموضوع والكلمة باللحن
3- اختيار النغمات ذات الجذور الشعبية المصرية
4- صياغة الجمل اللحنية في أبسط صورة
5- صياغة الألحان في تراكيب حديثة متطورة وإيقاعات شابة مليئة بالحيوية


استطاع سيد درويش التعبير عن هموم وطنه وآماله في أصدق صورة، باللحن والكلمة
ومن أهم أسباب انتشار موسيقى وألحان سيد درويش أنها بسيطة وسهلة مع عمق نغماتها وتأثيرها القوى في النفوس. ولم تكن ألحانه تحتاج إلى أصوات محترفة لترددها، وقد كانت الأغاني السائدة في ذلك الوقت من أصول تركية غير معبرة عن البيئة والمزاج المصري ومليئة بالتراكيب المعقدة والزخارف اللحنية وهو ما كان معروفا بـ "موسيقى الصالونات"، يسمعها فقط خاصة العائلات والطبقة الأرستقراطية. كما أن موضوعاتها اقتصرت على الحب والغرام والهجر والفراق، لكن سيد درويش استطاع أن يجعل الغناء للجميع، وأحس المصريون لأول مرة في العصر الحديث بأن لهم موسيقاهم المعبرة عنهم وعن جذورهم ومشاعرهم 

وعمل سيد درويش كثيرا على إيقاظ الروح الوطنية بين المصريين بألحانه وبما يختار لها من كلمات معبرة ، بعضها من نظمه هو، والبعض الآخر من تأليف الشعراء الوطنيين. وكان أحيانا يعجب بكلمات منشورة في إحدى الصحف فيقوم بتلحينها على الفور دون معرفة مسبقة بمؤلفها ، ومنها لحن "قوم يا مصري" لبديع خيري، فقد كان الشعور الوطني يوحد بين الكتاب والفنانين في وقت ساد فيه الاحتلال وفسدت السلطة، ولم يتقاض أجرا عن تلحينه لأعظم ألحانه الوطنية 
ويكفي النظر إلى بعض مقاطع أغانيه لكي نعرف عن ماذا يتحدث سيد درويش وما الذى يعبر عنه، ولكي ندرك النقلة الكبيرة التي أحدثها 
أنا المصري كريم العنصرين 

في أنشودة أنا المصري
أنا المصري كريم العنصرين .. بنيت المجد بين الإهرامين
جدودي أنشأوا العلم العجيب، ومجرى النيل في الوادى الخصيب
لهم في الدنيا آلاف السنين، ويفنى الكون وهم موجودين 

سالمة يا سلامة  

وفي لحن سالمة يا سلامة
صفر يا وابور واربط عندك نزلني في البلد دي

بلا أميركا بلا أوربا مافي شي أحسن من بلدي
قوم يا مصري

وفي نشيد قوم يا مصري
قوم يا مصري مصر دايما بتناديك ، خد بناصري نصري دين واجب عليك
شوف جدودك في قبورهم ليل نهار .. من جمودك كل عضمة بتستجار
صون آثارك ياللى ضيعت الآثار .. دول فاتوا لك مجد خوفو لك شعار
ليه يا مصري كل أحوالك عجب .. تشكي فقرك وانت ماشي فوق دهب
مصر جنة طول ما فيها انت يا نيل .. عمر ابنك لم يعش أبدا ذليل


لحن الصنايعية - الحلوة دي

وفي لحن الصنايعية
الحلوة دي قامت تعجن في البدرية .. والديك بيدن كوكو كوكو في الفجرية
ياللا بنا على باب الله يا صنايعية .. يجعل صباحك صباح الخير يا اسطى عطية 
نشيد بلادي 

والنشيد الوطني المستوحى من كلمات الزعيم مصطفى كامل
بلادي بلادي .. لك حبي وفؤادي
وهو نشيد الشعب الذي غناه في ثورة 1919 والنشيد الوطني الحالي بعد أكثر من 80 عاما

آثــار مدرسة سيد درويش في الموسيقى
يقول الموسيقيون في مصر ، كبارهم وصغارهم
"كلنا خرجنا من عباءة سيد درويش"
وهم يعترفون بذلك لأنه كان المجدد الأول في العصر الحديث، ولأن التطور الذي أحدثه كيفا وكما كان كفيلا بمد من جاءوا بعده من الفنانين بمدد لم ينفد بعد وقد مضت أكثر من ثمانين سنة على وفاته. وتكفى هذه الشهادة لإثبات مدى أصالة هذا الفنان، وكانت الموسيقى قبله من عزف وغناء وتأليف وتلحين لمئات السنين تهتم بالقوالب الشكلية والزخرفة بصرف النظر عن الجوهر والمضمون، واتفق في ذلك الفن التركي مع بقايا الفن الأندلسي من الموشحات وانفصال كلاهما بالتالي عن واقع الحياة والناس، وقد توجه سيد درويش بالموسيقى نحو الأصول الشعبية والتحديث في آن واد 


سار على نهج سيد درويش كبار الملحنين في القرن العشرين، والذين لم تقتصر ألحانهم على مصر بل ذاعت في جميع الأقطار العربية، وهم محمد القصبجي، زكريا أحمد، محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي. وأحدثت تلك الألحان ثورة جديدة في الذوق العربي الموسيقي، وساهمت في إثراء الحركة الثقافية القومية
والواقع أن المتتبع لآثار فن سيد درويش في أعمال الآخرين لا يجدهم فقط قد ساروا على منهجه وإنما يجد أيضا مقاطع كاملة من أعماله في أعمالهم، وهم لم يستطيعوا حتى تحويرها أو تغييرها معالمها فظهرت كما هي!

وقد يقود هذا إلى الحديث عن سرقة ألحان سيد درويش من قبل الفنانين اللاحقين، لكن في رأينا أنه التأثير القوي الذي لا فكاك منه! فهؤلاء الفنانين أساتذة كبار وبوسعهم وضع ألحان غاية فى الثراء وليست السرقة من شيم الأثرياء. ونحن إذ ننفى عنهم هذه التهمة فهم يعترفون بأنهم واقعون تحت تأثير سيد درويش وأنهم تربوا جميعا في مدرسته الرحيبة. ولهذا لا بأس من تتبع آثار سيد درويش في موسيقاهم لنعلم مدى ذلك التأتير ولنضع سيد درويش في مكانته الحقيقية بين الفنانين

كثيرا ما وصف سيد درويش بالعبقرية، ومن مظاهر عبقريته:
1- أن عمره الفني لم يتجاوز ست سنوات وتوفي عن 31 عاما لكنه أحدث ثورة هائلة في الموسيقى الشرقية
2- مازالت أعماله تردد حتى اليوم بعد حوالي قرن من الزمان
3- استطاع لأول مرة في تاريخ الموسيقى العربية التعبير باللحن عن الكلمات والمواقف الدرامية
4- أول فنان يجعل من الموسيقى الشعبية فنا قوميا راقيـا
5- وضع أسس المسرح الغنائي التعبيري وألف أعظم الألحان المسرحية حتى الآن
6- ألف عشرة أدوار غنائية من مقامات مختلفة هي كم صغير في عالم الأدوار لكنها أفضل عشرة على الإطلاق
7- وضع مقاما موسيقيا جديدا أسماه زنجران
8- جعل الغناء للجميع بعد ما كان مقصورا على المطربين المحترفين
9- ظهرت آثاره الفنية في كل ما جاء بعده من موسيقى
10- لم يستطع أحد حتى الآن تقديم أعمال موسيقية ترقى إلى مستوى أعماله
واستحق سيد درويش لقب "أبو الموسيقى المصرية" حيث كانت منزلته الفنية بالشرق كمنزلة "بيتهوفن" بالنسبة للموسيقى الأوربية 

من ألقــاب سيد درويش
1- أبو الموسيقى المصرية
2- فنان الشعب
3- خـــالد الذكر
4- الفنان الخالد
5- الشيخ ســـيد
6- مؤسس الموسيقى المصرية الحديثة
7- الأســـتاذ الأكـبر
8- الموسيقار الأول
9- الموسيقار الخالد
10- نابغة الموسيقى
11- إمام الملحنيـــن
12- عبقري الموسيقى 

الخمسة الكبار في تاريخ الموسيقى العربية

الخمسة الكبار في عالم الفن هم جميعا من الرواد بمعنى أنهم اكتشفوا أو أضافوا مناهج جديدة في الموسيقى سار جميع الفنانين على هديها بعد ذلك وأصبحت من السمات الأساسية للموسيقى العربية

وما قدمه هؤلاء الرواد لم يكن مجرد ألحان جديدة بل طرق وأساليب في التأليف الموسيقى والتلحين لم تكن معروفة قبلهم، وهم بإضافاتهم قد غيروا الفكر والأسلوب الفني بعمق بحيث أصبحت الموسيقى بعدهم مختلفة عما كانت عليه قبل ظهورهم. ومن تحصيل الحاصل من هذا المنطلق القول بأن من جاءوا بعدهم ساروا على نهجهم بل قلدوهم ولم يأتوا بقواعد جديدة وإنما فقط ألحان جديدة على منهج الرواد

ظهر الخمسة الكبار في الفترة ما بين عامي 1917 و 1935 أي في فترة لم تتجاوز 18 عاما ، ولكنهم استمروا في تقديم أعمالهم إلى قرب نهاية القرن وبالتحديد عام 1990 عندما غنى محمد عبد الوهاب من ألحانه أغنية استغرقت حوالي نصف ساعة بصوته وأشجى الجميع بينما كان يقترب من عامه التسعين !

تميـز عام البداية ، 1917 ، بظهور ألحان سيد درويش المسرحية في أول رواية له وهي فيروز شاه التى لحنها لفرقة جورج أبيض المسرحية فكانت إيذانا ببداية تطور المسرح الغنائي والموسيقى والغناء عموما على يديه

أما في عام النهاية ، 1990 ، فقد أراد محمد عبد الوهاب أن يقدم شيئا للموسيقيين الجدد يذكرهم بالأصول والقواعد التي اشترك في وضعها مع زملائه من الرواد على مدى عشرات السنين ، بعد أن لاحظ هبوط مستوى الأعمال الفنية الجديدة بينما كان المتوقع المنطقي التطور إلى الأفضل والأكمل وقد أرسيت دعائم لا يستهان بقوتها ويمكنها إمداد المبدعين لأجيال طويلة بحصيلة في غاية الثراء، لكن تلك قصة أخرى ربما ليس مجالها هنا الآن

دعونا الآن ندقق في التراث الذي خلفه الرواد من فن عظيم ولنر من خلال مسيرتهم كيف يمضي الفنان الحقيقي في طريقه متحديا كل المصاعب ومتسلحا بكل الوسائل لكي يحقق التطور ليس لنفسه فقط بل لأمة بأكملها
وحتى نستطيع تقييم موسيقى الرواد بموضوعية لا بد من استعراض ما كان يقدم قبل ذلك من فن. لتقييم أي عمل لابد أن نفحص قيمته الثقافية أولا من ناحية محتواه الفكري وجماليات أشكاله ثم مدى قبوله لدى الجمهور 

ظهر عبده الحامولي (1836 - 1901) فنانا مصريا يغني أدوارا من ألحانه ومن ألحان ملحن الأدوار الفذ محمد عثمان ، ومن أشهر ما قدما دور كادني الهوى
تقول كلمات الدور
كادنى الهوى وصبحت عليل مثل النسيم في روض الحسن .. حبي قمر
للحسن ده بالطبع أميل أنا ياللي تلوم ده شيء بالعقل .. انظر كده
كاد الغزل أن يكون الموضوع الوحيد في صناعة الغناء في ذلك الوقت .. ولم يكن يغنى غيرها فى المناسبات العامة غير التواشيح الدينية ، والكلمات شديدة الشبه بالموشحات

نأتى للمحتوى الموسيقي الفني لهذا الدور على سبيل المثال
فنجد البيت الأول يأتي بكامله في جملة موسيقية واحدة على هيئة حركات سلمية موسيقية متدرجة في النزول من أعلى قمة مقام النهاوند حتى درجة الأساس
ويجيء البيت الثاني بالتفصيل في بقية اللحن الذي يستمر لحوالى 15 دقيقة كلمة كلمة معادة ومزادة بأنغام مختلفة مضافا إليها بعض الآهات والليالي وهى أجمل ما فى اللحن ، أي أن الذروة اللحنية تأتي مصاحبة للآهات والليالي، ومن هنا نلاحظ عدم أهمية الكلمات وسيطرة الموسيقى تماما على الدور
المحتوى الفكري لموسيقى الرواد
يندرج تحت المحتوى الفكري قيمتان هما
 
أولا : المحتوى النصي للأعمال الفنية
ثانيا : المحتوى الموسيقي الفني

 
سيد درويش 
قلب سيد درويش الأوضاع كلها في المضمون والشكل ، ولم تعد الموسيقى بعد سيد درويش تشبه ما كانت عليه قبله بأي حال. وهذا الانقلاب هو الذي أحدث النهضة الموسيقية التي استمرت بعد رحيله
كان سيد درويش هو الرائد الحقيقي في ربط المحتوى النصي بالإبداعات الفنية ، ولم تكن النصوص الفنية قبل سيد درويش لها علاقة باللحن الذي تسير عليه
وقد اعتمد سيد درويش على أسس جديدة

أولا: أهمية المضمون والموضوع النصي
ثانيا: التعبير عن النص بالموسيقى
ثالثا: حرية التأليف الموسيقي في بناء اللحن والإيقاع
رابعا: الارتباط بالتراث الشعبي كأساس للهوية الموسيقية

وأول ما ظهر من التجديد في موسيقى سيد درويش عنصران هامان هما التعبير الموسيقي وحرية التأليف الموسيقي
وبينما بدأ سيد درويش بالأدوار كانت أدواره مختلفة لما أضاف فيها من عناصر شدت انتباه الجمهور والموسيقيين على السواء. وقد صاغ أيضا أغان قصيرة غاية في الإبداع أظهرت قدرة عالية على الإيجاز والوصول إلى بناء درامى مكتمل في دقائق، وتوصيل الرسالة السمعية للجمهور في زمن قد لا يستغرق ثوان معدودة. 
زوروني - ألحان سيد درويش 

على سبيل المثال أغنيته زوروني كل سنة مرة لم يتعد لحنها كاملا 30 ثانية، شملت القصة والموقف الدرامي والتعبير والموسيقي وكل شيئ ! وفوق هذا فاللحن غاية في الطرب وموسيقاه جمعت بين طرفي النغم الشعبي والأبعاد الغربية المتطورة والقابلة للتوافق الهارموني والتوزيع الأوركسترالي بسهولة ، أي الطريق الصحيح نحو العالمية
وفي معالجة سيد درويش للكلمات استعمل موسيقى الكلمة وأوزان الشعر لصياغة موسيقاه بحيث يتحقق التوافق التام بين الكلمة المقروءة والملحنة ، وقد أثار هذا الأسلوب إعجاب الشعراء والمثقفين إلى جانب جمهور البسطاء والعامة 

أما اهتمام سيد درويش بالمحتوى النصي فيكفيه في ذلك أناشيده الوطنية وطرقه لموضوعات تهم الناس بجميع طوائفهم، إلى جانب الرمزية العالية في أوبريتاته والتعبيرعن النص بالموسيقى
من أشهر أعمال سيد درويش أنا هويت، زوروني كل سنة مرة، بلادي بلادي، قوم يا مصري، الحلوة دي، طلعت يا محلا نورها، ألحان الطوائف، بالإضافة إلى ألحان أوبريتات العشرة الطيبة وشهرزاد والباروكة وغيرها وهي تحتوى على ما يقرب من 200 لحن 


محمد القصبجي
عمل محمد القصبجي على إدخال الروح الأكاديمية إلى الموسيقى الشرقية وتميزت أعماله باتباع القواعد والأساليب الشرقية والغربية في آن واحد. وقد أضفى القصبجي على الموسيقى صبغة راقية جعلت ألحانه مطلب الطبقة الراقية في المجتمع، كما أضاف بعض الآلات الغربية إلى التخت الشرقي وكان له فضل تعليم جيل ما بعد سيد درويش كمحمد عبد الوهاب والسنباطي وأم كلثوم وغيرهم

قلبي دليلي - ليلى مراد - ألحان محمد القصبجي

من أشهر أعماله إن كنت اسامح ، بكرة السفر ، مادام تحب بتنكر ليه ، يا صباح الخير ، رق الحبيب وكلها لأم كلثوم ، إمتى ح تعرف لأسمهان ، و قلبي دليلي لليلى مراد  

زكريا أحمد 
جاء فن زكريا أحمد فنا غزيرا لا ينضب ، وكان في جعبة الشيخ كنوز من التراث الشعبي لا يجاريه أحد في اقتنائها ، ولذلك كان لموسيقاه صدى شعبيا هائلا. وقد لحن الشيخ زكريا عشرات الأوبريتات للمسرح كما لحن للسينما، ويمكنك أن تتعرف على ألحانه بصبغتها الغنية بالتراكيب الشرقية وبعدها عن التأثر بموسيقى الغرب. واقترن في كثير من ألحانه بأمير شعر العامية بيرم التونسي الذي لحن له بعض الأوبريتات أيضا 

حبيبي يسعد أوقاته - أم كلثوم - ألحان زكريا أحمد
من أشهر أعمال زكريا أحمد أوبريت عزيزة ويونس، وأغنيات حبيبي يسعد أوقاته (الليلة عيد)، أنا في انتظارك، أهل الهوى، غني لي شوي شوي، الورد جميل، هو صحيح الهوى غلاب، وكلها لأم كلثوم 

محمد عبد الوهاب 
أما محمد عبد الوهاب فقد تأثر كثيرا بفن سيد درويش ومضى على نهجه، لكنه استدار أكثر فأكثر ناحية الغرب فنهل من الموسيقى الغربية وفنونها ما استطاع، وقد غذى اتجاهه هذا التعطش للتحديث بعد طول جمود وتقوقع. لكنه لم يبعد تماما عن التراث الشعبي الموسيقي ، وظل مخلصا للمقامات الشرقية ونغماتها في معظم أعماله. 

وقد ساعد عبد الوهاب على الإنتاج صوته الأخاذ فكان يلحن لنفسه بالدرجة الأولى ، وقد أجاد اللغة العربية وفهم أسرارها بفضل ملازمته لأمير الشعراء أحمد شوقي، فأكثر من القصائد التي اختار موضوعاتها بدقة، وأجاد في تصويرها مما جعلها على كل لسان حتى انتشرت وأصبحت جزءا لا يتجزأ من ثقافة المنطقة العربية. كما ساعده على الإنتاج أكثر وإطالة عمره الفني سعيه الدائم للتجديد والعصرية ، فكان يتفوق على كل من جاء بعده على الساحة ويثبت أنه يستحق قمة الفن
أضاف عبد الوهاب أيضا كما محترما من المقطوعات الموسيقية البحتة وأعطى لكل منها عنوانا خاصا ، وقد صار هذا الاتجاه تقليدا محبوبا فيما بعد عشقه الموسيقيون الجدد

إنت عمري - موسيقى محمد عبد الوهاب 
كما اهتم أكثر بمقدمات الأغاني وجعل منها مقطوعات موسيقية متكاملة اشتهرت كثيرا بين هواة الموسيقى، وبها أشعل المنافسة بين الملحنين لتقديم أفضل ما عندهم من موسيقى في مقدمات الأغاني. كما ولد حب الموسيقى البحتة لدى الجمهور وأصبح الناس ينتظرون مقدمات الأغاني ويستمتعون بالموسيقى استمتاعهم بالغناء ، ولم يكن الجمهور قبل عبد الوهاب يطيق ذلك
وكان لعبد الوهاب سبق طلب الجمهور إعادة المقاطع الموسيقية للاستماع إلى موسيقاه قبل أن يبدأ الغناء حتى وإن كان المغني أم كلثوم!
من أشهر أعمال محمد عبد الوهاب في الليل لما خلي ، خايف اقول اللي ف قلبي ، النهر الخالد ، الكرنك ، الجندول ، كليوباترا ، دعاء الشرق ، القمح ، عاشق الروح ، فلسطين ، همسة حائرة ، بافكر في اللي ناسيني، وكلها بصوته ، بالإضافة إلى ألحانه لأم كلثوم وأشهرها إنت عمري ، أمل حياتي ، فكروني ، هذه ليلتي ، دارت الأيام ، ليلة حب 


رياض السنباطي
جاء رياض السنباطي فـأحدث دويا هائلا بموسيقاه التي جمعت بين الشرقية المطربة والكلاسيكية الحالمة. وقد أجاد السنباطي تلحين القصائد خاصة لأم كلثوم من أشعار شوقي وغيره. واستمر مخلصا للقصيدة العربية إلى أواخر أعماله ، فحفظ للموسيقى بهاءها ورقيها باقترانها بأفضل الكلمات. ويذكر لرياض السنباطي إعادة صياغة القصيدة الدينية خاصة ، فقد قام بتلحين القصائد الدينية في قالب جديد غير ما عهدته في التواشيح التقليدية فأضاف لها رصيدا من الروح العصرية، وبفضله لم يعد الغناء الديني مقصورا على المشايخ بل تطلع إليه كل مطرب وأصبح أقرب إلى أسماع الناس. بالإضافة إلى القصائد أجاد السنباطي التعبير عن رومانسيات أحمد رامي الشاعرية والتي لاقت شهرة واسعة 
الأطـــلال - أم كلثوم - ألحان رياض السنباطي 
من أشهر أعمال رياض السنباطي قصائد ولد الهدى ، سلوا قلبي ، رباعيات الخيام ، مصر تتحدث عن نفسها ، مصر التي في خاطري ، أراك عصي الدمع ، الأطلال ، أقبل الليل ، حديث الروح. ومن الأغاني على بلد المحبوب ، يا ليلة العيد ، غلبت اصالح ، سهران لوحدي ، جددت حبك ليه ، دليلي احتار ، يا ظالمني ، هجرتك ، وكلها لأم كلثوم

الاثنين، 9 نوفمبر 2009

موسيقى القرن العشرين

* موسيقى صنعت لتبقى
* التجــديد ســـــمة أســاسية
تميزت موسيقى القرن العشرين بالتجديد المستمر منذ أن ظهر سيد درويش في أوائل القرن وإلى قرب نهايته
وحتى أواسط القرن التاسع عشر لم تكن هناك موسيقى عربية معاصرة فى أي من البلاد العربية إذ تكون الفن الموسيقي العربي من عنصرين قديمين هما التراث الشعبي والموشحات
أما الموسيقى المدونة فقد كانت تركية المنشأ والصبغة بحكم سيطرة ثقافة الاحتلال التركي للمنطقة لعدة قرون

مع بداية القرن التاسع عشر كان لتغير الأوضاع الاجتماعية وزيادة الاحتكاك مع الحضارات الأخرى بالحرب تارة والتجارة أخرى دور كبير في اتجاه المجتمع للتغيير. وكانت دولة محمد علي التي أنشأها في مصر على أنقاض حكم المماليك والأتراك إيذانا ببدء حركة قومية تتطلع إلى التطور واللحاق بالنهضة الغربية وتدعيم اتجاهات البحث عن الذات القومية والثقافية
وكان من الطبيعي أن تعكس الفنون هذه الاتجاهات وتعبر عنها ، ولذلك يمكننا القول بأن تغير المناخ السياسي والاجتماعي كان هو المحرك الأول لكل ما شهدته المنطقة بعد زوال سيطرة الدولة العثمانية 

كان الاستقرار هو سمة عصر محمد علي وشهد بدايات التغير، لكن مقدم الغرب مع نهاية القرن 19 أثار أجواء من الاحتكاك والاستنفار جعلت الحركات المحلية أسرع وأعمق وأشمل

في أواسط القرن التاسع عشر ظهرت محاولات لتقديم موسيقى محلية الطابع في مصر قادها عبده الحامولي ومحمد عثمان حتى نهاية القرن ، وكانت الأشكال الفنية الأساسية هي الدور والقصيدة ولكن لم تكن النصوص تتحدث عن شيء غير الغزل والغرام

وكثيرا ما قيل أن سيد درويش قد خلص الموسيقى المصرية من الطابع التركي ولكن من الظلم لمحمد عثمان والحامولي القول بأن ألحانهما لم تكن مصرية وأنها قد طبعت بالطابع التركي ، إذ أن أدوارهما أعيد تقديمها بعد أكثر من 70 عاما كمادة تراثية واستهوت تلك الأعمال الجمهور المصري بشكل كبير ، ووجد فيها قيما فنية عالية الجمال ، لكنها مع ذلك تصنف وكأنها موسيقى بحتة ، ليس للنص فيها دور يذكر
وهي في ذلك تشترك مع الموشحات الأندلسية في كونها مواد لحنية صيغت على كلمات ليست ذات محتوى شعري هام ، لكنها عالية القيمة الموسيقية وإن كانت شكلية
ويشترك الدور في تلك الحقبة مع الموشح أيضا في التركيز على الجمال الشكلي دون عمق فني والاعتماد على الحركات النغمية ذات الأبعاد المتقاربة والتدرج البطئ حتى الذروة اللحنية التي تكون عادة مستغرقة في الطرب، ويلاحظ عدم أهمية الكلمات وسيطرة الموسيقى تماما. غير أن أدوار سيد درويش غيرت هذا كله في القرن العشرين وانتقل الدور من الشكلية التطريبية إلى المدرسة التعبيرية

مع بداية القرن العشرين
ظهر المسرح الغنائي برعاية الشيخ سلامة حجازي الذي كان يقدم المسرح العالمي معربا ويطعمه بالقصائد العربية التي أجاد أداءها لما تمتع به من صوت حاز الإعجاب ولكن ألحانه كانت غاية فى التقليدية بحيث اعتمدت على نفس أسلوب الأدوار من التطريب الشكلي
في أوائل القرن العشرين
بمقدم سيد درويش تغير كل شيئ في الموسيقى، وقد أحدث الشيخ سيد تطورا حقيقيا وسريعا فانتقل إلى موضوعات جديدة وأشكال جديدة تميزت بقربها الشديد من الموسيقى الشعبية المحلية مع اتباع أساليب حديثة في التأليف الموسيقي وأصبح للموسيقى بفضله شكل ومضمون

وقد تبع سيد درويش موسيقيون تميزوا بالموهية العالية مثل القصبجي وزكريا وعبد الوهاب والسنباطي وهم وإن اختلفوا في بعض الأشياء مع سيد درويش إلا أنهم أخلصوا لمدرسته التعبيرية، وقد أجادوا ثم أضافوا أيضا إلى ما تركه الشيخ سيد

خلال القرن العشرين
ظهر شعراء وزجالون موهوبون كونوا ثروة ثقافية هائلة استطاع من خلالها الموسيقيون الجدد تقديم محتوى نصي قيم، ومن هؤلاء
أحمد شوقي ، بديع خيري ، بيرم التونسي ، أحمد رامي ، حافظ ابراهيم ، محمود سامى البارودى ، علي محمود طه ، إبراهيم ناجي ، مأمون الشناوي ، حسين السيد ، صلاح جاهين

كما ظهر كتاب وروائيون أثروا الثقافة العامة منهم
محمد تيمور ، توفيق الحكيم ، طه حسين ، عبد القادر المازني ، عباس العقاد ، لطفى السيد ، لطفي المنفلوطي ، محمد حسين هيكل ، يحيى حقي ، زكى نجيب محمود ، نجيب محفوظ

وظهرت نخبة من المسرحيين الأكفاء منهم
جورج أبيض ، عزيز عيد ، نجيب الريحاني ، علي الكسار ، يوسف وهبي

ومجموعة من السينمائيين منهم
محمد كريم ، أحمد بدرخان ، صلاح أبو سيف ، رمسيس نجيب ، آسيا

ومجموعة من الأصوات الجيدة منها
منيرة المهدية ، فتحية أحمد ، محمد عبد الوهاب ، أم كلثوم ، أسمهان ، ليلى مراد ، عبد الحليم حافظ ، فيــروز وكثيرون غيرهم

كما ظهرت مجموعة من الملحنين الجدد مثل
محمود الشريف ، فريد الأطرش ، كمال الطويل ، محمد الموجي ، منير مراد ، محمد فوزي ، بليغ حمدي ، سيد مكاوي ، الأخوان رحباني

وإضافة إلى أسباب التغير السريع كان للتقدم التكنولوجي الذي حمله معه القرن العشرين أثرا بالغا في تغيير أشياء كثيرة. فقد ظهرت المحركات السريعة التي قادت السيارات والطائرات والدبابات وظهر المصباح الكهربائي والتليفون والمسجلات الصوتية والكاميرا والسينما والراديو والتليفزيون وكل ذلك حدث سريعا وترك آثارا كبيرة على الفنون

وبينما لم يدرك محمد عثمان أو الحامولي كثيرا من هذا فقد أدرك سيد درويش الاسطوانات الصوتية والجراموفون ثم أدرك عبد الوهاب السينما فترك المسرح كلية، وإن استمر الشيخ زكريا في المسرح فقد لحن للسينما أيضا كما لحن لها محمد القصبجي ورياض السنباطي بصوت أم كلثوم وغيرها

ومما لاشك فيه أن إضافة الصورة السينمائية بإمكانياتها الهائلة قد غذى الموسيقى بأبعاد جديدة كما زاد من جمهورها
وعلى هذا فقد تراجع نشاط المسرح الغنائي أمام التكنولوجيا الجديدة وأصبح الفيلم السينمائي هو البديل العصري
على أن السينما لم تكن بمتناول شعوب المنطقة كلها ولذلك طبعت أغاني الأفلام على اسطوانات لاقت نجاحا كبيرا
ثم شارك ظهور الراديو في تقليل الاعتماد على الاسطوانات كأداة انتشار أساسية ، ومع أواسط القرن العشرين كان في كل بيت جهاز راديو يبث الأغاني مجانا ليل نهار

ولكن هذه الثورة التكنولوجية أدت في الوقت نفسه إلى تراجع جمهور الحفلات العامة التي كانت من سمات الحياة الفنية في العواصم العريية خاصة القاهرة، كما تراجع جمهور المسرح قبل ذلك تحت تأثير السينما. فتوقف عبد الوهاب عن تقديم حفلاته في عام 1940 وتفرغ لملء الاسطوانات وإذاعة ألحانه عبر الراديو. وقرر استغلال الفرصة لصالحه بالتلحين لغيره من أبطال وبطلات السينما وكون شركة إنتاج خاصة به هي صوت الفن مع المطرب الجديد عبد الحليم حافظ الذي صعد نجمه سريعا في منتصف القرن. واعتاد عبد الحليم تقديم حفلات غنائية محدودة مرة كل عام كما فعل ذلك منافسه فريد الأطرش فيما سمي بحفلة الربيع ، وكان لفريد صولات في السينما قدم فيها أفضل ألحانه لكنه كان يمتع جمهور الحفلات بعزفه المميز على العود وأغنية بعينها هي أغنية الربيع تقدم في ذات الموسم كل عام

لكن السينما نفسها قد تأثرت بظهور الإذاعة فاتجه الفنانون إلى هذا الوسط الجديد بكل قوة نظرا لسهولة الإنتاج والتوزيع من خلاله. فتوقفت أم كلثوم عن السينما عام 1947 بعد فيلمها الأخير فاطمة، وقدم عبد الوهاب آخر أفلامه لست ملاكا عام 1947. وبدأت السينما تتجه أكثر نحو الدراما مع غياب نجوم الغناء إلى أن ظهر جيل جديد من المغنيين كليلى مراد وعبد الحليم حافظ وغيرهما

احتفظت أم كلثوم مع هذا بتقليدها الذي بدأته عام 1934 بتقديم حفلة عامة كل شهر ولم تتوقف عن هذا التقليد إلا بسبب المرض عام 1973

أفاد استمرار حفلات أم كلثوم ملحنين كبار كالقصبجي وزكريا والسنباطي الذين اعتمدوا على أم كلثوم في توصيل ألحانهم للجمهور ، ومن بعدهم كل من لحنوا لها بما فيهم عبد الوهاب نفسه. والحقيقة أن جمهور أم كلثوم لم ينقطع عنها أبدا من جميع البلاد العربية ، ومن المؤكد أن فن أم كلثوم هو فن من لحنوا لها بالدرجة الأولى

غير أن الظاهرة الفردية طغت على جميع أعمال من جاء بعد سيد درويش باستثناء الشيخ زكريا الذي قام بتلحين أكثر من 60 أوبريت ، وعاد الغناء والطرب الهدف في المقام الأول وإن ظلت مدرسة سيد درويش التعبيرية تظل الجميع

قامت الإذاعة المصرية بإنتاج عدد من الأوبريتات الإذاعية لملء الفراغ اشتهر منها عدة أوبريتات، كما قامت بإنتاج الأغانى الفردية. وقد أثمر هذا الاتجاه عن زيادة نشاط من كان ليس له نصيب في السينما. ومن هؤلاء من المطربين إبراهيم حمودة وإسماعيل شبانة وكارم محمود وحورية حسن. ومن الملحنين أحمد صدقي وأحمد عبد القادر وعبد العظيم عبد الحق ومحمد عفيفي

وقامت الإذاعة أيضا بإعادة تقديم أوبريتات سيد درويش مثل العشرة الطيبة بقيادة محمد حسن الشجاعي ونجحت في إعادتها للواجهة في أواخر الخمسينات

وهنا يجدر تذكر أن موسيقى سيد درويش قد تم مواراتها عن عمد لفترة تعدت الثلاثين عاما ، وكان القصر الملكي وبعض الموسيقيين من قدامى الأكاديميين وراء ذلك ، فلم تسترد أنفاسها إلا بعد زوال سلطانهم عام 1952 وعودة الفنون القومية والشعبية للازدهار

وقد أدى انحسار المسرح الغنائي والحفلات العامة والاعتماد على الفنون المعلبة إن جاز التعبير إلى ظاهرتين جديدتين :
* زوال تأثير الجمهور المباشر على المادة المقدمة ، فلم يعد الجمهور يستطيع إعلان حكمه الفوري على أى شيئ يقدم
* حرية أكثر للموسيقيين في إملاء ما يرونه دون خوف من مقاطعة الجمهور، فشجع ذلك الكثيرين على إجراء تجارب موسيقية جديدة. وبعيدا عن السينما والمسرح فقد كانت المخاطرة مأمونة العواقب نسبيا لعدم ارتفاع تكلفة الإنتاج

في أواسط القرن العشرين
شهدت الموسيقى ازدهارا كبيرا في مصر بالذات وأنشئ معهد للموسيقى الأكاديمية الغربية، الكونسرفاتوار الفرنسي، ساهم في تدعيم الحركة الموسيقية بالعازفين المهرة وقادة الأوركسترا. وصاحب انتشار التعليم العام نشاط تعليم الموسيقى في المدارس مما أدى إلى ارتفاع حدود التذوق الموسيقي لدى فئات كبيرة من الشعب
كما شهدت تلك الفترة عودة قوية للأغاني الوطنية وعودة أيضا لإحياء التراث الموسيقي فأنشأ عبد الحليم نويرة فرقة الموسيقى العربية فى القاهرة، وأنشأ محمد عفيفي فريق كورال سيد درويش في الإسكندرية

في أواخر القرن العشرين
لم تعد الموسيقى كما كانت في أوله أو أواسطه ، وإنما تم التخفف تدريجيا من قيود الجدية والأكاديمية بسبب تغير أشياء كثيرة على صعيد السياسة والاقتصاد تغير معها المزاج العام فى المنطقة العربية
فقد حل الشعور بالهزيمة بعد نكسة عام 1967 محل المد القومي، وتسببت الحروب في إضعاف اقتصاد مصر ، وساعد ظهور الثروة البترولية في الخليج في السبعينات على انتقال مراكز التمويل إلى بلاد الجزيرة العربية. وقد صاحب حركة الهبوط الفني فى مصر حركة صعود الفن البدوي القادم من الخليج ، كما قل نشاط الرحبانية في لبنان

وقد شهد القرن العشرين أنماطا من الفن الهابط في فترات مختلفة خاصة إبان الحرب العالمية الثانية لكنها ظلت سجينة علب الليل ولم تجد طريقها مطلقا إلى القنوات العامة كالراديو والتليفزيون. غير أن موجة الهبوط الأخيرة استطاعت فرض نفسها على تلك القنوات مما أدى إلى هبوط الذوق العام، وزاد الطين بلة غياب الكبار عن الساحة

ولا يفهم لماذا ازدهرت الحركة الفنية في مصر إبان الاحتلال البريطاني وهي تواجه حكاما طغاة واحتلالا أجنبيا بينما فقرت في ظل الاستقلال والحكام الوطنيين في نهايات القرن
ويبقى هذا السؤال للتاريخ للإجابة عليه 

جذور الموسيقى العربية

1 موسيقى التراث الشعبي: مصر، الشام، العراق، الجزيرة العربية، المغرب 
2 الموسيقى المصرية القديمة
3 الموسيقى الشرقية: فارس، جزيرة العرب ، أواسط آسيا
4 الموسيقى الفارسية: بلاد فارس
5 الموسيقى العربية القديمة: الدولة الأموية ، الدولة العباسية
6 الموسيقى الأندلسية: الأندلـس
7 الموسيقى التركية: تركيا الدولة العثمانية
8 التلاوة والتواشيح الدينية: مصر، جزيرة العرب، الشام، العراق، المغرب
9 التراتيـــل: مصر المسيحية ، الشام الروماني
10الموسيقى الغربية: اليونان ، أوربا الشرقية ، أوربا الغربية ، أميركا


تكمن جذور الموسيقى العربية المعاصرة والحديثة على أسماع المنطقة العربية في التراث الشعبي بالدرجة الأولى ، وقد برع سيد درويش والأساتذة اللاحقون في استنباط ألوان من الفن الشعبي لم تكن تعرف طريقا إلى التحديث لقرون طويلة. وكانت الأغاني الريفية وأغاني المناسبات الاجتماعية والنغمات التي يرددها الباعة في الشوارع والمشايخ في المناسبات الدينية كنوزا لا تفنى بالنسبة لهؤلاء المجددين. وكانت التواشيح الدينية والموشحات منبعا خصبا وحافظا هاما لمواد التراث الأساسية المتمثلة في المقامات الموسيقية الشرقية وطرق التلوين فيها والاشتقاق منها، غير أن كل ذلك قد احتاج إلى إبداع جديد

أثر الحضارات القديمة
وعلى حين اشتق العرب موسيقاهم من حضارات الشعوب المجاورة كمصر والشام والعراق وفارس وتركيا واليمن، فقد عملوا في القرون الإسلامية الأولى إلى تطويرها بإدخال مختلف الضروب والإيقاعات والمقامات بالإضافة إلى الآلات الموسيقية وطرق الغناء. وقد وصل الفن الموسيقي العربي القديم إلى ذروته في حضارة الأندلس التي تركت تراثا موسيقيا لا يستهان به وامتد أثره إلى يومنا هذا، ليس فى المنطقة العربية فحسب وإنما نجد أثاره في الموسيقى الأوربية الكلاسيكية أيضا. ولا يغيب عن السامع التقارب الشديد على سبيل المثال بين موسيقى موتسارت وبين الألحان الأندلسية الشجية واتفاقهما في الميلودية الشجية كأساس للتأليف الموسيقي. بل وصل ذلك إلى التشابه الشديد في بعض الأحيان في الجمل الموسيقية ذاتها، على سبيل المثال الحركة الثالثة من سيمفونية موتسارت الأربعين الشهيرة والموشح المعروف لما بدا يتثنى

أثر تفاعل الحضارات في الموسيقى العربية
قام الأوربيون في عصر النهضة بتطوير عديد من الآلات العربية التقليدية التي انتقلت إليهم عن طريق الأندلس فظهر العود ألأوربي والماندولين من العود الشرقي، وثلاثتهم مأخوذ أصلا عن العود المصري القديم. وظهر الهاربسيكورد ثم البيانو من القانون، وقد أخذ الثلاثة بالإضافة إلى الهارب عن الهارب المصري التاريخي، ويظهر ذلك من اشتراك هذه الآلات في تثليث أوتارها. وأخذ الجيتار عن القيثارة المصرية القديمة التي نجد صورها بالإضافة إلى الآلات المصرية الأخرى في رسومات البرديات القديمة وفي اللوحات المنقوشة على جدران آثار مصر. كما نجد أثرا لفكرة الكمان والتشيللو والكونترباص ، وكلها آلات وترية مكبرة عن بعضها ، في الربابة المصرية القديمة ذات القوس والوتر الواحد الطويل الذى يسمح بإنشاء مناطق صوتية جديدة أعلى على طول الوتر

وبينما برع الأوربيون كثيرا في تطوير الآلات الهوائية فتعددت أشكالها ونغماتها ووضعوا لها مواصفات ثابتة لم تشهد الموسيقى العربية تطويرا يذكر في أي منها. وكل ما نشاهده الآن في الفرق الأوربية، رغم أنه مأخوذ عن الناي المصرى القديم المصنوع من أعواد الغاب، إلا أن التطوير الحاصل جعل منها عائلات بأكملها كل منها ذو صبغة خاصة على سبيل المثال آلات النفخ الخشبية والآلات النحاسية والفضية. 

لكن فكرة جديدة تماما دخلت على استخدام العمود الهوائي بدلا من الوتر في إصدار الصوت، تمثلت في آلات الأرغن الكنائسي الذي ساد استخدامه في أوائل عصر النهضة ووضع له موسيقاه رواد مثل باخ الألماني وهايدن النمساوي، وتم استخدام نفس الفكرة في آلة شعبية جديدة هي الأكورديون الذي نقل هذه الأصوات إلى الألحان الشعبية، نظرا لصغر حجمه وخفة وزنه عن الأرغن الكبير الثابت، فانتشر حتى وصل إلى سكان الجبال والريف الأوربي ومن ثم إلى جنوب البحر المتوسط. كما نجد أثرا لفكرة ازدواج الصوت في الآلة الواحدة في آلات القرب الاسكتلندية وهي وسيط تاريخي بين أرغول مصر وبابل القديم والأرغن الحديث

وكما تأثرت أوربا بموسيقى الشرق نقل الشرق بدوره ما طوره الأوربيون خلال قرون طويلة إلى موسيقاهم. وتعددت أشكال هذا النقل من استخدام الآلات الحديثة إلى إدخال أساليب جديدة في التأليف الموسيقى واعتماد التعبير كأداة أساسية في التأليف، وهو ما افتقدته الموسيقى العربية القديمة. لكن هذا النقل لم يقترن بتطوير تقني كما فعل الأوربيون بموسيقى الشرق وإنما ظل في دائرة النقل فجاءت الآلات كما هي بمواصفاتها. 

وربما يقال أن صناعة الآلات تحتاج أيضا إلى صناع مهرة وذوي أفكار لم تسمح ظروف المنطقة التقنية بظهورهم ، لكننا نجد أن الموسيقيين الأوربيين كانوا هم الرواد في هذا ولم يتركوا المسألة للصناع. وقد بلغ اهتمامهم حد أن الموسيقي كان يتخيل صوتا بعينه لم تصدره آلة من قبل فيعمد إلى استخدام مهارات الصانع إلى أن يقنعه بفكرة الصوت الجديد، فتظهر آلة جديدة للوجود يستعملها في سيمفونية جديدة تضيف بعدا تقنيا إلى ما يقدمه بينما يكون هدفه الأساسي التعبير بالصوت الموسيقي عن حالة يتخيلها لا يستطيع التعبير عنها بالآلات الموجودة. 
وهناك آلات عديدة يرجع الفضل في ظهورها إلى الموسيقيين أنفسهم مما يؤكد الدور الأساسي للموسيقيين في تطوير كل ما يتعلق بالموسيقى. وبينما دخلت على موسيقى الغرب في العصر الحديث تقنيات بالغة التعقيد هي نتاج أفكار وتراكمات عديدة لكنها سريعة التطور والتجديد، يساعد على انتشارها شركات عملاقة تعمل من أمريكا إلى اليابان، نجد الشرق لا يجاري هذه النهضة إلا في استيراد التقنية كما هي، وربما لن يستطيع الشرقيون إضافة أي شيئ في التقنيات بسبب الفجوة التكنولوجية الحالية بين الشرق والغرب. 
لكن تطورا هاما قد حدث، ولو أنه أدخل لاعتبارات تجارية، وهو إخضاع الآلات الحديثة كالأورج لأداء المقامات الشرقية التي لا يستعملها الغرب ولا يعرف عنها شيئا. وقد تم ذلك باستحداث تقنية بسيطة تفتح المجال لأداء ربع الدرجة الموسيقية (ربع التون) غير الموجود في الآلات الغربية التي تعتمد مقاماتها على استخدام الدرجة الكاملة ونصف الدرجة فقط. وقد تم ذلك لأول مرة في سبعينات القرن العشرين في معامل الشركات اليابانية التي تجيد التسويق لاحتياجات الشرق الأوسط، وهذا التطوير يحسب للطرفين على أي حال

النهضة الموسيقية - ظهور سيد درويش

هناك قول شائع بين الملحنين اللاحقين أطلقه الموسيقار رياض السنباطي يقول "كلنا خرجنا من عباءة سيد درويش" في إشارة واضحة لريادته في الموسيقى

في جو ملبد بغيوم الاحتلال وفساد السلطة ظهر سيد درويش ينشد الأناشيد والأغاني الوطنية، وهدده البريطانيون بالسجن والنفي لكنه توفي مبكرا قبل أن ينال شرف ذلك. وكان يكتب وينظم أيضا، ومن ألحانه التي أثارت الشعور الوطني النشيد الشهير
"بلادي بلادي لك حبي وفؤادي" المستوحى نصه من كلمات الزعيم مصطفى كامل التي كانت تلهب مشاعر المصريين

أنشد سيد درويش العديد من الأغاني والأناشيد الوطنية كأنشودة
"أنا المصري كريم العنصرين" ، وقد لحن نشيد "قوم يا مصري" من كلمات لبديع خيري قرأها في إحدى الصحف قبل أن يتعارفا. وقبض عليه الانجليز بسبب ذلك رغم أنها كانت مادة منشورة بالفعل، إلا أن تلحين الشيخ سيد لها جعلها تنتشر في جميع الأوساط القارئة وغير القارئة، مما جعل سلطات الاحتلال تشعر بخطورة ألحانه لتأثيرها البالغ في إحساس الناس وكأنها في تعبئة الجماهير جهاز إعلامى جبار

وعنما تولى الخديو عباس حلمي الثاني الذي كان ميالا للإصلاح عزله الانجليز بينما طالب المصريون بعودته للحكم. وشددت الرقابة على الصحف وما تيسر من وسائل الإعلام حتى الأغاني ، واحتال سيد درويش للموقف بتلحين دور
"عواطفك" وهو دور عاطفي كما يظهر من عنوانه ، لكنه تكون من 8 ابيات في مطلع كل شطرة حرف من اسم الخديوي ولقبه، فإذا قرئت الحروف الأولى قرئت "عباس حلمي خديوي مصر"، والأعجب من هذا أن الدور كانت كلماته من تأليفه هو! 

وعندما نفي الزعيم سعد زغلول احتال مرة أخرى لتذكير الناس بالمطالبة بحريته فلحن طقطوقة "يا بلح زغلول"، وعند عودته من المنفى أعد نشيدا لاستقباله في ميناء الإسكندرية مطلعه "مصرنا وطننا سعدها أملنا" وتظهر التورية جلية في كلمات مثل "زغلول" و"سعدها"

وربما من الجدير ملاحظة أن هذا الفنان لم يتقاض أجورا من أحد عن كثير من أعماله الوطنية التي عبأت الشعب ضد الفساد والاحتلال. ولم يكلفه أحد بنظمها أو تلحينها ، وإنما كان وراءها فقط حس وطني عال وشخصية ثائرة تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ. 

وهو يذكر المصريين بجذورهم دائما، فهو يشعرهم بالفخر في المطلع القوي "أنا المصري كريم العنصرين .. بنيت المجد بين الإهرامين" في أوبريت شهرزاد من كلمات بيرم التونسي. وهو لحن فائق الفخامة مما يليق بعظمة الجدود ويتغنى في نهايته بقصة حب شاعرية يصوغ لحنها في نسق شعبي بسيط يتصاعد تدريجيا إلى ختام أوبرالي الشكل متماشيا بذلك مع أصول التلحين المسرحي الجماهيري ويترك بهذا الختام نفس الانطباع القوي بالفخامة الذي بدأ به اللحن
 قوم يا مصري - سيد درويش 

وفي أسلوب مختلف في لحن "قوم يا مصري" يحث أبناء الوطن على تذكر ماضيهم المجيد ولكن في صيغة عتاب قاس قائلا :
شوف جدودك في قبورهم ليل نهار .. من جمودك كل عضمة بتستجار ..
صون آثارك ياللي ضيعت الآثار .. دول فاتوا لك مجد خوفو لك شعار ..
إن هذا الكلام لا يصدر إلا عن فكر عميق آمن به سيد درويش في فترة لم تكن فيها كل الآثار المصرية التي نعرفها اليوم ويعرفها العالم كله قد اكتشفت بعد ، لم يكن هناك غير الأهرامات ظاهرة بينما كثير من آثار الأقصر وغيرها لم تزل تحت التراب، وهذا يبين قيمة هذه الدعوة

وهناك أمثلة في التاريخ المعاصر تدل على أن بعث الروح القومية وتوحيد أبناء الشعوب في هوية واحدة يبدأ بداية ناجحة إذا التفت الناس إلى ماضيهم وآثار جدودهم، وهكذا فعل القائد الألماني بسمارك موحد ألمانيا ونجح في مسعاه، وهكذا يفعل البريطانيون والفرنسيون وغيرهم

ولم يكن ليتصدى لتلحين مثل هذا الكلام بغرض توصيله للشعب بأكمله مجرد ملحن طقاطيق أو حتى فذ من أفذاذ الأدوار، وفي عصر ساد فيه الاحتلال وكل ما جلبه من فساد وأراد نشره من رذيلة. وخاصة أن مثله لن يجد مطربة صالات تغنيه ولا شركة اسطوانات تموله، ولن يجد من يقدمه له أجرا عليه، فضلا عن تعرضه للاضطهاد بسببه. وإنما تحتاج كلمات كهذه في عصر كهذا إلى ملحن مثقف على دراية بالتاريخ وكفاح الشعوب وذي حس وطني عال، كما يدرك كيف يخاطب الناس وينقل إليهم إيمانه العميق بالقضية الوطنية ويحرك أحاسيسهم للعمل من أجلها

وفي أعماله المسرحية، التي هي عصب نتاجه الفني، نجد كثيرا من الأناشيد الحماسية وأغنيات ملأى بالإسقاطات السياسية والاجتماعية التي أيقظت روح الإصلاح والتحدي والتفاؤل لشعب بأكمله

وظهر تعاطف سيد درويش مع مختلف الطوائف الشعبية في ما عرف بألحان الطوائف، وهي أغنيات لها إيقاعاتها الخاصة وغنيت بلهجة ومصطلحات كل طائفة دون تغيير. ولا شك أنها كانت من أصعب ما تصدى لتلحينه سيد درويش، إذ وضع لكل منها إيقاعاتها وأنغامها الخاصة التي تشعرنا وكأننا نرى ما نسمع. ووهناك العشرات من هذه الألحان سميت بأسماء الطوائف مثل الصنايعية، الشيالين، السقايين، الجرسونات، الأروام، المغاربة، وغيرها

وبلغت مدرسة سيد درويش التعبيرية ذروتها في جملة لحنية مشهورة في لحن
"الوصوليين" الذي يقول نصه "عشان ما نعلا ونعلا ونعلا .. لازم نطاطي نطاطي نطاطي". فنسمع اللحن يتصاعد في نعلا ونعلا .. ثم يتراجع في هبوط مع "نطاطي نطاطي"، وهي سمة الوصوليين في كل مكان وزمان إذ يرضون بالذل مقابل المكاسب المادية، ومسلكهم في ذلك التقرب من الحاكم والتودد إليه بالنفاق والتحايل ويتنازلون في سبيل ما يغدقه عليهم من عطايا ومناصب عن كل قيمة ومبدأ محترم فى الحياة

وهذه الاتجاهات تدلنا بوضوح إلى أن سيد درويش كان صاحب فكر وليس موسيقيا فقط، وأنه استخدم موهبته الموسيقية في توصيل أفكاره للناس، وقد برع في ذلك تماما. وقد ساعده بلا شك مؤلفون ثوريون كبديع خيري الذي دانت له العامية المصرية بل وجميع اللهجات الموجودة على أرض مصر في ذلك الوقت، وكذلك بيرم التونسي أمير شعراء العامية

وهناك العشرات من الأمثلة التي تدلنا على انتحاء سيد درويش هذ المنحى غير المسبوق
ففي لحن
"القلل القناوي" يبدأ بما يردده بائع القلل وهو ينادي على بضاعته قائلا :
"مليحة قوي القلل القناوي .. رخيصة قوي القلل القناوي"
لكنه يتخذ من هذه المقدمة مدخلا إلى قضية أخطر بكثير إذ يقول:
خسارة قرشك وحياة ولادك .. ع اللي ماهواش من طين بلادك
دا ابن بلدك ما يبلفكشي .. ما تعدموشي ولا يعدمكشي
دمك من دمه مايفرقكوا شيء
الدنيا مالها يا زعبلاوي .. شقلبوا حالها وين المداوي
شوف البلاوي .. ده البنك ناوي .. يرفع دعاوي .. علشان يتاوي
في فلوسنا واحنا متقندلين

وفي لحن
"ما قلتلكش" يخاطب أصحاب رأس المال قائلا:
امتى بقى نشوف قرش المصري .. يفضل في بلده ولا يطلعشي
انتوا بمالكم واحنا بإيدنا دي الإيد لوحدها ما تسقفشي

وفي نفس اللحن يتصدى لدعاة التفرقة الدينية قائلا:
دخل بناتنا اللي موقعنا في بعضنا وراح لك متصدر
ان فهمي يكره حنا .. وايش دخل دول يانا بس في ديننا

لحن الصنايعية - الحلوة دي

قدم سيد درويش نماذجه هذه في مراحل متقدمة نسبيا من حياته القصيرة فهل زج به أحد إلى هذه المنعطفات السياسية؟
يتغنى سيد درويش في لحن الصنايعية في تلقائية عارمة قائلا:
أولاد أوربا ما بيناموش .. عن الصنايع ما يونوش
لافرنجي دايما حلق حوش .. والمصري جنبه بيطلع بوش
سبع صنايع في ايدينا .. والهم جاير علينا
يا ما شكينا وبكينا .. يا أغنيا ليه ما تساعدوش

هذا اللحن ومطلعه
"الحلوة دي قامت تعجن في البدرية .. والديك بيدن كوكو كوكو في الفجرية" يبدأ بصورة لا يمكن تصور انتقالها إلى قضية العمال والصنايعية والصناعة ورأس المال، لكن هذا هو سيد درويش .. إنه ينتقل بك إلى موضوع غير قابل للغناء أصلا، على الأقل بمواصفات عصره، ثم يجعل من هذه الطقطوقة البسيطة قطعة فنية خالدة تحفظها عن ظهر قلب أجيال وأجيال بعده للآن

الموسيقى العربية الكلاسيكية - الخلفية التاريخية

الموسيقى الكلاسيكية العربية يشار بها في هذا الموقع إلى الموسيقى التي ظهرت خلال القرن العشرين بين العقدين الثاني والثامن، والتى بدأت بحركة تجديد أرسى قواعدها سيد درويش في مصر. 
هناك كلاسيكيات أخرى أقدم في التاريخ الموسيقي العربي كالموشحات الأندلسية والقدود الحلبية. لكن جرى الاصطلاح على تعريف الكلاسيكيات بأفضل ما قدم من موسيقى خلال تاريخها الطويل والذي بلغ ذروته في القرن العشرين، وهو ما يوازي كلاسيكيات الموسيقى الغربية في القرن الثامن عشر
الخلفية التاريخية
تميزت تلك الفترة بنهضة فكرية هائلة كانت الريادة فيها للمبدعين المصريين بحكم نهضة مصر المبكرة نسبيا ودخولها في العصر الحديث قبل سائر البلاد الناطقة بالعربية من ناحية ، ومن ناحية أخرى بفضل إرث مصر التاريخي في المحافظة على اللغة العربية وعلومها وفنونها وتمسكها بالانتماء العربي كهوية أساسية بعد الفتح الإسلامي. وقد ساعد في ذلك انتقال الخلافة إلى مصر بعد سقوط بغداد باستقرار الدولة الفاطمية وظهور القاهرة كحاضرة كبرى في المنطقة احتضنت فنون المشرق والمغرب من العمارة حتى الموسيقى

ظهر في القرن العشرين في مصر رواد كثيرون في مجال الفكر والأدب والشعر، مثل توفيق الحكيم ، طه حسين ، عباس العقاد ، أحمد شوقي ، حافظ ابراهيم ، نجيب محفوظ ، بديع خيري ، بيرم التونسي، أحمد رامي ، وعشرات غيرهم ، وصحبت تلك النهضة إبداعات موسيقية مثلها ملحنون رواد أيضا

ولم تنشأ تلك النهضة من فراغ ، فقد مهدت لها كتابات الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهما من رواد الفكر السياسي الذين وضعوا بدايات عصر التنوير والخروج من الجمود الفكري إلى التحرر السياسي والاجتماعي. وقد صاحب كل ذلك تيار متزايد من الشعور القومي غذاه وأججه موجات الاستعمار الغربي بدءا بحملة نابليون على مصر في أواخر القرن الثامن عشر حتى العدوان الثلاثي في أواسط القرن العشرين ، وانخراط الشعب بمختلف طوائفه في المقاومة

وبطبيعة الحال ظهر زعماء وطنيون وحدوا الشعب في قضية واحدة هي الحرية .. بدأت الحركة الوطنية بزعماء خلدوا أسماءهم بسجل مشرف من المواقف البطولية مثل محمد كريم حاكم الإسكندرية وعمر مكرم زعيم المشايخ الوطنيين في مقاومة الفرنسيين. ثم تبع رحيل الفرنسيين فترة هدوء واستقرار باختيار المشايخ لمحمد علي لقيادة البلاد في سبيل التخلص من الاحتلال التركي القديم ومواجهة الاستعمار الغربي الحديث بنفس أساليبه. 


أدى النفوذ العثماني في المنطقة العربية الذي بدأ في أوائل القرن السادس عشر واستمر 300 عام تقريبا إلى جمود شديد في كل مناحي الحياة وعزلها تماما عما يجري في بقية العالم، بينما بدأت أوربا عصر النهضة في نفس الوقت الذي احتلت فيه الجيوش العثمانية بلاد العرب. أدى هذا الوضع إلى تخلف البلاد العربية عن الثورة الصناعية والعلمية الأوربية، وخلق فجوة حضارية عانت منها شعوب المنطقة كثيرا. وعندما جاء نابليون إلى مصر غازيا عام 1798 أفاق المصريون على حقيقة تلك الفجوة عندما أحضر نابليون معه "المدافع والمطابع"، وكلاهما نتاج عصر النهضة في أوربا
نابليون في مصر
عمد محمد علي إلى تحديث البلاد فأدت جهوده إلى كثير من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ، خاصة أن تلك الجهود لم تكن مظهرية ، فقد أنشأ لكل علم مدرسة ، وجلب إلى البلاد أشياء لم تخطر لكائن على بال مثل زراعة القطن الذى سمي بالذهب الأبيض، وأقام السدود والقناطر على النيل لتنظيم الري، وبدأ مد ثاني خط سكك حديدية في العالم، وأنشأ جيشا هدد به عاصمة الدولة العثمانية وأخضع لنفوذه الشام والسودان والجزيرة العربية

خلف محمد علي حفيده اسماعيل الذي استمر في تحديث البلاد واللحاق بالنهضة الأوربية وأراد أن يجعل مصر "قطعة من أوربا". ولم يكتف بحفر قناة السويس وتحديث المدن وإقامة المشاريع الزراعية لكنه ، وهنا بيت القصيد ، عمد إلى إرسال بعثات علمية إلى أوربا في مختلف الميادين ، وكان عماده في ذلك نخبة من أبناء مصر النابهين استطاعوا هضم أحدث ما أنتجته أوربا من فكر وعلم ونظم ، وبعودتهم إلى مصر بدأ ما يسمى بعصر التنوير.

دخل اسماعيل باشا في مواجهة مع بريطانيا أدت إلى عزله وتنصيب حليف بريطانيا الخديوي توفيق الذي دخلت البلاد في عهده في حقبة من الاضطهاد والتمييز أدت إلى تعاظم القوى الوطنية بقيادة أحمد عرابي الذى نفي بعد معركة مع الانجليز الذين بدءوا الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 بعد ضرب الإسكندرية بالمدافع

البارجة ألكساندرا - إحدى قطع الأسطول البريطاني 1882
ضرب الإسكندرية بالمدافع 1882
نتج عن استمرار فساد الحكم وتواجد الاحتلال سلسلة من الحركات الوطنية بقيادة زعماء مثل مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول. وكان الاحتلال يعمد إلى نفي هؤلاء الزعماء خارج البلاد لكن التيار الوطني والإصلاحي لم ينقطع ، فظهرت تيارات فكرية وأدبية نقدية قادت البلاد في تلك الفترة ، وبلغت ذروتها في الربع الأول من القرن العشرين كما بلغت من خطورتها اضطرار الاحتلال إلى نفي قادة الفكر ورجال الأدب والشعر بعد رجال السياسة. فكما نفي أحمد عرابي وسعد زغلول نفي أحمد شوقي أمير الشعراء ونفي أمير الزجل ابن الإسكندرية بيرم التونسي، مما يدل على مدى شعور قوى الاحتلال والقصر الحاكم بالخطر من مثل هؤلاء
زعماء وشعراء في المنفى - شوقي - بيرم - عرابي - زغلول
سطع نجم سيد درويش في هذا الجو العاصف وهدده البريطانيون بالسجن والنفي لكنه توفي مبكرا قبل أن ينال شرف ذلك. ومن ألحانه نشيد "بلادي بلادي لك حبي وفؤادي" المستوحى نصه من كلمات أطلقها الزعيم مصطفى كامل، وأنشودة "أنا المصري كريم العنصرين"، ونشيد "قوم يا مصري" من كلمات لبديع خيري قرأها في إحدى الصحف قبل أن يتعارفا، وقبض عليه الانجليز بسبب ذلك رغم أنها كانت مادة منشورة بالفعل إلا أن تلحين الشيخ سيد لها جعلها تنتشر فى جميع الأوساط القارئة وغير القارئة مما جعل الانجليز يشعرون بخطورة ألحانه لتأثيرها البالغ في إحساس الناس وكأنها في تعبئة الجماهير جهاز إعلامي جبار 
ثورة 1919
لم يتقاض سيد درويش أجورا من أحد عن كثير من أعماله الوطنية التي عبأت الشعب ضد الفساد والاحتلال ولم يكلفه أحد بنظمها أو تلحينها. وكان دافعه فقط حس وطني عال وشخصية ثائرة تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ