كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الخميس، 13 سبتمبر، 2012

سماعي النوا أثر لجميل عويس: سبيكة باهرة من حامض و حلوٍ

جميل عويس، استاذ في العزف على الكمنجة و التدوين الموسيقي، من المخضرمين الذين عاشوا بين حلب ومصر ورأوا الموسيقى في نهضتها، اشتغلوا مع الأصوات العظيمة والعباقرة المجددين، وفي زمن بواكير الموسيقى الآلية العربية، عزف وألف و دوّن وعلّم وكان له جهد و مجد عال(1).


 و مقام النوا أثر مقام فيه غرابة مقام يستلهم الغرابة من الحجاز الذي فيه، لكنه يزيد منها بمسافة كاملة من الراست إلى الدوكاه ثم يلي ذلك حجاز.  و حسب الاستاذ الكبير سامي الشوا، فإن النواأثر يبدأ من  النوا – صول - مروراً بمس صوت الحجاز – زخرفة – أي الفا مرفوعة – وذلك لنعمل نغمة حجاز على النوا، ثم نصعد بعمل نغمة نوا أثر إلى الكردان – الدو التي تلي وصولاً إلى جواب النوا وهو الصول الأعلى المسمى السهم. ثم بعد ذلك نهبط حتى نصل إلى قرار النوا أثر وهو صوت الراست – الدو أسفل من النوا.   يتكون مقام النوا أثر من  عقد نوا أثر – راست متبوعا بحجاز – ثم  من جنس حجاز على النوا. يلي ذلك جواب من نوا أثر على الكردان – الدو العالية جواب الراست الادنى السابق الذكر – صعودا إلى جوا ب النوا وهو السهم ثم الهبوط الى الراست(2).

مع مقام غرائبي كهذا، و مع جميل عويس، ومع قالب السماعي، أمتعنا بتأليف حامضٍ حلوٍ رائق هو سماعي نوا أثر للاستاذ جميل عويس، سماعي بارز يتقدم سماعيات النوا أثر التي ألّفها الموسيقيون.
لنستمع إليه أولاً ثم نطالع جماليات منه نستذوق ونستطعم ونعيد الاستماع.
سماعي جميل عويس بعزفه مع فرقته:

الآن، لنتحدث عن شكل هذه القطعة الموسيقية التي استمعنا إليها. هي من قالب السماعي، قالب تركي شاع في الموسيقى الشرقية وظهر منه مؤلفات في العالم العربي، تشبه مؤلفيها والأرض التي هم منها، في الجمل والثيمات والزخارف وطريقة العزف والأفكار، تتناسب وطاقاتهم الموسيقية. من أشهر السماعيات العربية سماعي حسيني إبراهيم العريان الذي ألفه في العشرينات من القرن العشرين، و هذا السماعي لجميل عويس. قالب السماعي، قالب مكون من أربع خانات وتسليم كما في الشكل التالي:

كل خانة من هذه الخانات إيقاعها سماعي ثقيل وهو إيقاع من عشر وحدات. كل هذه الخانات، الأولى والثانية والثالثة والتسليم إيقاعها جميعا هذا السماعي، عدا الخانة الرابعة التي يكون عادة إيقاعها راقص كما سنرى. حتى نستوعب هذا الإيقاع فلنتذكر موشح لما بدا يتثنى، فإيقاعه ذات الإيقاع و كذلك موشح ملا الكاسات الشهير. و لنلق نظرة على إيقاع السماعي مع بعض الأمثلة.

لكل سماعي فريد، حكاية يسردها، حكاية موسيقية، كقصيدة منضدة الكلمات، ذات معان كبرى، كصرح دقيق البناء مهيب يشابه بعضه بعضاً، يتناظر ويتخالف ويتمايز ويتشابه. دعونا نستكشف سماعي جميل عويس لنرى شيئاً من ذلك.

ولأن جميل عويس بارع في معرفة المقامات ضليع في صناعة عملها، يعرف مواطن الوجع والألم والحلاوة والمرارة والشموخ والتواضع، تراه يبدأ من حيث يبدأ العارفون. هكذا نراه يبدأ سماعيه في الخانة الاولى بزخرفة تبدأ قبل صوت الحجاز، من الكوردي – المي بيمول – صعوداً، ملامساً صوت الحجاز ليصنع حجازاً على النوا. تماماً كما وصّف السير الاستاذ سامي الشوا.

يلعب الاستاذ جميل عويس لعبة السؤال والجواب، لعبة تناظر بينهما متكامل. يبدأ الجملة الاولى من زخرفته صعودا ليتوقف على النوا. ثم يواصل بزخرفة أخرى من الكردي ذاته في سلم صاعد إلى الماهور – السي العادية – ثم ينزل في جملته المتناظرة حتى يقف على الدوكاه، الري العادية. يتبع ذلك بجملة متصلة في مازورتين تصاعداً بطيئاً يليه نزول سريع فتصاعد سريع ونزول سريع مستقراً على قرار النوا أثر – الرست، وهو يعمل كل ذلك في صيغة صعود نزول متناظر في كل الخانة ست مرات. اسمعوا مرة أخرى هذه الخانة. جملة صاعدة، تليها جملة نازلة، ثم جملة طويلة فيها صعود ونزول فصعود ونزول كله مختوماً بجملة كلها عنفوان وجموح غرائبي مدهش. تخيلوا كيف قطع الأبيات بلحظات التطويل في الأصوات كحروف المد تفصل بين عباراته الموسيقية في شكل متتاظر آخاذ، ختمها ببيت متواصل صدره وعجزه مختوم بقفلة موسيقية رائعة مستقراً على استقرار المقام.

ثم يلي ذلك التسليم. التسليم يتكرر – كالقدر المحتوم – بعد كل خانة من هذه الخانات كما سنرى، ولأنه يتكرر، فعلى المؤلف أن يقدم فيه عصارة فكره وذوقه بحيث لا يسبب سأماً ولا تنافراً مع تطور الفكرة في قصيدته الموسيقية هذه. وهنا، يبدع جميل عويس في خانة التسليم أيما إبداع، في الذوق والتناسق يجعلك تنتظر التسليم الذي سيأتي في وقته كألذ ما يكون. في التسليم، خلاف الخانات كلها، يستخدم فيه وقفة صمت تامة، طويلة، بعد الضربة الأولى من كل من عبارتيه الأولى والثانية. التسليم يبدؤه على جواب الرست، الكردان، هكذا، تناظرا مع الجواب – الرست – الذي بدأ به خانته الأولى. سنستمتع بهذا التمايز. إذن، نبدأ التسليم، بضربة على الكردان، فصمت، فعبارة تطور فكرة الضربة، فصمت، فنزول إلى الجواب. ثم عبارة ثانية، مع بدء المازورة الثانية من التسليم، ضربة على الصوت الذي يلي الكردان نزولا، في تتابع نازل إذن، الماهور، فصمت، فعبارة مطورة لفكرة الضربة الأولى الجديدة، متناظرة مع عبارة الفكرة التطويرية الأولى في التسليم، فصمت، فعبارة تنتهي صعودا واستقرارا على النوا، أعلى من استقرار اختها التي استقرت على الراست قبل قليل، ثم يكمل المازورتين الأخيرتين من هذا التسليم بدأ من الرست على شكل جملتين قفلت كل منهما على الرست كتأكيد في جمل منمّطة بثيمة سيدتها الصوت المنقوط – أطول من النوتات المستخدمة المكررة في كل الجملة. هكذا قفلة وراء قفلة مؤكدة المعنى الكبير الذي حمله التسليم.

الخانة الثانية، بعد هذا التسليم الشيق، ستبدل الجو قليلاً ابعاداً للجو الذي نكاد نكون ألفناه بعد الخانة الأولى والتسليم. تبدأ الخانة الثانية بصوت أخفض من التسليم، بصوت واحد، هو النيم ماهور، بعد أن بدأ التسليم كما نذكر، بنغمة الراست متبوعة بصمت!. إذن نبدأ أخفض بصوت واحد. و في جو النوا أثر، وفي نفس الصيغة، عبارة المازورة الاولى تنتهي على الراست، تليها عبارة مناظرة تنتهي على النوا، تماماً كما فعل سابقا أعلاه كما يصنع المنهدسون يصنعون كل شئ محسوباً المكان والتكرار وبالمقاسات. لكنه لإخراجنا من الجو، يبدأ من هذا النوا بتكرار الصوت الذي عهدنا للتو، ويقفز إلى جواب الدوكاه – المحيّر – هكذا ليفاجئنا بلمسة رومنسية جذلة – نغمة النهاوند – يطوّل فيها على هذا المحير وينزل متسارعا للنوا، بلا غرائبية، ثم يلي ذلك بالرجوع لجو النوا أثر الغرائبي ويستقر على الراست. ثم يسلّم وحسن أن يأتي ذلك التسليم الذي أحببنا الآن بالذات فنحن في الجو والوقت المناسب لنسلّم.

ثم تأتي الخانة الثالثة، لتكمل معنى الخانة الثانية، شبيهتها في العمل. وهكذا ينزل في البدء جميل عويس من النوا ملاحقا متسارعا صوتا بعد صوت في جوه الجذل – نغمة النهاوند. يبدأ من النوا ويصل مطوّلا عند الفا الجواب، ثم ينزل مطوّلا عن المحير – الري جواب ليلمس النوا فيقفز جذلاً إلى الفا ذاتها فالصول جواب – السهم – وهكذا يتفنن في جمل عطرة عذبة مطولا على الكردان ثم مطولا ثم المحير ويتمايل بنا صعودا نزولاً داخلاً بسلاسة في أجواء النوا أثر قافلاً على الكردان. ثم يأتي التسليم الذي كمل الاحتياج إليه تماماً مع هذه الخانة في القفل ليبدأ من ذات صوت الكردان هذا ثم ياتي الصمت المبهر في التسليم كما نعرف؛ ونواصله فلنستمتع.

يلي ذلك الخانة الرابعة، مختلفة الإيقاع. هل سيتميز جميل عويس فيها أم ينهيها كيفها اتفق ويخرج إلى التسليم وانتهى السماعي. بالطبع لا، فجميل عويس استاذ ولم يفرط في خانة هامة كهذه فلنر ما فعل. هذه الخانة جاء فيها ايقاع ثلاثي دارج. وبعد أن سمعنا كل الجمال السابق، وصلنا لوقت حبذا لو أتحفنا فيها بذروة بهية تضاهي ما سبق. هو يأتي بذلك فعلاً. لكنه هنا يهندسها كالتالي. يقسم هذه الخانة إلى ثلاث جمل تتدرج في السرعة. الجملة الأولى تتركب سؤال وجواب. يبدأ السؤال من الراست ويختم على اليكاه. وترد عليه عبارة تبدأ من نفس مكان السؤال وتختتم على النوا، جواب اليكاه الأدنى في السؤال. يلي ذلك سؤال مكرر من الأول تماماً، يأتيه السؤال متسارعاً متساوي الأصوات في زمنها يختتم على الراست من الذي بدأت به هذه الخانة.

أما الفكرة الثانية في هذه الخانة، فهي في تصاعد درامي في أجواء النوا أثر الغرائبية متراقصا صعوداً ونزولاً وصعودا ونزولا وصعوداً ونزولاً ثم يأتي ختام الجملة. وعندما نكون مع جميل عويس هنا، نكون وصلنا لذروة الذروة، فتتراقص الموسيقى بسرعة أكثر من سابقتيها في الفكرة الثالثة في شكل ثلثيات أربع تقف على المحير طويلا ثم على النوا، ثم تعود في درجة أخفضل منها منها درجة وتقف طويلا على الكردان ثم على الجهاركاه، ثم يأتي الختام متباطئاً صعودا ونزولا وصعوداً و وقوفا على الجرح، الكردان، حيث يبدأ منه التسليم مباشرة لنختم هذه القصيدة بالمطلعِ.

هكذا، في فرادة في الجمل، وأصالة في النغم، وجديد في التركيب الدرامي وتنويع بين الحامض والحلو في تناظر مستمر سؤالاً وجواباً، صعوداً ونزولاً، سريعاً وبطيئاً، متصلاً ومنفصلاً، عال و منخفض، رغم قلة تنوع المقامات في هذا العمل، نجدنا قد خرجنا بلوحة من أجمل صور تراثنا العربي الموسيقي في النصف الاول القرن العشرين، في زمن بدأت فيه الموسيقى الآلية تأخذ مكانها في الاشكال التقليدية والجديدة وشرعنا في زخم من الانتاج الموسيقي الآلي.

في تسجيلات سماعي جميل عويس الشهير هذا، الذي عزفته الفرق العربية في مختلف الأزمان والأماكن، ترى اختلافات في الإعادات التي لا نجد لها أثراً في تسجيل جميل عويس نفسه، ونجد الإعادات في كل مكان بعد كل خانة وتسليم إضافة إلى الأفكار الثلاث، تتكرر كل واحدة منها على حدة داخل الخانة الرابعة كما في تسجيل فرقة الدكتور تيسير إلياس. ومهما اختلفت التسجيلات في الإمكانيات و حجم الفرق والتوزيع، ترى عظمة الجمل وبناء الفكرة وسيطرة المؤلف على شكل السماعي وتصميمه لجمله التي يلبسها الشكل و صيغة الإيقاع. هكذا وسط عدد هائل من قطع السماعي الشرقية، تجد هذا السماعي متميزاً متقدماً في سماعيات النوا أثر، يمتلك عليك الأسماع فتلح في استعادة الاستماع.

وقتا ممتعاً.
::. فاضل التركي
(1) يمكن قراءة شئ من سيرته وأعماله في مقالة صميم الشريف هنا أو هنا
(2) كتاب الاستاذ سامي الشوا: القواعد الموسيقية للموسيقى الشرقية والغربية.