كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

السبت، 14 نوفمبر 2009

كمال الطويل 1922 - 2003

كمال الطويل أحد أعلام الموسيقى العربية وأحد الملحنين المجددين  
والمستمع لأعماله يجد فيها بجانب الروح الشرقية انطلاقا نحو التجديد وبعدا عن التقليدية في معظم ألحانه. وهو من الملحنين القلائل الذين استطاعوا تقديم أفكار جديدة من المقامات المعتادة. ومعظم ألحان كمال الطويل جاءت في حقبة الخمسينات والستينات، ورغم وجوده على الساحة حتى عام 2003 إلا أنه كان مقلا فى نشاطه الفني بعد الستينات


رحلـــة الفـــن 
تعلق الشاب كمال الطويل بالموسيقى منذ صغره، وكان يهوى الغناء والتلحين، وبدأ بارتجال بعض الألحان التى ذهب بها إلى الشيخ زكريا أحمد ليسمع رأيه فيها، كان كمال يود أن يسمع بعض الثناء والتشجيع من الشيخ الكبير، لكن الشيخ زكريا باغته بنصيحة قاسية، قال له اذهب لتتعلم العود أولا!
قرر الشاب العمل بنصيحة الشيخ، فالتحق بمعهد الموسيقى العربية بالإسكندرية عام 1946 وكان أستاذه بالمعهد الفنان السكندري محمد عفيفي حيث درس العود والمقامات والنوتة الموسيقية لمدة سنتين، ثم انتقل إلى القاهرة وأكمل دراسته بمعهد الموسيقى العربية ليتخرج منه عام 1949
التقى كمال الطويل أثناء دراسته بعبد الحليم حافظ وكان أول من لحن له وانعقدت بينهما صداقة امتدت لعقود
احترف الطويل التلحين طوال حياته ولم يقدم على الغناء بل إنه كان يمتنع عن تسجيل أي شيء بصوته! وعمل بالإذاعة المصرية إلى 1956 ثم بوزارة التعليم إلى 1965 

خلال الخمسينات 
قدم كمال الطويل نفسه للجمهور من خلال صوت عبد الحليم حافظ، واشترك الاثنان في أعمال كثيرة حققت انتشارا كبيرا وجماهيرية واسعة، وبصفة عامة فهي أغان عاطفية أو وطنية، ومن أشهر ألحان الطويل العاطفية لعبد الحليم حافظ "في يوم في شهر في سنة"
عام 1955 لحن كمال الطويل لأم كلثوم قصيدة "لغيرك ما مددت يدا" من كلمات طاهر ابو فاشا، وفى عام 1956 قدمت له أم كلثوم قصيدة أخرى هي غريب على باب الرجاء من كلمات طاهر ابو فاشا أيضا، ولم تكن تغني إلا للثلاثة الكبار محمد القصبجي، زكريا أحمد ورياض السنباطي، وقد سبقه بعام واحد في التلحين لها من الملحنين الجدد محمد الموجي في نشيد يا مصر إن الحق جاء من تأليف أحمد رامي

عرف فن الخمسينات في مصر بالاتجاه الوطني، وكانت الأغاني الوطنية، بحكم المناخ السياسي، هي الأعلى صوتا رغم وجود الكثير من الألوان الأخرى. وقد نجح كمال الطويل في ركوب هذه الموجة الوطنية التي سبقه إليها الملحنون الكبار مثل محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي، واستعان بصوت عبد الحليم الشاب لينضم إلى قافلة الملحنين ذوي الأسماء اللامعة. لكنه في قفزة كبرى وأثناء حرب السويس عام 1956 قدم أقوى وأشهر ألحانه على الإطلاق بصوت أم كلثوم وهو نشيد "والله زمان يا سلاحي" من كلمات صلاح جاهين، والذي أصبح النشيد القومي لمصر حتى عام 1971، وقد اشترك بهذا اللحن في تقديم أحد أكبر ثلاثة أعمال وطنية في تلك الفترة، أما العمل الثاني فكان نشيد الله أكبر الجماعي من ألحان محمود الشريف، والثالث نشيد دع سمائي لعلي إسماعيل غناء فايدة كامل، وكلها في قالب النشيد وساهمت كثيرا في رفع الروح المعنوية وتعبئة الجماهير ضد العدوان الثلاثي
نشيد والله زمان يا سلاحي - أم كلثوم 1956 
حكاية شعب - غناء عبد الحليم 1959 

خلال الستينات
كون كمال الطويل مع صلاح جاهين وعبد الحليم حافظ ثلاثيا كان آلة الثورة الإعلامية الأولى وكون صداقات وطيدة مع عديد من الشعراء أقربهم صلاح جاهين. وكانت الأغاني الوطنية التي قدمها الثلاثي تعبر عن طموحات الثورة في وقت السلم وأهمها الحرية والتنمية الشاملة والوحدة العربية وهى ألحان نالت قدرا هائلا من الشهرة والانتشار وحفظها الشباب عن ظهر قلب. وقد استخدم فيها التيمات والإيقاعات الشعبية الأقرب إلى أسماع الجمهور، منها حكاية شعب (السد العالي) من كلمات أحمد شفيق كامل، ومن كلمات صلاح جاهين أغنيات بالأحضان، بلدي يا بلدي، صورة صورة، يا أهلا بالمعارك، وجميعها من غناء عبد الحليم الذي حالفه الحظ بغناء تلك الأغنيات التى أسهمت كثيرا في صعود نجمه كمطرب الجماهير  
أغانى وطنية في الستينات
بالأحضان – غناء عبد الحليم 

بلدي يا بلدي – غناء عبد الحليم 

وكانت تلك الأغاني تقدم في كل عام أغنية، عادة في شهر يوليو موعد احتفالات الثورة المصرية، وكما استفاد منها عبد الحليم استفادت الثورة أيضا لأن تلك الأغنيات كانت تتمتع بشيئين هامين أولهما بساطة اللحن وشعبيته، وثانيهما الكلمة الجديدة التى حملت من الأحلام الوطنية والاجتماعية ما لف الناس حولها بالملايين. ومن الناحية اللحنية لم يكن أي منها في قالب النشيد بل ألحان تحمل طابع الطرب الشعبي في كثير من مقاطعها كما تحمل سمات الهتاف الجماعي في بعض الفقرات، وهو مزيج لم يقدم من قبل ونجح كمال الطويل في هذا الابتكار كثيرا 
يا أهلا بالمعارك – غناء عبد الحليم 

صورة – غناء عبد الحليم 

في الستينات أيضا قدم الطويل بصوت عبد الحليم عدة أغان عاطفية أبدعها "بلاش عتاب" ، وفي هذا اللحن أفكار موسيقية مستوحاة من الشرق والغرب عرضها الطويل في قالب عصري وخلفية هارمونية غاية في الدقة والبراعة
 بلاش عتاب - غناء عبد الحليم 

في لحن هذه الأغنية من مقام دو ماجير والتي قدمت في أحد أفلام الستينات قدر هائل من الخيال الموسيقي العذب، وقد تفوق فيه الطويل الموسيقار على الطويل الملحن بمراحل فقد استخدم جملا موسيقية حديثة غاية في الإبداع في المقدمة والفواصل الموسيقية غلفها بتوزيعات موسيقية غنية وأداء أوركسترالي ممتاز، كما استخدم الآلات الغربية كالجيتار والبيانو في تناغم تام مع الأوركسترا، ومزج الطويل بين روح الموسيقى الكلاسيكية الغربية الفاخرة والموسيقى الغربية العصرية مع الاحتفاظ بطابع شرقي في موسيقاه. استخدم الطويل أيضا التوزيع الهارموني والكونتربونتي في المقدمة وفي معظم المقاطع الموسيقية إلى جانب، وهذا هو الجديد، بعض المقاطع الغنائية أيضا، وهو شيء نادر في الموسيقى العربية 

لكن مع هذا لم تتمتع المقاطع الغنائية بقدر كاف من الطرب الشرقي، ومن المفارقات النادرة أن تتمتع الموسيقى بقدر أكبر من الطرب في نفس الأغنية. كما يلاحظ أن اللحن رغم طوله النسبي لم يشهد تحولا كبيرا في المقامات، والانتقال المقامي فيه كان محدودا جدا فهناك فقط ثلاثة انتقالات مقامية جاء أولها من دو ماجير إلى فا ماجير في المقطع الثاني من الأغنية ثم موسيقيا إلى دو مينير في المقطع الثالث وغنائيا إلى فا مينير في نفس المقطع ومن ثم العودة إلى المقام الأساسي دو ماجير. وجملة نستطيع تمييز لحن "بلاش عتاب" كأحد الأعمال المتقدمة والتي كان يرجى للموسيقى العربية أن تقدم مثلها الكثير 

في أواخر الستينات فاجأ كمال الطويل الجمهور بلحن لفاتنة السينما سعاد حسني غنته أمام حسين فهمي رمز الوسامة في السينما العربية. وكانت أغنية يا واد يا تقيل الخفيفة في فيلم خللي بالك من زوزو عام 1969 رغم خفتها وبساطتها شيئا جديدا تماما على الساحة الفنية، فهي نقلة نوعية في ألحان الطويل، وإن لم تكن بالضرورة نقلة للأمام، وغنتها ممثلة لم تحترف الغناء، لكنها ذاعت وانتشرت بطريقة لم يسبق لها مثيل، ولم تكن نقلة للملحن فقط فقد كانت للمؤلف أيضا وهو نفسه صلاح جاهين الذي كتب أغاني الثورة الوطنية، وقد فاجأ هو الآخر الجمهور بكلمات خفيفة تجئ على لسان فتاة تتغزل في ملامح الشاب الوسيم بعيد المنال الذي تتمنى حبه وتعلن له إصرارها على التعلق به، ترى ما سر هذا التحول للملحن والمؤلف؟! اشتركت أغنية أخرى في فيلم لاحق هو أميرة حبى أنا في خلق جو جديد بعيد عن أغنيات الحرب والقتال رغم ظهورهما بعد حرب يونيو وأثناء حرب الاستنزاف الشهيرة، فغنت سعاد حسني الدنيا ربيع والجو بديع، وكأن شيئا لم يكن! 

في تلك الفترة انتكست ثورة يوليو بحرب يونيو 1967، ولم يعد من المناسب أو المقبول التغني بأحلام أفاق الشعب على خلوها من أي قاعدة حقيقية ولا التغني ببطولات جيش منهزم، وتأثر الفنانون كما تأثر الشعب بآثار النكسة التي أصابت الجميع بإحباط شديد، وانفض سوق الأغاني الوطنية ليحل محلها ذلك النوع من الأغاني البعيدة كل البعد عن التعبئة السياسية وإلإعلام الثوري، وكان نزول المؤلف الكبير والملحن الكبير إلى تلك الساحة إيذانا ببدء مرحلة من التراجع عن الإبداع المستقبلي وإبداله بفن التسلية 

خلال السبعينات 
في عام 1973 وبعد ست سنوات من القلق واليأس والاكتئاب فوجئت الشعوب العربية بحرب أكتوبر كما فوجئ العالم كله، وكانت المفاجأة ذات وجهين، الأول مفاجأة شن الحرب، والثاني مفاجأة الانتصار فيها. استمرت موجات التقدم العسكري شرق قناة السويس وفي الجولان وسط أفراح غامرة، ثم أجهضت تلك الانتصارات بقرارات دولية لوقف إطلاق النار بعد أسبوعين فقط من القتال المصحوب بروح عالية وشعور متميز باسترداد الكرامة التي فقدت عام 1967. وتمنى الناس الاستمرار في الحرب وإكمال تحرير الأرض لكن كل شيء توقف فجأة، وقررت القيادات إكمال المسيرة بالسياسة بدلا من القتال، عندها خشي الناس انقضاض العدو مرة أخرى وساد القلق من عواقب الاسترخاء العسكرى، وقدم عبد الحليم حافظ أغنية "خلّي السلاح صاحي" من ألحان الطويل في عودة هادئة للأغاني الوطنية في تلك الأيام التي أعقبت توقف القتال، معبرة عن حرص الشعب على استمرار اليقظة تجاه العدو وحمل السلاح رغم قرارات وقف إطلاق النار بعد الانتصار السريع والمفاجئ. لم تكن الأغنية نشيدا ولا هتافا، وإنا نغمات حزينة على إيقاع هادئ لكنه يتصاعد تدريجيا ليصل إلى قمة تحذيرية في كلمة صاحي

لم يصحب حرب أكتوبر أي عمل فني ذي قيمة كبيرة، وقد قدم بليغ حمدي مجموعة من الأغنيات الوطنية أثناء تلك الحرب لكنه لم ينجح في أي منها ولم يكن لها أي نصيب من الجماهيرية الحقيقية، وكذلك بعد الملحنين الآخرين عن الساحة رغم ظروف النصر. وربما كان السبب سرية قرار الحرب الذي استلزم انعدام التعبئة الشعبية بعكس ما حدث في الحروب السابقة. وعند تلك النقطة تقريبا توقف السيل الفني الوطني القوي بشقيه الحماسي والشعبي ودخلت الأغنية الوطنية في حلقة مفرغة من الأغانى مدفوعة الأجر تقدم في ذكرى أكتوبر من كل عام ثم تذهب أدراج الرياح، لكن نشيدا واحدا استطاع أن يبرز تلقائيا ويفرض نفسه على الساحة الشعبية والرسمية منذ عام 1967 وإلى يومنا هذا، فقد تذكر الشعب نشيده القديم العظيم بلادي بلادي لملحنه الغائب الحاضر سيد درويش، وأصبح الناس يرددونه في كل مكان ومناسبة إلى أن أعلن نشيدا قوميا لمصر عام 1971 وإلى الآن 

غنى من ألحان الطويل أفضل الأصوات مثل نجاة الصغيرة، صباح، وردة، وعبد الحليم حافظ، كما ألف موسيقى السلام الوطني للكويت وموريتانيا، ولعدة سنوات عمل كمستشار لوزارة الإعلام الكويتية
بعد رحيل عبد الحليم عام 1977 لم يقدم كمال الطويل ألحانا كثيرة لكنه قدم بعض الأعمال المتواضعة نسبة إلى إمكانيات الطويل وموهبته الفنية منها لحن "علّي صوتك بالغنا لسه الأغاني ممكنة" غناء محمد منير من كلمات عبد الرحمن الأبنودي، وهي كلمات وإن كانت تدعو إلى التفاؤل تشير إلى مدى الاكتئاب الحاصل بعد كل هذه السنين من الاجترار السياسي والاجتماعي والفني

قام الطويل أيضا بتلحين أغنية فيلم المصير ليوسف شاهين كما ألف الموسيقى التصويرية لأفلام ووضع ألحانا لمسلسلات تليفزيونية منها مسلسل هو وهي بطولة أحمد زكي وسعاد حسني، وفيلم تسجيلي عن نجيب محفوظ

جائزة الدولة 
تلقى كمال الطويل جائزة الدولة التقديرية قبل وفاته بأيام، وتوفي في 9 يوليو 2003 بعد رحلة حافلة دامت 81 عاما اجتهد فيها ليقدم إبداعات أثرت الموسيقى العربية بكثير من التجديد واحتفظ في نفس الوقت بأصالة الفن الشرقي

الجمعة، 13 نوفمبر 2009

محمد الموجي 1923 - 1995

محمد الموجي 
ملحن موهوب له بصمة مميزة في الموسيقى العربية، وهو من الملحنين القلائل الذين يوحي ذكر أسمائهم بتوقع الجودة
قدم ألحان الموجي نخبة من كبار المطربين على رأسهم أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وكون مع كمال الطويل ثنائيا موسيقيا كان له الفضل في وضع صوت عبد الحليم حافظ على سلم النجاح
ولد محمد الموجي في عام وفاة الموسيقار سيد درويش 1923، بمحافظة كفر الشيخ بمصر وبدأ حياته الفنية مطربا لكن الجمهور العريض لم يعرفه إلا كملحن
خصائص فنه

  • تفرد الموجي بخصائص مكنته من الوصول إلى درجة عالية من الكفاءة منها:
  • طرق أساليب متطورة فى التلحين 
  • الاهتمام بدور الموسيقى إلى جانب الغناء
  • اتباع المدرسة التعبيرية
  • المزج بين الأساليب الشرقية والغربية
  • الدقة في تنفيذ الألحان
  • الإنتاج الغزيـر
الخمسينات – بداية قويــة
بدأ الموجي مشواره الفني كملحن في أوائل الخمسينات في لحن فاجأ الجميع بحداثته هو صافيني مرة بصوت عبد الحليم حافظ. كان عبد الحليم قد بدأ بالفعل رحلته الغنائية مع صديقه الملحن كمال الطويل لكن هذا اللحن أصبح من أشهر أغنيات عبد الحليم
وقت ظهور محمد الموجي كان في الساحة عبد الوهاب والسنباطي وزكريا من الرواد وفريد الأطرش وكمال الطويل الملحن الجديد المتحمس ، وكان عليه أن يجد له مكانا وسط هؤلاء ، وقد نجح في ذلك
استعان الموجى بصوت عبد الحليم كما استعان عبد الحليم بألحانه، إذ كان كلاهما ميالا إلى التحديث واستخدام أساليب متحررة غير تقليدية. وكانت هناك أصوات كبيرة مثل كارم محمود ، محمد عبد المطلب ، عبد الغنى السيد ، شهرزاد ، لكنها أصوات اعتادت الألحان التقليدية. وبينما اعتمدت ألحانه على الموسيقى أكثر من اعتمادها على الطرب ساعده ظهور أصوات جديدة في تلك الفترة أيضا على اقتحام ميدان التلحين بأسلوبه منهم فايزة أحمد ، صباح ، شادية ، محرم فؤاد ، وماهر العطار ، ورغم ذلك حدثت المفارقة الكبرى ، فإن الصوت الذى حمل الموجي إلى النجومية كان أكثر الأصوات تقليدية وهو صوت أم كلثوم
الموجي وعبد الحليم حافظ
بدأ عبد الحليم شهرته على يد محمد الموجي، وكان نجاح صافيني مرة حافزا قويا للاثنين لاستمرار التعاون بينهما فاستمر عبد الحليم في الغناء من ألحان الموجي لعدة عقود أنتجا خلالها معا عشرات الأغاني التي انتشرت خاصة بين الشباب. واشتهر للثنائي عدة أغنيات في الخمسينات منها يا مواعدني بكرة، ظالم، يا حلو يا اسمر، نار يا حبيبي
نموذج صافيني مرة - غناء عبد الحليم

تمثلت مفاجأة هذا اللحن في استخدام المقدمة الموسيقية كتيمة أساسية في اللحن – مقام كورد – ثم كون المقدمة نفسها لحنا جديدا ركز على عناصر حديثة في التكوين النغمي والإيقاع والآلات مستمدة من الأسلوب الغربي الشائع في تلك الفترة، وهو بذلك قد أعاد أسلوب عبد الوهاب الذي اشتهر به في أفلام الثلاثينات والأربعينات حيث كان يضع ألحانه على أحدث الإيقاعات الغربية الشائعة. ورغم هذا لم يكتمل نموذج صافيني مرة كما كان متوقعا، فرغم الاستهلال المحدث وإدخال إيقاع جديد عليه بصمة الموجي وإيقاع التانجو في وصلة الكوبليه الثاني والإيقاع السريع في الكوبليه الثالث كان الكوبليه الأول غاية في التقليدية، وكانت هناك عودة إلى الجمل التقليدية في نهاية كل كوبليه. والحقيقة أن المقدمة الموسيقية والغنائية في صافيني مرة هي ما كتب له البقاء في ذلك اللحن أكثر من غيرها كعنصر جديد، وظلت بقيته أسيرة الماضي التقليدي، لذا كان على الموجي أن يحاول أكثر
الصعود إلى القمة  
وبينما كان للجو المجتمعي والفني العام السائد في تلك الأيام أثر فى نجاح هذا اللون من الألحان، كان عبد الوهاب قد تخلص من هذا وتفرغ لتقديم بقية قصائده الكبرى التي اجتاحت الشرق واحتاجت الكثير من الشرقية وعمق التعبير مثل النهر الخالد وغيرها  كما دخل فريد الأطرش في حالة من الإفراط في الشرقيه إلى حد استخدام الموال كأحد عناصر ألحانه الرئيسية، وكان السنباطي غارقا في رومانسيات أحمد رامي لأم كلثوم، بينما كان القصبجي قد اعتزل التلحين واعتكف الشيخ زكريا بعد خلافهما مع أم كلثوم لفترة طويلة
في تلك الفترة كانت الثورة المصرية حديثة العهد والجميع يتطلع إلى شكل جديد من الحياة، وبدأ أيامها نزع الطرابيش من على الرؤوس وارتداء الزي الحديث بكثرة وتغير مظهر المجتمع خاصة في المدن، وبدت الحياة متجهة نحو التحرر من كل قيود الماضي وأشكاله ورموزه
وهكذا وجد الموجي نفسه، ومعه كمال الطويل وعبد الحليم حافظ، في طريق التجديد ليس فقط بالتحرر من من القوالب التقليدية بل أيضا بتوفر موضوعات جديدة يغلب عليها الطابع الوطني الذي صاحب ثورة يوليو. ولمحمد الموجي صورة شهيرة يقف فيها مع أم كلثوم إلى جوار كل من جمال عبد الناصر وأنور السادات تدل على مدى قربه من قيادة الثورة، ولم يكن باستطاعته ذلك لولا تقديم أم كلثوم له إلى القيادة بطبيعة الحال، أما قربه هو من أم كلثوم فيبدو أن نجاحه مع غيرها كان السبب في لفت نظرها إليه
غير أن ألحان الموجي الوطنية فيما عدا نشيد الجلاء لم تخرج في قالب النشيد فقد مالت أكثر إلى الألحان الشعبية مثل محلاك يا مصري وانت ع الدفة التي غنتها أم كلثوم تحية للمرشدين المصريين أيام تأميم قناة السويس وأزمة انسحاب المرشدين الأجانب بإيعاز من القوى الاستعمارية الكبرى فى ذلك الوقت ، انجلترا وفرنسا
الموجي وأم كلثوم
كما ذكرنا فإن الصوت الذي حمل الموجي إلى النجومية كان صوت أم كلثوم، والواقع أن صوت أم كلثوم كان المقياس العام لجميع الملحنين فمن لحن لها دخل التاريخ الفني ومن لم يدركه الحظ لم يعرف طريق الشهرة
التقى محمد الموجي بأم كلثوم لأول مرة في لحن نشيد الجلاء عام 1954، لكن موهبة الموجي الحقيقية تألقت في لحن الرضا والنور أحد ألحان فيلم رابعة العدوية الذي اشتركت فيه أم كلثوم بصوتها فقط، وهي قصيدة صوفية من أجمل ألحان الموجي
وعلى طريق الأغنية الوطنية التي راجت في تلك الأيام غنت له أم كلثوم عدة أغنيات منها محلاك يا مصري ، يا سلام على الأمة ، وصوت بلدنا ، بالسلام احنا بدينا
ومن أهم ما لحن الموجي لأم كلثوم أغنيتها الشهيرة
"للصبر حدود" من مقام راحة الأرواح عام 1964، غير أن الموجي قد انشغل عن أم كلثوم بعد ذلك، ولم يلحن لها إلا لحنا واحدا عام 1970 هو اسال روحك مقام حجاز 

للصبر حدود - غناء أم كلثوم 

من ألحان الموجي لأم كلثوم 
نشيد الجلاء – مقام نهاوند – كلمات أحمد رامي
سألت عن الحب – قصيدة – مقام كورد – كلمات طاهر أبو فاشا
الرضا والنور – أغنية – مقام حجاز – كلمات طاهر أبو فاشا
محلاك يا مصري – أنشودة – مقام راحة أرواح – كلمات صلاح جاهين
للصبر حدود – أغنية – مقام راحة أرواح – كلمات عبد الوهاب محمد
يا سلام على الأمة – أنشودة – مقام نهاوند – كلمات عبد الفتاح مصطفى
اسأل روحك – أغنية – مقام حجازكار – كلمات عبد الوهاب محمد
الرضا والنور - غناء أم كلثوم 

نموذج الرضا والنور
في أوائل حياته الفنية وفي ثاني لقاء مع أم كلثوم وجد محمد الموجي نفسه وجها لوجه أمام قالب جاد لا يحتمل التجريب ولا التغريب. إن أمامه قصيدة، وهي ليست قصيدة عاطفية أو وطنية، إنها قصيدة دينية تسبح أبياتها في جو من التصوف الخالص، فكيف لملحن صافيني مرة أن يتصدى لهذه المهمة التي لم يكن يجرؤ على إنجازها إلا الرواد والعمالقة. باختصار دخل الموجي من باب الكبار، فقد اقتفى خطى اثنين من عتاة الملحنين، وقرر دخول الميدان مستنيرا بضياء ألحانهما ولكن بأسلوبه ورؤيته
نموذج الأغاني الوطنية - محلاك يا مصري - أم كلثوم 

نار يا حبيبي - غناء عبد الحليم 

نماذج جديدة مع عبد الحليم
نموذج نار يا حبيبي
اشتعلت نار ياحبيبي هذه بصورة فريدة في أواخر الخمسينات فرددها الصغار والكبار وتسابق الهواة على حفظها وعزفها في المناسبات المختلفة ، وقد نجح الموجي في هذا اللحن من مقام كورد بما قدمه من مقدمة موسيقية واضحة المعالم ظهر فيها ميله لاستخدام البناء الدرامي الموسيقي كفكرة اساسية مقدمة على التطريب، واستمر في الإيحاء بنفس الفكرة أثناء الغناء ودعمها باستخدام الكورس في مقاطع صغيرة لكنها مفصلية في اللحن فأدت دورا تكامل مع دور المطرب الفرد دون ترديد مكرر لما يؤديه. وقد وضع الموجي بهذا اللحن نموذجا يحافظ على دور الخيال الموسيقي والبناء الدرامي للحن كعناصر أساسية مع بساطة في التعامل مع الكلمات والتعبير عن مضمونها، كما أظهر اهتمامه بأداء الأوركسترا ودقته في صياغة الجمل الموسيقية، وقد تفادى الملحن هنا ما سبق من مزج غير موفق بين الحديث والتقليدي في نموذج صافيني مرة، فجاءت مقاطع اللحن منسجمة حتى النهاية
في الستينات لحن الموجي لعبد الحليم أغنية طويلة اعتمدت في بدايتها على قالب الموشح هي كامل الأوصاف من مقام الكورد ، ذاعت الأغنية ورددت في كل مكان، ولو أنها لم توظف إمكانيات الموجي في التحديث والابتكار، غير أن أفكار الموجي اللحنية قد نضجت أكثر في السبعينات حين قدم لعبد الحليم أبدع ألحانه في قصيدتي رسالة من تحت الماء وقارئة الفنجان من أشعار نزار قباني
رسالة من تحت الماء - غناء عبد الحليم 

مقدمة رسالة من تحت الماء 1970
في هذا اللحن (مقام صول ماجير) أثبت الموجي قدرته على التميز رغم تناوله قصيدة شعرية فصحى، ويكفي أن تستمع إلى المقدمة الموسيقية لقصيدة رسالة من تحت الماء (شعر نزار قباني) لندرك كيف استطاع الموجى تكوين وبناء دراما لحنية متكاملة في هذه المقدمة التي بإمكانها الاستقلال عن القصيدة المغناة كموسيقى بحتة
وقد أدخل فيها الموجي عدة عناصر اجتمعت لتكون موسيقى جديدة وراقية ومحدثة إلى حد كبير:
* استخدام البناء اللحني الدرامي: نسيج متجانس من نفس المقام يتصاعد من البداية لتكوين ذروة ثم يبدأ في الهبوط التدريجي حتى النهاية
* إيقاع غير مطروق هو الدوبل فالس 8/6
(وإن كان شائعا في ذلك الوقت في موسيقى البوب الغربية)
* آلات حديثة: الجيتار – الأورج – الكمان الكهربائي
(للعازف الرائع محمد مصطفى)
* استخدام التباين اللحني بين التصاعد النغمي للفقرات الموسيقية مع التنازل داخل الجمل
* الحوار المتكامل والمتباين بين الأوركسترا والآلات الفردية
* استخدام الآلات النغمية في تدعيم الإيقاع بتآلفات الأورج والجيتار
 

مقدمة "رسالة من تحت الماء" وأنشودة "القمح" لعبد الوهاب
ورغم كل هذا يظل لحن المقدمة انعكاسا واضحا لأنغام أغنية "القمح" لمحمد عبد الوهاب التي سبقتها بنحو ربع قرن، فهي نفس اللحن تقريبا ونفس الفكرة والخط والأبعاد، وإن اختلف الإيقاع
مقدمة "رسالة من تحت الماء" وأنشودة "القمح" لعبد الوهاب

بهذا الاتجاه سار محمد الموجى على نهج محمد عبد الوهاب في تحديث تلحين القصيدة، مقابل الاتجاه التقليدي الذى حمل لواءه رياض السنباطي لعقود، والذي اتبعه الموجي نفسه من قبل، وكان عبد الوهاب قد سبق الجميع في تخطى تقليدية لحن القصيدة مبكرا منذ لحن "جفنه علم الغزل" فى الثلاثينات واستمر في تأكيد تيار التحديث إلى أن لحن قصائد لأم كلثوم بدأت بهذه ليلتي فى الستينات
الموجي وأصوات أخرى
غنى للموجي باقة من المطربين والمطربات قبل وبعد نجاحه مع أم كلثوم ذكرنا بعض أسمائهم، ودعم نجاحه معهم مكانته في عالم التلحين، ومن أشهر ألحانه لفايزة أحمد، أنا قلبي إليك ميال، يا امه القمر ع الباب، كذلك غنى له صباح، شادية، محرم فؤاد، ماهر العطار، عبد اللطيف التلباني وأسامة رؤوف وغيرهم
أنا قلبي إليك ميال  - غناء فايزة أحمد

نموذج أنا قلبي إليك ميال
أغنية أنا قلبي إليك ميال لفايزة أحمد، مقام راست، لا زالت تردد لليوم ليس بصوتها فقط وإنما بأصوات مطربات جدد لم يعاصرن لا الموجي ولا فايزة، ولا يعرف على وجه التحديد لماذا يفضلن غناء هذه الأغنية أو لماذا تسمع كثيرا في مسابقات الغناء للأصوات الجديدة
تقول كلمات الأغنية في مطلعها: أنا قلبي إليك ميال ، ومفيش غيرك ع البال ، انت وبس اللى حبيبي ، مهما يقولوا العزال
وكما نرى ليس في الكلمات شيئا مثيرا للانتباه، بل تكاد تكون مستهلكة من كثرة شيوعها فى الأغاني، والأغنية عموما بسيطة التركيب لحنا وإيقاع.، وهي من نوع الأغاني الذى يكرر نفس اللحن لجميع الكوبليهات ولا تمثل بأي حال قدرات الموجي الموسيقية والتلحينية بل إنها فنيا من أضعف ألحانه، كما أنها لا تقدم أية فرصة للمغني لاستعراض إمكانيات صوته .. وربما كان السر فى لجوء مطربات اليوم إلى أبسط ما يمكن من نماذج فقط لإثبات أنهن يغنين لملحن كبير ولمطربة قديرة، ونعتقد أن السبب الحقيقي هو بساطة اللحن وخلوه من القفزات والتحولات والجمل المركبة وليس الاحتواء على جماليات فنية
نقــد محمد الموجي
في الرضا والنور ، وهي أجمل ما لحن الموجي على الإطلاق، نجد أثرا لموسيقى عبد الوهاب وألحان السنباطي. وإذا تأملنا موسيقى المقدمة نجدها تتشكل من تنويعات على جملة أساسية هي جملة البداية التي تحمل بصمة عبد الوهاب الموسيقية في مقدمة لحنه الشهير
"الفن". الفرق الوحيد أنها عند عبد الوهاب خاتمة لفقرة موسيقية طويلة يبدأ بعدها الغناء بينما عند الموجي بداية لفقرة موسيقية هي المقدمة التي تكرر بعد انتهاء الغناء وقد صاحبتها أصوات الكورس النسائي بالآهات المعروفة. هي جملة صغيرة فعلا ولا تتعدى حدود المازورات الأربع القانونية، إنما هي أيضا جملة غاية في التميز بحيث لا تخطئها أذن، ولمن يود افتراض أنها جملة شائعة الاستخدام نقول إنها لم ترد إلا في هاتين الأغنيتين، وإذا خطر لأحد استخدامها في أغنية جديدة فستكون الثالثة وليس ذلك من باب شيوع الاستخدام
مقدمة أغنية الفن لعبد الوهاب 

الرضا والنور ومقدمة أغنية الفن – محمد عبد الوهاب
قصد أو لم يقصد، علقت بذهنه أو تخيل أنها من إبداعه إلا أن أحدا لم يعلق على هذا لا في وقته ولا بعد ذلك، والفرق بين لحن عبد الوهاب ولحن الموجي خمس سنوات لا غير. أما تأثير لحن الفن على الموسيقيين فلا حدود له ومعروف إعجابهم جميعا بتلك المقدمة الموسيقية المذهلة والتى كانت سببا في ازدياد نجاحه وشهرته بين الفنانين على وجه الخصوص، وليس الموجي استثناء. وبالمناسبة فقد أطلق احد مغني البوب الغربيين، باري مانيلو، في الثمانينات أغنية جديدة استعمل فيها جملة موسيقية مميزة أخرى من مقدمة لحن الفن وهي الجملة قبل الأخيرة، كما هي لكن على طريقة عبد الوهاب، أي خاتمة لفقرة موسيقية، وقد كان من الغريب سماع تلك الجملة المألوفة في أسماع الشرق في أغنية غربية تصدر في الثمانينات كإنتاج حديث
شمس الأصيل - أم كلثوم - رياض السنباطي 

الرضا والنور وشمس الأصيل - رياض السنباطي
أما تأثر الموجي بأسلوب السنباطي فقد ظهر في تلحين الجمل الغنائية خاصة لصوت أم كلثوم ، ونشير هنا إلى تقارب جملتي الختام في الرضا والنور للموجي وشمس الأصيل للسنباطي ، وكما ذكرنا في تحليل سابق فإن السنباطي كان أكثر الملحنين هدفا للتقليد من قبل غيره ، خاصة عندما يتعلق الأمر بأم كلثوم ، إذ لم يجرؤ أحد على تغيير كبير في ألحان أم كلثوم غير محمد عبد الوهاب ، وهو أمر منطقي في نظر الجميع ، وقد قلد السنباطي كل من الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي فى ألحانهم لأم كلثوم ، أما السنباطي نفسه فقد بدأ بتقليد محمد القصبجي
رسالة من تحت الماء وأغنية الفن - عبد الوهاب

رسالة من تحت الماء وأغنية الفن - عبد الوهاب
سنقفز الآن سنوات إلى السبعينات وبالتحديد إلى مقدمة أغنية الموجي الشهيرة رسالة من تحت الماء غناء عبد الحليم حافظ ، ولنتأمل ، ثم لنتذكر سولو الكمان المنفرد في أغنية عبد الوهاب ، الفن .. نجدهما يتقاربان كثيرا في الأسلوب اللحني وتكنيك العزف وإن لم يتقاربا في الميلودي أو المقام
محلاك يا مصري وأغنية الأمل - زكريا أحمد
محلاك يا مصري وأغنية الأمل - زكريا أحمد
في محلاك يا مصري تغني أم كلثوم هذه الكلمات .. شاوروا لهم ، وقولوا لهم … على تتابع لحني مقتبس من جملة : أنا برضك .. أنا برضك .. أنا برضك .. أنا .. في لحن الأمل للشيخ زكريا أحمد غناء أم كلثوم
الموجي بين التميز والتكرار
لا يختلف اثنان على أن موسيقى الموجي مميزة بحيث يستطيع أي خبير إذا سمع لحنا له أن يحكم إن كان من تلحينه أم لا، لكن هذه الميزة في الواقع وصلت مع الموجي إلى حد كونها سلاحا ذا حدين في بعض المواقف، فقد تشابهت جمل كثيرة له وتكررت في ألحانه بنفس الطريقة فدخل بذلك في نوع من التقليدية رغم أنه محسوب على أنصار التجديد، لم يكن الموجي الوحيد الذي بدا بهذه الصورة من الملحنين ، وأكثرهم كذلك كان فريد الأطرش
لحن اسأل روحك – أم كلثوم
جاء لحن اسأل روحك وسط موجات من الإبهار الموسيقي واللحني أطلقها كل من محمد عبد الوهاب، رياض السنباطي وبليغ حمدي في ألحان متتالية لأم كلثوم سار الأخيران فيها على نهج عبد الوهاب الجديد ، تنافس الثلاثة في تقديم الجديد لجمهور أصبح يعشق التجديد والابتكار. ولم تكن هناك أغنية لأم كلثوم تمر منذ لحن عبد الوهاب إنت عمرى دون تقديم إيقاع جديد أو مقام غير مطروق أو استخدام آلة جديدة إلى غير ذلك من أساليب التغيير والتنويع ، لكن لأسباب لم تتضح آثر الموجى التقليدية التامة في هذا للحن، ولهذا بدا وكأنه تخلف عن ركب المنافسة في التلحين لأم كلثوم رغم تقديم هذا اللحن في أوج تلك المنافسة. وعند المقارنة بين لحنه الأول العاطفي لأم كلثوم عام 1964 ولحنه الثاني عام 1970 لن نجد اختلافا كبيرا في الأسلوب، وقد يقال أن هذه الفترة ليست بالطول الكافي لتغيير أسلوب التلحين، إلا أن جميع أغاني أم كلثوم لمختلف الملحنين قد اختلف أسلوبها منذ ذلك الوقت وبطريقة حادة بسبب دخول محمد عبد الوهاب ساحة أم كلثوم، ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا محمد الموجي في اسأل روحك وسيد مكاوى في يا مسهرني
على أي حال بعدها بقليل استعاد الموجي روحه المجددة ليبدع في أغنيتي رسالة من تحت الماء وقارئة الفنجان لعبد الحليم فقدم ألحانا تماشت كثيرا مع روح العصر، وأذكر أنني سمعت بنفسي في اندهاش شديد بعض مقاطع موسيقى قارئة الفنجان تذاع بين البرامج في إذاعة لندن، ليست الإذاعة العربية بل الانجليزية!
جوائز لمحمد الموجي
1965 الميدالية البرونزية من جمال عبد الناصر 
1976 وســـام الاستحقاق من أنور السادات
1985 شهادة تقدير من حسني مبارك
بالإضافة إلى أوسمة ونياشين من عدة ملوك ورؤساء عرب
الرحيــــل
توفي الفنان محمد الموجي فى أول يوليو عام 1995 بعد رحلة فنية غزيرة الإبداع أثرى فيها الموسيقى العربية بأعمال لا زالت تردد لليوم، وضرب مثالا للجرأة والإقدام والتميز في عالم الفن، وله ابن ملحن هو الموجي الصغير نأمل أن يكون له بصمة فنية. تحرير د.أسامة عفيفي - محمد الموجي
للصبر حدود – تحليل موسيقي

قارئة الفنجان - تحليل موسيقي

محمود الشريف 1912 - 1990


محمود الشريف - ملحن نشيد الله أكبر
ملحن قدير ممن أثروا الحركة الموسيقية في مصر في أواسط القرن العشرين
تأثر بسيد درويش وسار على نهجه في التطوير
قدم المئات من الألحان الأصيلة كما قدم للسينما ألحانا رائعة ، وبلغت ألحانه أكثر من 800 لحن
نشيد الله أكبر 
أشهر ألحانه على الإطلاق هو نشيد الله أكبر الذي أطلقه في مصر أيام حرب السويس عام 1956 وساهم كثيرا في تعبئة الشعوب العربية أثناء الحرب وبعدها، ويعد من أقوى الأناشيد الوطنية وذاع في جميع البلاد العربية واتخذته بعضها نشيد قوميا لها ، وكان يحظى دائما بالجوائز الأولى في المهرجانات الفنية ، وأظلت ظلال النشيد على حرب 1973 حين اتخذه المقاتلون شعارا لهم أثناء عبور قناة السويس
نشيد الله أكبر - لحن محمود الشريف - كلمات عبد الله شمس الدين

من أشهر ألحانه كذلك "رمضان جانا" الذي أصبح أيقونة الشهر الكريم حتى الآن، غناء محمد عبد المطلب 

رحلة الشريف والفن 
ولد بالإسكندرية في 2 سبتمبر 1912
أحب الموسيقى منذ طفولته ودرس بالإسكندرية وظل بها حتى عام 1939 

بدأ بالغناء كمطرب هاو ثم بدأ في تلحين بعض الأغاني لنفسه
.
عام 1938 وقد ضاقت الإسكندرية بطموحاته صارح صديقه الفنان السكندرى محمد عفيفي الذي بدأ يسجل ألحانه لإذاعة القاهرة برغبته في الاستقرار نهائيا بالعاصمة، واتفق الاثنان على ترك الإسكندرية كما تركها من قبل العمالقة سلامة حجازي وكامل الخلعي وسيد درويش، لكن محمد عفيفي لم يستطع إقناع والدته وهو عائلها الوحيد بالسفر معه 


عام 1939 ومع بداية الحرب العالمية ضربت الإسكندرية بالطائرات، وهجرها أهلها إلى المدن المجاورة، وكمن يريد أن يلعب مع القدر توجه الشريف إلى صديقه لدعوته مرة أخيرة لعله توصل إلى نتيجة فأجابه بالنفي فعاتبه الشريف وقرر الانتقال وحده إلى القاهرة حيث فتحت له أبواب الشهرة
أعجب به محمد عبد الوهاب حين سمع لحنه لعبد المطلب بتسأليني باحبك ليه ، وبدأت بينهما صداقة منذ ذلك الوقت، وقدمته هذه الأغنية إلى الجمهور ثم أصبح واحدا من أشهر الملحنين في مصر 
عام 1946 تنتشر نبأ زواج محمود الشريف بأم كلثوم الذي لم يتم، وأزعج هذا النبأ الكثيرين ممن داروا في فلك أم كلثوم من أصحاب النفوذ، وانتهى الأمر بإعلان لاحق في الصحف بعدم إتمام الزواج. وكانت علاقته بها قد بدأت عندما تم اختيارها نقيبة للموسيقيين وكان في ذلك الوقت سكرتير عام النقابة، وكانت النقابة في ذلك الحين تجمعا شهد أسماء كبيرة مثل محمد عبد الوهاب. 

تم تكريمه من قبل الدولة في مصر في أكثر من مناسبة، كانت المرة الأولى في عهد الرئيس جمال عبد الناصر ثم في عهد الرئيس أنور السادات، وفي عام 1989 نال جائزة الدولة التقديرية
توفي في 29 يوليو عام 1990 عن 78 عاما ، تاركا رصيدا فنيا هائلا
ألحـــانه 
تميزت ألحان الشريف بأنها ألحان سلسة ، جادة تميزت بالشرقية الأصيلة
  نماذج من ألحان محمود الشريف  

- نشيد الله أكبر 
- اســأل علي - ليلى مراد
- البيض الأمارة - عبد الغني السيد
- القلب ولاّ العين - سعاد محمد
- إيه فكر الحلو بي - عبد الغني السيد
- بتسأليني باحبك ليه - محمد عبد المطلب
- بياع الهوى - محمد عبد المطلب
- تلات سلامات - محمد قنديل
- حسن يا خولي - غناء جماعى
- حلو و كداب - عبد الحليم حافظ
- رمضان جانا - محمد عبد المطلب
- زي البحر غرامك - محمد قنديل
- ع الحلوة و المرة - عبد الغني السيد
- عروس الروض - عبد الغني السيد
- ساكن في حي السيدة - محمد عبد المطلب
- ما بين البر و التاني – محمد قنديل
- هواك اسرار - محمد قنديل
- ودع هواك - محمد عبد المطلب
- يا اهل المحبة - محمد عبد المطلب 
- يا بيت ابويا معزتك في عيني - أحلام
- يا زين الاحبة - محمد قنديل
- يا سيدي أمرك - عبد الحليم حافظ
- يا عطارين دلوني - أحلام  
رمضان جانا - لحن محمود الشريف - غناء محمد عبد المطلب 


علا نجم محمود الشريف وازداد نشاطه خاصة خلال الأربعينات والخمسينات فقدم ألحانا عديدة للسينما والإذاعة ، بحث وتحرير د.أسامة عفيفي ، محمود الشريف
أفلام غنائية 

 الملاك الظالم - أنا بنت ناس - بائعة الخبز - طيش الشباب - عنترة بن شداد - غروب - مصنع الزوجات - موعد مع الحياة
أوبريتات إذاعية 

 الراعي الأسمر - ريا و سكينة - عذراء الربيع - قسم و أرزاق - لولي الندى - مرآة الساحر

الخميس، 12 نوفمبر 2009

أم كلثـــوم 1904 - 1975

كوكب الشرق أم كلثـــوم .. 
هكذا عرفها الملايين في العالم العربي على مدى نصف قرن من العطاء المتواصل والنجاح الباهر بصوتها الجميل وأدائها الرائع وتعبيرها الأخاذ وبأحب ما تغنى به الناس من كلمات وألحان
من فلاحة بسيطة في إحدى القرى إلى كوكب الشرق ، رحلة مليئة بالكفاح والإصرار على التفوق حتى آخر العمر. وفي وسط الحروب والصراعات والملوك والبسطاء غنت أم كلثوم لمجد الجميع ولرفعتهم وأنشدت ما اهتزت له مشاعر العرب شرقا وغربا على مدى عشرات السنين وشاركتهم أفراحهم كما واساتهم في أحزانهم
قيل في أم كلثوم أنه لم يجتمع العرب على شيء مثلما اجتمعوا في صوت أم كلثوم. أضحى الغناء بصوتها رمزا للعروبة إذ أنها كانت تتأنى كثيرا في اختيار ما تغنيه، ولم تكن تقبل إلا شعر كبار الشعراء قديمهم وحديثهم. وقد غذت أم كلثوم بأغنياتها فرعا هاما من فروع القومية العربية باستطاعتها توحيد الوجدان العربي وتعبيرها عن المشاعر العربية الأصيلة كلاما ونغما وأداء

ياللي كان يشجيك أنيني - أم كلثوم 
كلمات أحمد رامي - ألحان رياض السنباطي

وقد عرف عن أم كلثوم شخصيتها القوية واحترامها لنفسها ولفنها فاحترمها الملوك والزعماء كما احترمها عامة الشعب وأحبها الناس في كل مكان، وتفردت بمكانة عالية في الفن والمجتمع لم تصل إليها أية مطربة في الشرق
ولا شك أن النموذج الذي قدمته أم كلثوم يصب في خدمة الفن من عدة أوجه:
1 اختيارها للراقي من الكلمات وتفضيلها لشعر العربية الفصحى
ومن أهم قصائدها ولد الهدى، سلوا قلبي، نهج البردة لأحمد شوقي، رباعيات الخيام ترجمة أحمد رامي، أراك عصي الدمع لأبي فراس الحمداني و الأطلال لإبراهيم ناجي
2 اختيارها لأبرع الملحنين
وأهمهم محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب
3 حفاظها على الصورة المحترمة للفن
4 تطويعها للفن في خدمة قضايا أمتها العامة
5 إخلاصها لجمهورها بتقديم الجيد والجديد
رحلة أم كلثــوم 
 
البدايـــات الأولى 
عام 1904 ولدت فاطمة ابراهيم البلتاجي التي عرفت فيما بعد باسم أم كلثوم في قرية صغيرة قرب مدينة المنصورة تسمى طماي الزهايرة. لم يكن أحد يتوقع مستقبلا يذكر لطفلة أسرة فقيرة تقطن بقرية صغيرة ليس بها مدرسة واحدة ، لكن القدر خبأ لأم كلثوم مواعيد كثيرة

كان والد أم كلثوم الشيخ ابراهيم البلتاجي إمام مسجد القرية ، وإضافة لقراءته القرآن الكريم كان يحفظ الكثير من القصائد العربية والتواشيح الدينية التى كان أهل القرية والقرى المجاورة يدعونه لإنشادها فى المناسبات الدينية والاجتماعية. حفظت أم كلثوم عن والدها بعض القرآن وألحقها الشيخ بكتاب القرية ثم بمدرسة بمركز السنبلاوين القريب لتكمل حفظ أجزاء من القرآن ولتتعلم اللغة العربية. وكان يصطحبها وأخيها لليالي التي يحييها فحفظت عنه الكثير من التواشيح والقصائد 
عام 1917 بدأت أم كلثوم الغناء وهي فى الثالثة عشرة من عمرها مع فرقة أبيها متجولة في القرى والأرياف، غالبا سيرا على الأقدام، كمنشدة للتواشيح الدينية و القصائد، وكانت ترتدي الزي العربي متشحة بعقال على رأسها. وسرعان ما ظهرت موهبة أم كلثوم فأصبحت منشد الفرقة الأساسي. وتقول أم كلثوم أن الأسرة بدت وكأنها قد طافت بكل مكان في دلتا النيل قبل أن تضع قدما لها فى القاهرة التي نصحها الكثيرون بالذهاب إليها

مابين 1916 و 1919 التقت أم كلثوم باثنين من كبار الفنانين هما الشيخ أبو العلا محمد والشيخ زكريا أحمد، وقد استمع كلاهما إلى صوتها وامتدحا أداءها لكنها لم تتعامل معهما فنيا إلا عندما استقرت بالقاهرة
عام 1920 غنت أم كلثوم في القاهرة لأول مرة ثم عادت إلى قريتها مبهورة بأضواء العاصمة وأملت في العودة إليها مرة أخرى

الحياة في العاصمة
عام 1921 عادت أم كلثوم فعلا إلى القاهرة لتغني مع فرقة والدها وواتتها الفرصة لكي يسمع صوتها جمهور العاصمة وفنانوها مثل الشيخ علي محمود والشيخ علي القصبجى والد محمد القصبجي والشيخ أبو العلا محمد، وقد أعجب بصوتها وأصبح معلمها الأول ثم غنت بعض ألحان سبق له غناؤها بصوته، وشجعها على ارتياد مجالات جديدة في الغناء غير التواشيح

عام 1923 بدأت أم كلثوم في إحياء حفلات لبعض أعيان القاهرة التي تم ترتيبها بواسطة متعهدي الحفلات في العاصمة، وبدأ نجمها يسطع ودخلت في منافسة مع أشهر مطربات ذلك الوقت مثل نعيمة المصرية ، منيرة المهدية ، و فتحية أحمد

عام 1924 قدم الشيخ أبو العلا أم كلثوم إلى الشاعر أحمد رامي الذى تولى تعليمها أصول اللغة والشعر، وأظهرت استعدادا كبيرا للتعلم فتحسن مستواها وأضافت مهارات جديدة إلى مهاراتها الغنائية. ومع استعدادها الشخصي للتطور أتيحت لها فرصة اكتساب أسلوب حياة المدينة باختلاطها بسيدات الطبقة الراقية من خلال حفلاتها في العاصمة فغيرت من مظهرها وأسلوبها وأصبح لها كيان جديد
 

البدايات الكبرى 
عام 1924 كان عام البدايات الكبرى لأم كلثوم. في ذلك العام تعرفت على نخبة من صفوة الفنانين والشعراء كانوا لها أفضل معين على ارتياد الصحيح والجيد من آفاق الفن. ولم يكن هؤلاء مجرد معلمين لها بل ساهموا بشكل كبير في تشكيل شخصية أم كلثوم والانتقال بها من فتاة ريفية بسيطة إلى شخصية عامة، ومن هؤلاء من الملحنين الشيخ أبو العلا محمد والأستاذ محمد القصبجي ومن الشعراء أحمد رامي وأحمد شوقي


أم كلثوم تغنى للقصبجي
عام 1924 سجلت أم كلثوم بصوتها لإحدى شركات الاسطوانات أحد ألحان الموسيقار محمد القصبجي قبل أن تتعرف إليه هو طقطوقة
"قال إيه حلف ما يكلمنيش" مقام راست من كلمات أحمد رامي. وكمن عثر على كنز قرر صاحب الشركة تعريفها بالموسيقار صاحب اللحن فقدمها إليه ثم قام القصبحي بتدريبها بعد ذلك وتعليمها المقامات الموسيقية والعود، كما بدأ يلحن لها أغنيات خاصة بها. وحتى عام 1928 كان قد لحن لها 17 أغنية ما بين الطقطوقة والمونولوج منها ينوبك إيه من تعذيبي، قلبك غدر بي، تراعي غيري، أحبك وانت مش داري، ونشأت بينهما صداقة فنية استمرت حتى وفاته عام 1966

وقد يجدر بنا التوقف لحظة عند هذا الحدث قبل متابعة رحلة أم كلثوم، فإنه يظهر من متابعة أسلوب التعامل مع شركات الإنتاج في ذلك الوقت أنها كانت تقبل ألحانا من ملحنيها دون غنائها بواسطة مطرب معين، وتشتري من الملحن حق التصرف في اللحن بتسجيله وطبعه ونشره وإسناده أيضا إلى مطرب أو آخر ممن يتعاملون معها دون ضرورة للقاء الملحن والمطرب. وقد قام بهذا محمد القصبجي وزكريا أحمد، كما قام به قبلهم سيد درويش، وهذا هو سر غناء أم كلثوم بل تسجيلها لأحد ألحان القصبجي قبل أن تلتقى به

أم كلثوم تغني أغنياتها الخاصة
في نفس العام 1924 تعرفت أم كلثوم إلى طبيب أسنان يهوى الموسيقى هو أحمد صبري النجريدي، وغنت من ألحانه 13 لحنا منها قصيدة مالي فتنت بلحظك الفتان مقام بياتي من شعر علي الجارم، أنا على كيفك مقام بياتي من كلمات أحمد رامي، مونولوج الحب كان من سنين مقام جهاركاه، الفل والياسمين مقام نهاوند
والدكتور أحمد صبري هو أول ملحن يلحن لأم كلثوم ألحانا خاصة بها، إذ أنها قبل ذلك كانت تغني إما ألحانا سبق غناؤها بواسطة مطربين آخرين أو كما حدث مع محمد القصبجي تغني لصالح شركات الإنتاج ما يعرض عليها من ألحان

عام 1926 تكونت لأم كلثوم فرقتها الموسيقية بقيادة محمد القصبجي الذي اختار لها أمهر العازفين وبدأ يزودها بألحانه. ومع ازدياد نشاطها بدأ صوتها يلفت الانتباه وظهر اسمها في بعض الصحف ودخلت بذلك في منافسة قوية مع أكبر مطربتين من ذوات الألقاب الرنانة وهما سلطانة الطرب منيرة المهدية، وكانت لها فرقتها الغنائية والمسرحية الخاصة، ومطربة القطرين
(مصر وسوريا) فتحية أحمد، وقد غنت كلاهما لكبار الملحنين بمن فيهم سيد درويش نفسه، وبدأت مع الفرقة الحديثة تقديم حفلاتها على نفس الدور الكبرى التي شهدت حفلات المشاهير

عام 1928 أيضا غنت أم كلثوم أول أغنية لها من قالب المونولوج من ألحان القصبجي هى
"إن كنت اسامح" ولاقت نجاحا كبيرا. وكانت حتى ذلك الوقت قد غنت له مجموعة كبيرة من الأغاني بدءا من عام 1924 معظمها من كلمات أحمد رامي. وشهد نفس العام منافسة كبرى بينها وبين محمد عبد الوهاب ليس فقط من حيث الغناء بل من حيث تقديم الجديد الحديث، ولمحمد القصبجي الفضل الأول في هذه المنافسة الجديدة بألحانه المتطورة

عام 1926 بدأت أم كلثوم تسجيل بعض قصائد للشيخ أبو العلا كان قد سجلها بصوته، أشهرها
"أفديه إن حفظ الهوى" لابن النبيه المصري، مقام بياتي، "وحقك أنت المنى والطلب" لعبد الله الشبراوي، مقام هزام، "الصب تفضحه عيونه" لأحمد رامي، مقام بياتي، وأراك عصي الدمع لأبي فراس الحمداني، بلحن عبده الحامولي، مقام بياتي، التي أعاد تلحينها رياض السنباطي لأم كلثوم من مقام الكورد عام 1964 
ولنا وقفة قصيرة عند قصائد أبو العلا، فقصائد الشيخ قد سبق تقديمها قبل أم كلثوم ولم تكن ألحانا خاصة بها، وقد كان شائعا في أوائل القرن العشرين أن يقدم المطربون قصائد بعينها بصرف النظر عن تفرد أحدهم بها. وكانت المباراة بين المطربين تكمن في كيفية أداء نفس القصيدة وهنا تظهر موهبة وإمكانيات كل صوت. أما ما استجد بعد ذلك من تخصيص أغنيات معينة لكل مطرب لا يغني سواها فقد أدى إلى انعدام هذا النوع من المنافسة القوية وظهور مطربين لا يجيدون غناء أي شيء إلا ما تم وضعه تحديدا لهم حسب إمكانيات أصواتهم ولن ينافسهم فيها أحد، وإلى أن وصل الحال مع نهاية القرن العشرين إلى دخول غير الموهوبين ميدان الغناء مما أحدث كثيرا من الفوضى الغنائية

عام 1930 شهد بداية طفرة كبيرة استمرت حتى عام 1932 في إنتاج أم كلثوم من حيث كم الأغاني وعدد الملحنين، فقد قدمت في تلك الفترة القصيرة أكثر من 50 أغنية جديدة. وغنت في نفس الوقت لثلاثة ملحنين هم محمد القصبجي، داود حسني، وزكريا أحمد. ولم يستمر هذا الوضع طويلا فقد فضلت أم كلثوم بعد ذلك الاقتصار على ملحن واحد لفترة زمنية طويلة تنتقل بعده إلى ملحن آخر لفترة أخرى، ماعدا فترة الأربعينات حيث كانت تغني للثلاثة الكبار معا، القصبجي وزكريا والسنباطي، والستينات التي شهدت تنافسا كبيرا بين ثلاثة أيضا هم محمد عبد الوهاب والسنباطي وبليغ حمدي
 
أم كلثوم تغني لداود حسني
قدم الموسيقار داود حسني عشرة ألحان من قالب الدور لأم كلثوم، منها
"شرف حبيب القلب" مقام حجازكار، "البعد علمني السهر" مقام بياتي، "يوم الحنة" مقام راحة أرواح، "قلبي عرف معنى الأشواق" مقام صبا، "كنت خالي" مقام بياتي، وطقطوقة واحدة هى "جنة نعيمي" مقام حجازكار. وداود حسني وهو أحد اثنين من أساتذة الموسيقى الأكاديميين الكبار ثانيهما هو كامل الخلعي، ظهرا قبل عصر سيد درويش واستمرا بعده

الشيخ زكريا يلحن لأم كلثوم
عام 1931 غنت أم كلثوم لأول مرة من ألحان الشيخ زكريا أحمد
"اللي حبك يا هناه" وهي طقطوقة من مقام الراست من كلمات أحمد رامي. وفي خلال عامي 1931 و 1932 غنت من ألحانه 15 أغنية منها خمسة أدوار من الأدوار التسعة التى لحنها زكريا لأم كلثوم أشهرها "ياقلبي كان مالك" مقام راست ، "هوه ده يخلص من الله" مقام زنجران و "إمتى الهوى" مقام راحة أرواح

أم كلثوم تجرب التلحين
عام 1932 أضافت إلى قائمة ملحنيها ملحن جديد هو أم كلثوم نفسها، فقد قامت بوضع أول لحن لها في طقطوقة
"على عيني الهجر"، مقام راست، وكررت تجربة التلحين مرة أخرى في مونولوج "يا نسيم الفجر" عام 1934 لكنها توقفت عن التلحين تماما بعد ذلك. وربما أدركت من تلك التجربة أنها لن تصل في التلحين إلى قمة ما، وتعلمت أن التلحين موضوع مختلف تماما ومن ثم اقتصر نشاطها على الغناء

عصر الإذاعة والحفلات
عام 1934 دعت الإذاعة المصرية أم كلثوم للمشاركة في افتتاح الإذاعة بصوتها
في نفس العام بدأت إقامة حفلات شهرية استمرت كتقليد منتظم لمدة 40 عاما حتى عام 1973، وفي تلك الحفلات كانت تقدم أغنياتها الجديدة، ولاقت تلك الحفلات نجاحا استقطب الجمهور من جميع البلاد العربية
وكان فضل الإذاعة كبيرا على أم كلثوم حيث ظلت تنقل حفلاتها الشهرية مباشرة على الهواء فى الخميس الأول من كل شهر فسمعها الملايين في كل مكان

ظهور السنباطى
عام 1936 غنت أم كلثوم لرياض السنباطي لأول مرة من كلمات أحمد رامي
"على بلد المحبوب" مقام بياتي. وقد أدى ظهور السنباطي في حياة أم كلثوم الفنية إلى مرحلة جديدة في فن أم كلثوم تقودها ألحانه استمرت لأربعة عقود حتى عام 1973، وهو الملحن الوحيد الذي استمر يلحن لها بانتظام دون انقطاع تقريبا
أم كلثوم في السينما
عام 1936 ظهرت أم كلثوم في أول فيلم سينمائي بعنوان وداد قصة أحمد رامي قامت ببطولته تمثيلا وغناء، تلته خمسة أفلام أخرى قدمت فيها العديد من الأغاني لكبار الملحنين كان آخرها فيلم فاطمة 1947 وهو آخر ظهور لها في السينما ، والأفلام هي
وداد         1936 
نشيد الأمل 1937

دنانير       1940
عايدة       1942

سلاّمة      1945
فاطمة      
1947

وقد يكون من المناسب هنا عقد مقارنة بين كل من عبد الوهاب وأم كلثوم في ظهورهما في السينما فهناك ملاحظات لافتة للنظر

...................          عبد الوهاب               أم كلثوم 

عدد الأفـلام                   7                           6
فترة الظهور         1933 - 1947           1936 - 1947
تمثيل وغناء                  7                           6
غنــــاء فقط                  2
(بعد 47)                 --
صـوت فقط                   1
( بعد 47)                1 (بعد 47)
نوع الغنــاء                خفيف                       خفيف
الألحــــــان           عبد الوهاب فقط               3 ملحنيــن 


من هذه المقارنة يتضح لنا اقتراب كل المؤشرات من بعضها وقد اجتمع الاثنان في أن أهم أعمالهما وهي القصائد الكبرى كانت خارج نطاق السينما، ماعدا مؤشر واحد هو أخطرها جميعا، فتكفي نظرة سريعة إلى الفرق في الألحان لندرك من هو محمد عبد الوهاب، إذ أنه لم يكن يواجه فقط منافسة صوت أم كلثوم وإنما مع صوتها ثلاثة ملحنين فطاحل هم محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي ، وقد أثبت بذلك أنه مدرسة مستقلة متكاملة!

من أشهر أغاني أم كلثوم في السينما
"عن العشاق سألوني"، مقام شوق أفزا، "سلام الله"، مقام راست، "قوللي ولا تخبيش يا زين"، مقام هزام، و"غني لي شوي شوي" مقام راست، وجميعها من فيلم سلاّمة ومن ألحان زكريا أحمد وكلمات بيرم التونسي

عام 1938 غنت أم كلثوم آخر ما قدمه الشرق من الأدوار الغنائية التي ابتدع قالبها محمد عثمان في القرن التاسع عشر، وهو دور
"عادت ليالي الهنا" لزكريا أحمد مقام بياتي، من كلمات أحمد رامي. ولا يذكر بعد هذا الدور أية أدوار جديدة لها أو لغيرها من المطربين، وهو أحد تسعة أدوار أبدعها لها الشيخ زكريا أشهرها "هوه ده يخلص من الله" من مقام الزنجران، المقام الذى ابتكره الشيخ سيد درويش، و"إمتى الهوى" مقام راحة أرواح. ويضاف إلى قائمة أدوار زكريا لأم كلثوم أدوار داود حسني العشرة، أما الملحنين الآخرين فلم تغن لأحد منهم من ذلك القالب

عام 1939 قدم رياض السنباطي شيئا جديدا رقيقا لأم كلثوم في أغنية
"فاكر لما كنت جنبي" من كلمات أحمد رامي، مقام بياتي، وبدت أم كلثوم في هذا الرداء الجديد بأداء جديد. والأغنية ليست من نوع الطقاطيق الخفيفة كما أنها ليست قصيدة وليست من قالب الدور في شيء، وبدأت معها سلسلة من أغاني أم كلثوم العاطفية المطولة لكنها حديثة الروح والقالب استمرت بعد ذلك لسنوات طويلة من صنع رياض ورامي. لكنها لم تكن سهلة التحقيق فقد مرت سنوات قبل أن يقدم السنباطي لحنه الثاني في تلك السلسلة "غلبت اصالح" عام 1946 ثم اللحن الثالث "ياللي كان يشجيك أنيني" عام 1949 ثم "سهران لوحدي" 1950 و"جددت حبك ليه" 1952 إلى آخر السلسلة التي استمرت في الستينات أيضا
لم يتوقف السنباطي تماما بعد 1939 عن التلحين لأم كلثوم فقد قدم لأم كلثوم ليلة العيد عام 1940 لكنه بقي بعيدا حتى عام 1945 حين عاد إليها في فيلم سلاّمة بلحن "أحب القس سلاّمة"، ثم كان عليه أن ينتظر عاما آخر ليفجر ينابيعه الكبرى الثلاث من شعر أحمد شوقي، سلوا قلبي 1946، "نهج البردة" و"ولد الهدى" 1949
ويعود تأخر ظهور السلسلة العاطفية لثنائي السنباطى وأحمد رامي لسببين هامين
  • أولهما أن هذا الثنائي، على قدرته، لم يستطع مواجهة التيار الجارف الذي شكله الثنائي الخطير زكريا أحمد وبيرم التونسي اللذين قادا موجة أم كلثوم لقرابة عقد كامل سيطرا فيه على الساحة الفنية بأغاني أم كلثوم التي اعتمدت على خلفيات موغلة في الشعبية كلمة ولحنا أكسبتها المكان الأقرب إلى قلوب الجماهير
  • ثانيهما انشغال أم كلثوم بالسينما تمثيلا وغناء من ألحان الشيخ زكريا والقصبجي
شكل تيار الشيخ زكريا - بيرم تنوعا من الأعمال العاطفية والدرامية في سلسلة كلها من أبدع ما أنتجت الموسيقى العربية
أما أغنية
"يا ليلة العيد" لحن السنباطي وكلمات أحمد رامي فقد أضحت من معالم الاحتفال بليلة العيد في الأقطار العربية، وكتبت أصلا للتهنئة بالعيد قائلة في مطلعها "يا ليلة العيد آنستينا وجددتي الأمل فينا"، وقد اشتركت كأغنية عيد مع رائعة زكريا أحمد "الليلة عيد" من كلمات بيرم التونسي وهي في الأصل أغنية عاطفية تبدأ "حبيبي يسعد أوقاته" لكنها عبقرية الشيخ زكريا التي حولت المقطع "الليلة عيد .. ع الدنيا سعيد" إلى مناسبة اجتماعية وفرح شعبي يتغنى به الناس ليلة ظهور هلال العيد كل عام
 
أعمال ثنائي زكريا - بيرم لأم كلثوم في الأربعينات
1941 كل الأحبة - راسـت - أغنية
1941 أنا وانت - هـــزام - أغنية
1942 أنا في انتظارك - حجـــاز - أغنية
1943 الآهات - هـــزام - أغنية
1943 حبيبي يسعد أوقاته - بيــاتي - أغنية
1943 اكتب لي - بيــاتي - أغنية
1943 احنا احنا وحدينا - راحة أرواح - ديالوج
1944 الأوله في الغرام - حجــاز - أغنية
1944 أهل الهوى - نهاوند - أغنية 
1945 عن العشاق سألوني - شوق أفزا - دراما سينمائية
1945 قوللي ولا تخبيش يا زين - هـــزام - دراما سينمائية
1945 غني لي شوي شوي - راسـت - دراما سينمائية
1946 الأمل - راسـت - أغنية
1946 الحلم - سوزناك - أغنية
1947 جمال الدنيا - شـوري - دراما سينمائية
1947 نصرة قوية - راسـت - دراما سينمائية
1947 الورد جميل - هـــزام - دراما سينمائية 

ســـر أحمد رامي
هناك ملاحظة جديرة بالتسجيل في أعمال أم كلثوم، فرغم اختلاف الملحنين وتقاسمهم فترات التلحين لها إلا أن الشاعر أحمد رامي كان القاسم المشترك بينهم، وقد لحن كلماته لأم كلثوم منذ عام 1924 وحتى عام 1972 كل من أحمد صبري النجريدي ، محمد القصبجي ، داود حسني ، زكريا أحمد ، رياض السنباطي ، محمد عبد الوهاب ، وسيد مكاوي ، وقد بلغ ما كتبه لها عدة مئات من الأغانى على مدى نصف قرن من الزمان

عام 1941 رق الحبيب - محمد القصبجي
في ذلك العام تم الاختراق الفني الأكبر لجدار أم كلثوم القديم الذي أحاط بأم كلثوم من كل جانب على يد الموسيقار محمد القصبجي، وقد تم له ما أراد ليس فقط في كسر الحصار بل والتفوق على منافسيه في رائعته الرومانسية
"رق الحبيب" من مقام النهاوند التي جابت شهرتها الآفاق. وربما ساهمت في إفاقة الناس من الانغماس الشديد في أجواء التطريب والسلطنة إلى التحليق في سماء التعبير وارتقاء درجات جديدة في التطور الموسيقى، وتعتبر بحق من أفضل كلاسيكيات الموسيقى العربية. وعشاق تلك الأغنية لا يملون سماعها حتى لو أعيدت عشرات المرات لما لها من جاذبية في اللحن والأداء وهي قمة في اللحن والموسيقى الشرقية لا تتقادم رغم مرور الزمن، وبها صعدت أم كلثوم إلى مكانة أعلى في الغناء ولم يعد أحد قادرا على اللحاق بها فضلا عن منافستها

ورغم ذلك فإن تلك الأغنية كانت ختام ألحان القصبجى الطويلة لأم كلثوم، وقيل عن القصبجي في أسباب توقفه عن التلحين لأم كلثوم عام 1947 أنه قد نضب فنه ولم يعد قادرا على تقديم ألحان جديدة، لكنا نعتقد أن هذه تهمة باطلة القصبجي برئ منها تماما. ولا يعقل أن من يجود بلحن كهذا تفلس قريحته فجأة عن غير مرض يصيبه في صميم عقله ونفسيته وهو الملحن الموهوب معلم الأساتذة وسابق عصره في التطوير والتحديث
وقد أشرنا في مواضع أخرى من هذا الموقع إلى ألأسباب المحتملة لذلك التوقف، وقد تكون لنا فيه عودة إن استلزم الأمر

عام 1946 بداية القصائد الكبرى
شهد عام 1946 بداية القصائد الكبرى لأم كلثوم وشهد عودة السنباطي للتلحين لأم كلثوم، وقد قدمت سلسلة من ثلاث قصائد لأمير الشعراء أحمد شوقي من ألحان رياض السنباطي اعتلت بها قمة جديدة ليس فى الغناء الشرقي فقط بل في تقديم نفسها كشخصية ثقافية مؤثرة في العالم العربى، فقد كانت أصداء شعر شوقي تعبر مسافات كبيرة في الجغرافيا والتاريخ بسرعة الصوت على موجة صوت أم كلثوم الشجي فتدخل القلوب وتهز المشاعر
فقصيدة 
سلوا قلبي تتحدث عن المجد العربي الإسلامي بكل فخر واعتزاز كما أنها تدعو للصبر عند الشدائد وتحفز الهمم لاعتلاء قمم المجد القديم وتعزز من شعور الناس بقوميتهم. أما نهج البردة فهي على نمط قصيدة البردة التاريخية في مدح الرسول الكريم، وقصيدة ولد الهدى تتحث في نفس الموضوع. ولا شك أن هذه الأفكار قد تلقاها الناس بكل ترحاب بل ساعدتهم على إذكاء روح الانتماء إلى الشخصية العربية الأصيلة ذات الجذور التاريخية العميقة وذات التأثير في تاريخ العالم كله، وذلك في وقت سادت فيه القوى الأجنبية التي احتلت معظم أنحاء العالم العربي وحاولت محو الهوية العربية تماما في بعض أجزائه

عام 1946 شهد أيضا مولد ثاني أغنية عاطفية طويلة لأم كلثوم من ألحان رياض السنباطي الذى تألق أيضا في هذا الميدان كملحن فذ،
"غلبت اصالح في روحي" مقام نهاوند من كلمات أحمد رامي
عام 1947 آخر أفلام أم كلثوم
قدمت أم كلثوم آخر أفلامها فاطمة في ذلك العام عن قصة مصطفى أمين وقامت ببطولته تمثيلا وغناء أمام أنور وجدي، وبه عدد من الأغاني الدرامية 
جاءت أغنية "ح اقابله بكرة" مقام راست من تلحين رياض السنباطي كاستمرار لنموذج الأغنية الخفيفة السريعة المتطورة لحنا وإيقاعا، وهو النموذج الذي ابتدعه وبرع فيه محمد القصبجي 
ولنتوقف قليلا عند أغنية "نصرة قوية" لزكريا أحمد ولنتأمل صوت أم كلثوم الممتد في ختام تلك الأغنية لنعرف لماذا يقال عن صوت أم كلثوم أنه معجزة، إن هذا الختام وحده يكفل لها استحقاق هذه الصفة
عام 1947 أيضا غنت أم كلثوم من ألحان الشيخ زكريا احمد أغنيتها الشهيرة
"الورد جميل" وهي لا تزال تذاع لليوم، أغنية وصفية يصف فيها بيرم التونسي لغة الزهور وألوانها ويقابل فى تأملات فلسفية بينها وبين لغة البشر وتعبيراتهم 
بعد ذلك العام خلت ساحة أم كلثوم لثنائي رياض - رامي من جديد بعد أن اختلفت مع كل من القصبجي وزكريا أحمد لأسباب مختلفة جاء ذكرها على صفحات كل منهما

عام 1949 قدمت أم كلثوم لحنين من روائع الألحان العربية أحدهما
"ياللى كان يشجيك أنيني"، مقام كورد، وهي أغنية غاية في العذوبة تقطر شرقية، وإن عابها من ناحية الكلمات نموذج المحب الذليل خاصة في البيت "عزة جمالك فين من غير ذليل يهواه". ولا شك أن هذا الذل الصريح لم يكتب له الحياة طويلا في دنيا الفن في ظل القيم التحررية الصاعدة وكان نموذجا من الماضي بكل المقاييس. أما لحنا فقد شكلت في مجملها مع سابقتيها "غلبت اصالح" و"فاكر لما كنت جنبي" قاعدة أساسية لما سارت عليه ألحان السنباطي العاطفية لأم كلثوم بعد ذلك إذ أنه لم يخرج كثيرا عن الخطوط العريضة التي وضعها في تلك الألحان الثلاثة. وقد أحبت أم كلثوم هذا اللون من الغناء وأصبح أسلوبها المفضل في الغناء العاطفي لعقدين من الزمان، ويظهر في أغاني السنباطي تلك كثير من أساليب محمد القصبجي الذي تأثر به السنباطي كثيرا

عام 1949 رباعيات الخيام
رباعيات الخيام نقلة نوعية كبيرة في الأغنية العربية، فهي أولا تراث مترجم وليس عربي الأصل، وشاعرها الأصلي هو الشاعر الفارسي عمر الخيام، لكن يجمع بين الثقافتين الثقافة الإسلامية الواضحة في المعاني فبينما يشترك كل البشر في نفس التساؤل في الأبيات
 
لبست ثوب العيش لم أســتشر وحرت فيه بين شتى الفكـر
وسوف أنضو الثوب عني ولم أدرك لماذا جئت أين المفـر
فإن الإجابة بالقطع إجابة إسلامية كما يظهر في الأبيات
إن لم أكن أخلصت في طاعتـك فإنني أطمع في رحمتــــك
وإنمـــــا يشــــــفع لي أنني قد عشت لا أشرك في وحدتك

وقد ترجمها عن الفارسية الشاعر أحمد رامي الذي صاغها في هيئة رباعيات أي في مقاطع صغيرة كل منها يتكون من أربع شطرات على قافية واحدة ماعدا الثالثة منها، وكل مقطع يأتي على نفس النمط ولكن بقافية جديدة. وهو شكل جديد في القصيدة العربية أقرب إلى أشكال الزجل منه إلى القصيدة العمودية التقليدية
بانضمام هذه القصيدة الفلسفية إلى قائمة قصائد أم كلثوم الدينية لشوقي أصبح لها رصيد ثقافي هائل امتلكت به أدوات الرقي والسمو والترفع عن اللهو. وأضاف ذلك الرصيد ايضا إلى مكانة الملحن، وبذلك ضمت قافلة الرواد ملحنا جديدا وميدانا جديدا جعلت للفن والفنانين عموما صورة جديرة بالاحترام ومكانة عالية بين الناس
وقد صاغ السنباطي لحن الرباعيات من مقام الراست الشرقي الأصيل ولكنه تنقل بين المقامات على طول القصيدة، وهي لحنا من أمتع ما يستمع إليه من موسيقى عربية
للحديث بقية ، تابع معنا رحلة أم كلثوم الشيقة ، بحث وتحرير د.أسامة عفيفي ، أم كلثوم

رياض السنباطي 1906 - 1981

رياض السنباطي .. فنان موسيقي وملحن من الدرجة الأولى 
قدم خلال حياته أرقى ما يمكن من كلاسيكيات الموسيقى العربية، وحفر اسمه في سجل الخلود الفني مع كبار الموسيقيين والملحنين بموهبته ومجهوده وإخلاصه
اقترن اسم السنباطي باسم أم كلثوم وبتلحين القصائد وهو أبرع من لحن القصيدة ومن ألحانه كان أفضل ما غنته كوكب الشرق، وإليه ينسب الفضل في انتشار قصائد عربية عظيمة لم تكن لتنتشر لولا ألحانه، كما اشتهر بالألحان الرومانسية العذبة التي لحنها لأم كلثوم من كلمات فارس الرومانسية الغنائية أحمد رامي
احتفظ السنباطي بمكانة عالية في سماء الفن طوال عمره الفني واستمر عطاؤه حتى السبعينات من القرن العشرين

شمس الأصيل - أم كلثوم 
كلمات بيرم التونسي - ألحان رياض السنباطي

ورياض السنباطي فنان موهوب بلا شك لكنه محظوظ أيضا! فقد ولد لأب فنان علمه بنفسه مبادئ الموسيقى والعزف على العود في مدينة المنصورة ونشأ في رعايته الفنية، وهو بهذا يختلف عن معظم الرواد الموسيقيين الكبار الذين عانوا الكثير بسبب رفض أسرهم اشتغالهم بالفن، بل مجرد هوايته! ويشترك في ذلك مع محمد القصبجي الذى كان والده موسيقيا، لكن هذا لم يكن وجه الاشتراك الوحيد مع محمد القصبجي كما سيتضح لنا فيما بعد
بدأ رياض التجريب مبكرا كمطرب فعرف بأدائه الرائع وكان معجبا بألحان محمد القصبجي فحفظ له الكثير ثم انتقل رياض إلى القاهرة والتحق بمعهد الموسيقى

عام 1936 أول ألحان رياض لأم كلثوم - على بلد المحبوب 
ابتسم الحظ لرياض السنباطى عندما التقطته أم كلثوم لنفسها ملحنا وكان قد بدأ يلحن لبعض المطربين والمطربات، وحتى ذلك الوقت لم يكن قد لحن لأم كلثوم غير بضعة ملحنين أهمهم محمد القصبجي وزكريا أحمد وهم من فطاحل الموسيقى فكان السنباطي أصغرهم سنا. وحققت أول أغنية لحنها لها من كلمات أحمد رامي نجاحا كبير وهي على بلد المحبوب وديني مقام بياتي. 

ومنذ ذلك الوقت اقترن اسمه باسم أم كلثوم، واستمر في التلحين لها حتى بلغت ألحانه لها أكثر من 90 أغنية على مدى ما يقرب من أربعة عقود آخرها الثلاثية المقدسة عام 1972، وهو بذلك صاحب أطول قائمة ألحان لأم كلثوم بين جميع من لحنوا لها
وقد كون السنباطي في هذه الرحلة مع أم كلثوم وأحمد رامي الذي اقترن اسمه باسمها أيضا، ثالوثا فنيا هز مشاعر الملايين فى العالم العربي
وبعد بضعة أعمال لأم كلثوم حقق رياض نجاحا أكبر مع أغنية افرح يا قلبي مقام نهاوند من كلمات أحمد رامي أيضا وإن ظهر فيها تأثره بأسلوب الأستاذ القصبجي   
عام 1938 سلوا كئوس الطلا 
 كان قد سبق لرياض تلحين قصيدتين من شعر أحمد شوقي لأم كلثوم لكن سلوا كئوس الطلا مقام هزام كان لها حظ أوفر من النجاح، وفي نفس العام قام بتلحين بضع أغنيات لأم كلثوم من شعر أحمد رامي لاقت نجاحا كبيرا أشهرها أغنية الورد فتح مقام بياتي، ومونولوج النوم يداعب جفوني مقام كورد
عام 1939 فاكر لما كنت جنبى 

تابع رياض ألحانه لأم كلثوم فلحن لها أول أغنية طويلة هي "فاكر لما كنت جنبي" مقام بياتي من كلمات أحمد رامي، ورسم بها ملامح شخصية مستقلة في التلحين، وظلت هذه الأغنية تذاع باستمرار قرابة ربع قرن دون أن يملها الجمهور، وظلت الصورة التي صورها بالشجن الشديد فى بداية الأغنية ثم في كلمات الموجة تجري ورا الموجة عايزة تطولها عالقة بأذهان الناس لفترة طويلة  
يا ليلة العيد - أم كلثوم

عام 1940 يا ليلة العيد 
شهد عام 1940 مولد أغنية أم كلثوم الشهيرة يا ليلة العيد آنستينا وجددتي الأمل فينا على يد رياض السنباطي من كلمات رامي، وقد صاحب إعلان ظهور هلال العيد إذاعة تلك الأغنية كل عام، وباتت من علامات الاحتفال بمقدم العيد. بعدها بثلاث سنوات أبدع الشيخ زكريا أغنية الليلة عيد (حبيبي يسعد أوقاته) من كلمات بيرم التونسي وأصبحت الأغنيتان من علامات احتفالات العيد كل عام وهما أول شيء تذيعه الإذاعات العربية بعد إعلان رؤية الهلال، بل أصبحتا دليل الناس على ثبوت الرؤية. وتضيف ألحانها البديعة بهجة خاصة لليلة العيد، وهما لا تذاعان الآن إلا في هذه المناسبة وينتظر سماعها الناس لتبدأ التهاني، وبهما خط السنباطي وزكريا خطوطهما في الوجدان العربي ونجحا في كسب تعلق الجمهور

في السنوات التالية انشغلت أم كلثوم بعدة أغان غاية في الثراء للشيخ زكريا من أشعار بيرم التونسي، وخلال الأربعينات كان على رياض منافسة ذلك العملاق، الملحن الذى يخشاه الجميع، الشيخ زكريا الذي بلغت ألحانه لأم كلثوم قمة الشرقية والطرب، وكان قد كون مع بيرم التونسي ثنائيا عبقريا وتميزت أعمالهما بغوصها في أعماق الفولكلور والجذور الشعبية للموسيقى ذات التأثير البالغ في قلوب الناس، وتكفي الإشارة هنا إلى بضع من أعمالهما لأم كلثوم، أنا في انتظارك، الآهات، حبيبي يسعد أوقاته، أهل الهوى، الأوله في الغرام، الأمل، الحـلم، وهي مجموعة من أروع ما لحن زكريا
كما كان عليه منافسة عملاق آخر هو أستاذه محمد القصبجي الذي أتحف الشرق برائعته رق الحبيب لأم كلثوم عام 1941
 
عام 1946 عام القمـــة  
بداية الرومانسيات الطويلة و القصائد الكبرى  
شهد ذلك العام مولد أغنيتين شهيرتين لأم كلثوم من كلمات أحمد رامي على يد رياض السنباطي هما يا طول عذابي، و غلبت اصالح في روحي التي رد بها السنباطى على رائعة القصبجي رق الحبيب من نفس المقام، نهاوند، ويبدو أننا كنا سوف نشهد مسلسلا رائعا من الألحان المتنافسة بين الملحنين الكبيرين لولا توقف القصبجي عن التلحين لأم كلثوم بعدها إثر خلاف بينهما

أرست هذه الأغنية قدمي السنباطى في تلحين الأغنيات العاطفية الطويلة وأصبح له كلمة عليا فيه، بل أصبحت ألحانه العاطفية لأم كلثوم ذات طابع خاص اتسم بالشرقية الأصيلة والمحافظة على الأصول العربية للموسيقى مع جمال اللحن وحداثة تراكيبه، رددها الناس كثيرا وحفظوها عن ظهر قلب على طولها! وكانت بداية سلسلة طويلة من الأغنيات العاطفية التي شحنها الشاعر الرقيق أحمد رامي بكل رومانسيات الشباب وأحلامه ورقة شعوره، وحلق الاثنان فيما بعد في سماء الرومانسية دهرا طويلا بل إن أم كلثوم ظلت لا تغني إلا لهما ما يربو على العشر سنوات

القصائد الكبرى ولد الهدى ، سلوا قلبي ، نهج البردة 
ابتسم الحظ مرة ثالثة لرياض السنباطي عندما اهتدى إلى شيء جديد يقدمه لأم كلثوم، فقد وارى قليلا أغنياته الرومانسية وقفز قفزة هائلة بثلاث قصائد طويلة من أروع ما كتب شوقي هي سلوا قلبي، نهج البردة 1946، ولد الهدى 1949، بالإضافة إلى رباعيات الخيام ترجمة أحمد رامي في نفس العام
سلوا قلبي - أم كلثوم 

ظهرت في تلك القصائد روح جديدة في الأغنية العربية تميزت بالأصالة والجدية والتجديد ونالت إعجاب المستمع العربى في كل مكان. هنا أصبح رياض ملحنا كبيرا بحق وشتان بين ما قدمه في هذه القصائد وما قدمه قبل ذلك. وقد أضاف شعر شوقي بعدا جديدا هو الجمهور العربي خارج مصر الذي تعلق بالقصيدة العربية. ولا ننسى هنا أن الأفق العربي كان قد ارتاده محمد عبد الوهاب ملحنا ومطربا بقصائد شوقي وغيره، والتنافس بين قمتي الغناء عبد الوهاب وأم كلثوم يحتم عليهما ارتياد نفس الساحات والميادين، ولا شك أن نتيجة هذا التنافس كانت في صالح الفن عموما كما أنها أثرت الوجدان العربي بما كان يتوق إلى التعبير عنه بعد عهود طويلة من سيادة الثقافات الغريــبة ، وكما يقال فإن الشعر يظل حبيس الكتب إلى أن يغنى فيعرفه من يقرأ ومن لا يقرأ، فإذا علمنا أن أكثر من 90% من الشعوب العربية كانوا أميين ندرك أهمية ما فعله الفنانون سواء ملحنون أو مطربون فى نشر الثقافة العربية ومساعدتها على تملك الشعور العام

وهكذا فإن دور السنباطي فى هذا المجال لا يقل عن دور محمد عبد الوهاب تلميذ شوقي ووسيلته الإعلامية الأولى، ولا يقل دور الاثنين، وأم كلثوم أيضا، عن دور شوقي نفسه وبقية الشعراء الكبار الذين أثروا عصر النهضة بأشعارهم. وكان عبد الوهاب لا يكتفى بإنشاد قصائد مثل دمشق وفلسطين وإنما كان يجوب البلاد العربية بنفسه ويشارك الأمة كلها في إعلاء ثقافتها، ولا عجب في أنه قبل ذلك الحين لم يكن هناك فن حديث يذكر فى أي من بلاد العرب، ولم يبق لدى الناس غير بعض الفن الشعبي المحلي بلهجات غارقة في المحلية، وبعض الموشحات الأندلسية القديمة والابتهالات الدينية

وإنه لعجب حقيقي أن مثل هذا الدور يقوم به أفراد، مهما بلغوا من شأن فهم أفراد لا يمثلون كيانا سياسيا ولا حكومات ولا منظمات ولا حتى جمعيات أهلية أو أجهزة إعلام، فقط أفراد لكنهم تمتعوا بحس عربي عال وجعلوا الموسيقى العربية تحمل لواء نهضة ثقافية يشك في بلوغها دونها. 

وربما من المناسب هنا أن نذكر أنفسنا بأن محاولات طمس الفنون هي محاولات رجعية لا ينتج عنها سوى الجهل والتخلف والتبعية للغير تركياً كان أم أمريكياَ ، وليس لها من فضل سوى طمس هويات الشعوب ودفن وجدانها تحت أقدام الهيمنة الخارجية فيصبح أفرادها أمواتا وإن أكلوا وشربوا وتنفسوا، أو عبيدا للغير في أحسن الأحوال!

عودة إلى الفنان رياض السنباطي نجد أنه، وبمساعدة توفيق أم كلثوم في اختياراتها الذكية لما تقدمه من أشعار راقية وقد وجدت فيه الملحن الموهوب الذي يستطيع تطويع الشعر العربي للحن والموسيقى بحيث يردده الناس وكأنهم يستخدمون لهجاتهم اليومية، قد عهدت إليه بمهمة تلحين القصائد
عام 1947 يبتسم الحظ ابتسامته الكبرى لرياض السنباطي، فقد اختلفت أم كلثوم مع كل من القصبجي وزكريا وتوقف كلاهما عن التلحين لها، وبذلك أصبح رياض الملحن الوحيد لأم كلثوم بلا منافس!

لكن كان عليهما معا منافسة الأستاذ القابع فوق القمة، محمد عبد الوهاب، فقد كان عبد الوهاب ملحنا ومطربا ولم تكن هناك فرصة لخلافه إلا مع نفسه، وهو يسير كالقاطرة لا يوقفه شيء، وهكذا وجد السنباطي نفسه وجها لوجه في مباراة مع الأستاذ الكبير، ولعل مجموعة قصائد شوقي التى غنتها أم كلثوم كانت في سياق ذلك التنافس مع عبد الوهاب الذي كان قد أطلق مجموعة قصائده الكبرى التي رفعته إلى قمة الموسيقى العربية ومنها الجندول ، الكرنك ، كليوباترا ، دمشق 


عام 1947 ح اقابله بكرة
وفق رياض السنباطى في لحن في منتهى الرشاقة لأم كلثوم من كلمات أحمد رامي هو ح اقابله بكرة مقام راست وتميزت مقدمته الموسيقية القصيرة بتصوير عال للهفة وفرحة اللقاء أعقبها استهلال غناء أم كلثوم بجمل قصيرة متدافعة أكملت الصورة الشاعرية المتدفقة ، ولو أنه كا ما زال متأثرا بأسلوب القصبجي إلا أن القصبجي كان سابقا لعصره ولم يعب السنباطي أبدا اللحاق بأستاذه على درب التجديد والذي سبقه في التلحين لأم كلثوم باثني عشر عاما

في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات ظهرت مجموعة أغان قصار بصوت أم كلثوم اشتركت جميعها بالحداثة والسرعة والخفة إلى جانب قصرها غير المعتاد، فطول كل منها بضع دقائق لا غير. وتشابهت تلك الأغاني كثيرا في أسلوب تلحينها وقد لاقى ذلك الأسلوب قبولا كبيرا لدى الجمهور ، وفوق ذلك فقد تشابهت أيضا في أنها استمرت تذاع بصفة مستمرة لعشرات السنين وكأنها صنعت لتوها. تلك المجموعة كان منها لرياض افرح يا قلبي 1937 مقام نهاوند، و ح اقابله بكرة 1947 مقام راست، ومنها للقصبجي ما دام تحب بتنكر ليه مقام نهاوند 1940 و يا صباح الخير 1947 مقام راست ، وأكمل زكريا القائمة لتصبح مجموعة متميزة في تاريخ أم كلثوم الفني، ويبدو أن ذلك النموذج من الأغاني قد استهوى الملحنين الكبار فى ذلك الوقت حتى أنه يصعب على المستمع التمييز بينها على أساس الملحن، على عكس الأغنيات الطويلة حيث المجال أوسع لإظهار شخصية الملحن وأضاف القصبجي إلى تلك المجموعة في نفس الفترة أغنية رشيقة أخرى ولكن بصوت أسمهان هى إمتى ح تعرف اعتمدت نفس الأسلوب

يا للي كان يشجيك أنيني - أم كلثوم 

عام 1949 ياللي كان يشجيك أنيني
تشدو أم كلثوم بأغنيتها الساحرة ياللي كان يشجيك أنيني، ويرتفع معها نجم السنباطي للسماء، فاللحن شجي فعلا بل وفي غاية العذوبة ويثير في النفس الكثير من العواطف والشجن الجميل ويبرز جمال أنغام الشرق الساحرة. وقد تغير تذوق الكلمات مع مرور الزمن وتوارت شيئا فشيئا صورة المحب الذليل في الأغاني لكن اللحن لا يمكن اعتباره إلا من أجمل كلاسيكيات الموسيقى العربية

عام 1949 النيـــــل 
أنشدت أم كلثوم لأحمد شوقي إحدى روائعه النيــل (من أي عهد في القرى تتدفق) من لحن السنباطي في إضافة جديدة لقائمة أشعار شوقي

عام 1949 رباعيات الخيام 
لكن أحمد رامي الشاعر الذي حبس نفسه في شعر العامية ثارت لديه حفيظة الشاعر ففاجأ الجميع بمفاجأة كبرى. لقد ترجم رباعيات الخيام الفارسية شعرا إلى العربية! (سمعت صوتا هاتفا في السحر، إلى .. لبست ثوب العيش لم أستشر، وحرت فيه بين شتى الفكر .. إلى ما أطال النوم عمرا، وما قصر في الأعمار طول السهر)، ليست مهمة سهلة بل دلت على براعة الرجل وتمكنه الكامل من اللغة والشعر. المفاجأة التالية يلحنها السنباطي بلحن عربى أصيل ويتسيد بها تلحين القصيدة. وموضوع القصيدة هنا قد تعدى الخلفية القومية والدينية والمذهبية إلى آفاق إنسانية واسعة تخاطب عقل الإنسان وشعوره في كل مكان وزمان

ومرة أخرى نتساءل ما الذي كان يفعله هؤلاء الفنانون والشعراء في تلك الحقبة حالكة السواد من تاريخ الأمة العربية وقد انتشرت الأمية وضعفت اللغة وتهاوت الهوية وساد الاحتلال الأجنبي كل بقعة في الشرق وساد معه الهابط من الفنون والعادات. ورغم ذلك فإنهم ينقبون في درر الشرق الثقافية ويقدمون أعمق ما يكون من فكر في صور فنية غاية في الثراء والترقي، ومع هذه القافلة الفنية سارت قافلة أدبية من روادها أحمد شوقي ، حافظ ابراهيم ، العقاد ، المازني ، طه حسين ، توفيق الحكيم وغيرهم كثيرون ، وكانت تصدر مجلات وصحف وتنشر كتب مليئة بالنقد والتنوير
وأين هذا من فناني اليوم وشعرائه؟ أليس الشعر قد اختفى والفن قد هزل من ورائه، ولم يعد على الساحة غير المرتزقة وتجار الفن الرخيص؟! ولكن إن لم يكن هذا موضوعنا هنا فموضوعنا هو الإشادة بكل عمل محترم لا يخجل الإنسان من رؤيته أو سماعه، ولن تقوم لنا قائمة إلا بترديد ما يعبر عن هويتنا ومشاعرنا بصدق وليس ما يملى علينا سواء من الخارج أو من تجار الفن بالداخل. بيد أن الفن ليس أشخاصا كما يبدو من هذه الزاوية، فهو كغيره من الإبداعات البشرية في العلوم والنظم والاكتشافات يحتاج لبيئة صالحة تساعده على النمو السليم، وكيف تدلي الأجيال الجديدة بصوتها في منظومة التنمية والازدهار وهي غارقة في سطحيات المادية وبطحاتها؟! مع نمو حركة النهضة الثقافية في أواسط القرن العشرين كانت الموسيقى مادة ندرس في المدارس ثم توقف تدريسها مع توقف أشياء أخرى كثيرة كالرياضة والهوايات والمسرح المدرسي والوجبة المدرسية والنشاط بكافة أنواعه، فانتشر الدجالون ومدعو الفن بين الشباب يسوقون أعمالا لا تمت للفن الحقيقي بصلة، والجمهور الجديد أصلا لديه مشكلة هوية وانتماء وثقافة وإن حمل أعلى الشهادات! 

العـــودة للرومانســـية 

عام 1950 سهران لوحدي
عام 1952 جددت حبك ليه
أرسى رياض السنباطي معالم مرحلة جديدة في التلحين لأم كلثوم فقد لحن لها في رابع أغنية عاطفية طويلة لحنا رومانسيا جديدا هو سهران لوحدي أتبعه بأغنية جددت حبك ليه عام 1952 وبدأ يسترجع خطه الرومانسي مع الشاعر الحالم أحمد رامي فأنتجا معا أجمل ألحان أم كلثوم العاطفية ومعظم كلمات هذه السلسلة لأحمد رامي

المــــــــد الوطني
عام 1951 مصر تتحدث عن نفسها 
وقف الخلق .. ينظر كيف أبني قواعد المجد وحدي .. هكذا أنشدت أم كلثوم قصيدة مصر تتحدث عن نفسها لشاعر النيل الكبير حافظ ابراهيم .. كانت إرهاصات انتفاضة مصرية امتدت آثارها البعيدة فيما بعد على المنطقة كلها .. الكلمات تتحدث في فخر واللحن يزيدها فخرا وعلوا، وتضحى الجدية سمة أساسية، السنباطي يتبنى قضية وطنه ويعبىء الشعب لانتفاضة قادمة لهوية طالما حاول القوى الخارجية طمسها ولكنها لم تمح أبدا من ذاكرته، لم يعد الفن للتسلية ولا للصالات، أصبح سلاحا وطنيا يحرك الشعوب، وهو بذلك قد لحق بركب محمد عبد الوهاب الوطني

عام 1952 ثورة يوليو والتغـييــر 
تقوم ثورة يوليو في مصر ويبدأ عهد جديد في كل شيء، ويستقر الفن على شيئين، التعبير عن الفرحة بقدوم عهد الحرية، وزوال التوتر والألم من جراء معاناة الاحتلال والقهر واستبدالهما بمشاعر الاستقرار والأمل في المستقبل ومن ثم تغير لون الإبداع
استمر رياض السنباطي ملحن أم كلثوم الوحيد ما يقرن من عشر سنوات أثبت خلالها عبقريته ومقدرته الفنية العالية. وكانت ألحانه يطلق عليها ألحان
"دسمة" نظرا لثراء أنغامها وتعبيراتها وأيضا لطول تلك الأعمال. وألحان رياض لأم كلثوم لها طابع خاص ومذاق عذب جعل كثير من الناس ترى أن رياض هو أفضل من لحن لأم كلثوم
كلاسيكيات السنباطي العاطفية لأم كلثوم  

1939 فاكر لما كنت جنبي - بياتى  
1946 غلبت اصالح - نهاوند 

1949 ياللي كان يشجيك أنيني - كورد
1950 سهران لوحدي - هزام
1952 جددت حبك ليه - نهاوند  
1954 يا ظالمني - كورد 
1954 أغار من نسمة الجنوب - راست   
1955 شمس الأصيل - حجاز كار  
1956 ذكريات - نهاوند   
1958 أروح لمين - راست  
1958 قصة الأمس - نهاوند
1958 عودت عيني - كورد  
1958 دليلي احتار - كورد     
1959 هجرتك - كورد  
1959 الحب كده - بياتي 
1960 لسه فاكر - عجم  
1960 ثورة الشك - نهاوند  
1961 حيرت قلبي - كورد 
1961 اقولك إيه - بياتي
1962 ح اسيبك للزمن - راحة أرواح 
1963 لا يا حبيبي - نهاوند 
1964 أراك عصي الدمع - كورد  
1966 الأطلال - راحة أرواح  
1969 أقبل الليل - كورد  
1972 من أجل عينيك - بياتي 
أضاف السنباطي لألحانه العاطفية ألحانا دينية أكمل بها السلسلة التي بدأها عام 1946 وأخرى وطنية أضافها للحنه الوطني الشامخ مصر تتحدث عن نفسها

أغان دينيــــة لأم كلثوم 
1946 سلوا قلبي - راست
1946 نهج البردة - هــزام 

1949 ولد الهدى - راست
1955 إلى عرفات الله - هــزام
1967 حديث الروح - هــزام
1971 القلب يعشق كل جميل - بياتى
1972 الثلاثية المقدسة - هزام  

أغان وطنيــة لأم كلثوم 
1951 مصر تتحدث عن نفسها - راست
1952 مصر التي فى خاطري - نهاوند
1954 مثال الوطنية - هــزام
1956 صوت السلام - بياتي
1958 بطل السلام - هزام
1958 بغـــــداد - راست
1960 أغنية الســد - راست
1961 ثـــــــوار - حجاز كار
1964 طوف وشوف - كورد
1965 حبنا الكبير - عجم
1967 راجعين بقوة السلاح - عجم
1967 دوس على كل الصعب - عراق 

ألحان لغير أم كلثوم 
لحن السنباطي عشرات الألحان لعديد من المطربين والمطربات، وكلها ألحان جيدة اتسمت بنفس الصفات من الأصالة وشرقية الأنغام، حققت شهرة كبيرة لمغنييها، منها أغنية لعبة الأيام لوردة الجزائرية، لكن ما اقترب منها من شكل أغاني أم كلثوم لم يرق إلى مستواها، ولا يعرف السبب الحقيقي وراء هذا الاختلاف، فهناك من يرى الفرق في صوت أم كلثوم وأدائها، بينما يرى آخرون أن السنباطي كان يجيد أكثر عندما يلحن لأم كلثوم!

غنــــــاء الســنباطي
عرفت عدة ألحان مما لحن السنباطي لنفسه وغناها بصوته منها لحنه الشهير على عودي، لكنه لم يحترف الغناء، وهو عند الجمهور ملحن بالدرجة الأولى
كان السنباطي من المعجبين بألحان سيد درويش والمتأثرين به، وقد غنى له أحد أدواره بصوته وهو دور أنا هويت وانتهيت ، وهذه لفتة هامة حيث لم يسبق لرياض الغناء من ألحان غيره بعد احترافه التلحين

في الموسيقى البحتة 
من أشهر ما ألف رياض مقطوعة من قالب اللونجا التركي السريع من مقام نهاوند، وأسماها باسمه، لونجا رياض، كما جرت العادة القديمة في تسمية المقطوعات المؤلفة على القوالب الموسيقية الكلاسيكية، وهي مقطوعة غاية في الجمال وتحتوي على ألوان من الجمل السريعة الرشيقة التي تحتاج لمهارة فائقة في العزف 
 

في العزف على العود 
لرياض معزوفات قيمة على آلة العود يحرص الهواة على اقتنائها باعتباره من أمهر عازفي الشرق، وقد سجلت تلك التقاسيم بأسماء مقاماتها الموسيقية، كتقاسيم نهاوند ، تقاسيم بياتي ، تقاسيم حجازكار وهكذا. وله أسلوب متفرد في التقاسيم يعتمد على المزج بين براعة التكنيك وجمال الجملة الموسيقية
ويشترك السنباطي مع محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب في شهرتهم كعازفين على العود من الطراز الأول

تقييم ألحان السنباطي
لم يفشل لحن لرياض السنباطي، هكذا تولد الانطباع لدى الجمهور والموسيقيين أيضا. وحاول ملحنون كثيرون تقليد السنباطي في ألحانهم لمختلف الأصوات الغنائية، ونستطيع القول بأن السنباطي كان أكثر الملحنين الرواد هدفا للتقليد إعجابا بأسلوبه الشرقي الأخاذ وأصالة موسيقاه
ويشترك السنباطي مع الشيخ زكريا أحمد في ميله للشرقية والمحافظة على النغم العربي الأصيل، وقد آثر البعد عن التجريب ولم يتأثر كثيرا بموسيقى الغرب، فإذا استمعت إلى موسيقاه فأنت تستمع بحق إلى موسيقى الشرق العربي
ويصعب تفضيل أحد ألحان رياض على الآخر لكن في رأينا أن قصائده الكبرى ولحنيه شمس الأصيل والأطلال لأم كلثوم قد بلغ فيها قمة الأصالة والإبداع، بحث وتحرير د.أسامة عفيفي، رياض السنباطي

نماذج من ألحان السنباطي
.