كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الأربعاء، 12 سبتمبر 2012

19. الموسيقى المعاصرة - الأغانى الهابطة


الموسيقى العربية المعاصرة - ظهور الأغانى الهابطة
بعد النكسة ظهر مطرب شعبى يقول كلمات غريبة على لحن يشبه رقص العوالم يقول السح الدح ، قاوم قدومه كثيرون لكنه انتشر فى النهاية ، ثم تبعه فرقة تقول العتبة جزاز وظهرت مطربة تغنى للطشت وأخرى تغنى للشوكولاتة وثالثة تغنى فوق السطوح وغيرهن ، استمرت هذه الموجة حتى آخر القرن العشرين وانتشرت أكثر فى القرن 21
ومما لا شك فيه أن انسحاب العديد من رواد الفن الجاد والراقى سواء بالتقدم فى السن أو الوفاة أو الاعتزال لأسباب صحية أو سياسية قد أسهم فى خلو الساحة للفن الهابط  ، ولابد من الإشارة هنا إلى أنه قد حدث خلط كبير بين الفن الشعبى والفن الهابط ، فالأول تعود جذوره إلى الفولكلور وإلى ما تملكه الطبقات الشعبية من مواد فنية متوارثة سواء فى المضمون أو الشكل أو أسلوب الأداء ، لكن الأغانى الهابطة والتى اعتمد كثير منها على أفراد ينتمون إلى الطبقات الأقل ثقافة والأقل وعيا بالضمير الوطنى العام تم تقديمها على أنها أغانى شعبية لمجرد أن مقدميها كانوا من العمال أو الحرفيين فى مفارقة تامة مع أفراد الطبقة الوسطى الذين قدموا فنونا أكثر رقيا فى فترات سابقة ، وبالتالى اختلف جمهورهم ، والجمهور الذى استمع إلى أحمد عدوية فى السح الدح لم يكن أبدا نفس الجمهور الذى استمع إلى عبد الحليم حافظ وهو يغنى أغانيه الرومانسية

لابد هنا من الإشارة إلى دخول عنصر جديد ساعد على انتشار الأغانى الهابطة لعدة عقود وهو ظهور وسائل تكنولوجية حديثة استطاع من خلالها منتجون جدد إنتاج ونشر ما يحلو لهم من الفن الهابط بعيدا عن سيطرة الرقابة الفنية وهى
  • أشرطة الكاسيت
  • أشرطة الفيديو كاسيت
  • الاسطوانات المدمجة
  • القنوات الفضائية الخاصة
صاحب انتشار هذه الوسائل استخدام المنتجين التجاريين للأفلام السينمائية المعلبة فيما أطلق عليه "أفلام العلب" ، وهى أفلام سينمائية رخيصة التكلفة زهيدة السعر جرى تعبئتها على شرائط فيديو كاسيت ، يحشر فيها أى شيء من شأنه التسلية وإضاعة الوقت ليس إلا ، وكان الهدف الأكبر بيعها للجمهور الذى لا يتمتع فى مكانه بمشاهدة السينما لعدم وجود دور عرض سينمائى وخاصة فى المناطق الريفية وبلاد الخليج العربى ، وبهذا سيطرت الأفلام التجارية على سوق الفيديو المنزلى المتاح لكل شخص تقريبا فإن لم يكن فى منزله ففى نوادى الفيديو التى كانت أيضا تؤجر الشرائط للجمهور للاستخدام المنزلى ، أو على المقاهى الشعبية أو حتى فى حافلات نقل الركاب أثناء رحلات السفر الطويلة

استفاد من هذا التطور التكنولوجى النوعى عدد كبير من المطربين وبالمطربات الذين لم تكن أحلامهم تتعدى إحياء الأفراح والليالى الملاح ، ومعهم جيش من "الآلاتية" العازفين والملحنين المرتزقة الذين لا يهمهم تقديم رسالة راقية أو حتى أى شكل جميل من أشكال الفن

أدى كل هذا إلى ظهور طبقة جديدة من الفنانين ذات نفوذ قوى ناتج عن امتلاك ثروات مالية ضخمة استخدموها جيدا فى سبيل السيطرة على نوافذ ومداخل ومخارج الفن فى مصر والوطن العربى بشراء المخرجين والمصورين وكتاب السيناريو ومقدمى البرامج والمذيعين والصحفيين إلى آخر القائمة من الإعلاميين الذين تم استدراجهم إلى دائرة الفساد والهبوط إلى درجة أن أصبح المال شغلهم الشغال وشرطهم الوحيد لتمرير أى عمل فنى بصرف النظر عن مستواه ، ثم عمل هؤلاء بالتدريج على تحويل المؤسسات التى يعملون ، حتى الرسمية منها ، بها إلى دكاكين خاصة للتربح

لابد أيضا من الإشارة إلى أن كل هذه التحولات لم تكن لتعمل فى ظل الاقتصاد الموجه والإعلام الموجه الذى انقضت موجته مع عصر الانفتاح فى السبعينات حيث حلت سياسة " دعه يعمل .. دعه يمر" محل سياسة الضبط المركزى والانضباط العام ، وكانت سياسة الانفتاح الاقتصادى غير المنضبط هى السقف الكبير الذى ترعرعت تحته هذه العشوائيات والانفلاتات ، فقد تحول الانفتاح الاقتصادى إلى حرية عشوائية فى كل شيء يستخدمها كل من هب ودب حسب هواه الخاص

ظهرت فى تلك الفترة طبقة جديدة من الرأسمالية الانتهازية التى جندت فئات عديدة من المجتمع لحسابها ، كانت تضارب فى العملة وتغش فى المبانى وتتاجر بالغذاء الفاسد والأدوية المغشوشة فما بالنا بالفنون

ماذا كان رد فعل المجتمع أمام هذه التحولات؟

كأى تحولات مجتمعية ظهر فى تلك الحقبة فئات مستفيدة وفئات مشجعة وفئات من الضحايا تم استضعافها أو استغلالها

ارتفعت أسهم التجار والحرفيين مع ازدياد نشاط القطاع الخاص بينما هبطت أسهم الكتاب والمثقفين ، وزاد نشاط النوادى الليلية وعلب الليل والمسرح التجارى بينما ضعف نشاط الإنتاج الفنى الجاد حتى أن التليفزيون الرسمى المصرى لجأ إلى إنتاج الأفلام السينمائية باسم أفلام التليفزيون فى محاولة لكسر احتكار السينما الهابطة دون أى عائد مادى يذكر

أصبحت دور السينما لا يرتادها غير السوقة من أصحاب الحرف وصغار التجار التى تكسب كثيرا فى ظل الانقلاب الاقتصادى وأصبح هذا الجمهور هو الذى يحقق الإيرادات وهو الذى يستخدمه المنتجون لتمرير شعار "الجمهور عاوز كده"

لكن الحق أن الجمهور لم يعد هو نفس الجمهور ولا يمكن بحال أن نتهم المجتمع كله بالانحراف أو حتى تغير المزاج ، وإذا كان قد حصل بالفعل تغير فى مزاج غالبية الجمهور فقد كان ذلك بعزوف الأغلبية عن ارتياد دور السينما والمسرح وعن الاستماع إلى الأغانى الهابطة ، وربما أجبرهم أكثر على هذا العزوف ازدياد أسعار المنتجات الفنية فى معظم صورها ، فقد ارتفعت أسعار تذاكر السينما والمسرح إلى أضعاف كثيرة وارتفعت أسعار الكتب والاسطوانات والشرائط إلى حدود مانعة على الأغلبية الساحقة

لكن هناك فئة جديدة أيضا دخلت إلى الساحة الفنية وساعدت كثيرا فى تمويل الاتجاهات الجديدة وهى المستخدم الخليجى ، سواء فى مكانه أو كسائح يبحث عن التسلية والمتعة فى أى شكل ، وسواء بسبب خلو تلك البلاد من وسائل الترفيه أو بسبب وقت الفراغ الطويل الذى يعيش فيه المواطن الخليجى المرفه ماديا وغير المنشغل بأعباء العمل أو البحث عن عمل. لا نقول أن الفن يجب أن يخلو من التسلية والمتعة ولكن ما يقدم كان تسلية رخيصة لا تعبأ كثيرا بقيم أو أخلاق أو حتى مجرد الحياء أحيانا فضلا عن أى قيمة ذات محتوى فنى راق

من ناحية أخرى يقول بعض المنتجين أن الذى أصبح يتحكم فى سوق السينما هو الموزع وليس المنتج أو المخرج ، ويفسرون ذلك بأن الموزع للبلاد العربية هو الذى كان يختار أسماء الممثلين والممثلات والمطربين والمطربات الذين يطلبهم جمهور الخليج بالذات كأكبر مستهلك لسوق الفيديو كاسيت ، وكنت الأسماء المطلوبة هى الفيصل فى قبول توزيع أو شراء المنتج ، بل كانت بعض شركات التوزيع تمول مقدما إنتاج الأفلام بناء على احتوائها لتلك القوائم بصرف النظر عن المضمون أو المحتوى الدرامى

وكان بعض المطربين فى النوادى الليلية يقدمون عروضهم فى أكثر من ملهى فى نفس الليلة يعلن عنها فى الصحف الرسمية بصفة يومية ، ومنهم من كان يقدم تسعة أو عشرة عروض فى الليلة الواحدة يتقاضى عنها ألوف الجنيهات ، وكان من السهل والأمر كذلك أن يضع المطرب بعضا من هذه الألوف فى يد أحدهم فى التليفزيون أو الإذاعة فى الصباح التالى لاستضافته أو تقديم أعماله أو " تلميعه " بأى شكل

استمرت تلك المتواليات الهابطة لفترة طويلة من الزمان تعدت الأربعة عقود ولا زال الفن والمجتمع يعانى من آثارها للآن ، وأعتقد أن من أهم تلك الآثار صعود تيار مهاجمة الفنون المطالبة بمنعها تماما باعتبارها حرام شرعا مع تجاهل أن الفن مجرد وعاء يمكن أن يحتوى النظيف وغير النظيف ، واعتبار أن العمل بالفن سبة وعار يجب التخلص منه .. هكذا وصل بنا الحال بعد أن كان الفن رائدا وقائدا لحركة المجتمع ..

وربما لهذا السبب نحن نعرض أسباب تخلف الفنون والذى هو مجرد عرض لمرض هو تخلف المجتمع نفسه تعليميا وثقافيا وماديا وحضاريا بشكل عام بسبب انشغال القيادات الأعلى عن شعوبها وفشلها فى تحقيق النمو والتقدم الحضارى الذى ترحب به الشعوب وتتطلع إليه

ولكن أليس هناك أمل فى عودة الفنون إلى دورها الطليعى والطبيعى فى حياة الشعوب؟ .. الإجابة نعم .. والدليل هو أن النهضة الفنية التى بدأت فى أوائل القرن العشرين دبت فيها الحياة فى أحلك ما يمكن من الظروف السياسية والاجتماعية .. حكم جائر مستبد ، احتلال أجنبى ، فقر مدقع للغالبية العظمى ، جهل متفش بين جموع الشعب .. قمع هائل للحركات المجتمعية الحرة .. لكن كل هذا لم يمنع الفنون من التطور والنمو والازدهار ، بل كانت تلك الظروف القهرية هى التى ولدت الحركة الفنية المستنيرة فى تلك الفترة ، ثم ازدهرت الفنون أكثر فأكثر عندما زالت تلك الظروف بانتشار الحركات التحررية فى العالم العربى فى الخمسينات ودخول المد الوطنى والتيار الشعبى إلى الساحة بحيث أصبح الفن يعبر عن الأغلبية ، عن ماضيها وحاضرها وعن أحلامها الصغيرة والكبيرة .. فإذا انتكس المجتمع مرة أخرى بعودة الاستبداد سيحتاج لمن يعيد إليه حريته من جديد بصور شتى من التعبير عن الرأى والفكر والنفس والشعور د.أسامة عفيفى ، نتابع فى المقال القادم  

18. الموسيقى المعاصرة - عودة الفولكلور



الموسيقى المعاصرة - عودة الفولكلور
نتائج عصر النكسة
سبق أن لخصنا نتائج عصر النكسة فى المجال الفنى فى بضع نقاط هى:
1-  تراجع الأغانى الوطنية
2- عودة إلى ألحان التراث
3- عودة إلى الفولكلور الشعبى
4-  ظهور الأغانى الهابطة

وحيث سبق لنا الحديث عن تراجع الأغانى الوطنية وعودة التراث نستكمل حديثنا عن بقية النتائج وهى عودة الفولكلور وظهور الأغانى الهابطة
اتضحت هشاشة النظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى والفنى بعد النكسة فظهرت محاولات للعودة إلى الأصول
والواقع أن ما حدث من المبالغة فى استخدام الفن كأداة ترويح سياسى مع الإحساس بالصدمة عقب حدوث النكسة إلى عزوف الفنانين الرواد عن المشاركة فى تلك التظاهرة الفنية السياسية التى صاحبت فترة النظام الشمولى المسيطر على كل شيء فى المجتمع ، وقل نشاطهم إلى درجة كبيرة مع الاقتصار على الأعمال الحرفية البحتة التى تعتمد أساسا على النشاط الفردى للفنانين دون الانخراط فى موجات مجتمعية كبيرة
خلق هذا العزوف فراغا موضوعيا ساعد على صعود تيارات أخرى منها تيار فولكلورى واضح يحاول الربط بين الفن والأصول الشعبية ، ومن هذه المحاولات
  •  ألحان تعتمد على أصل فولكلورى لعبد الحليم حافظ ومحمد رشدى وشادية مع الملحن بليغ حمدى
  •  ألحان من أصل فولكلورى لبنانى وسورى لفيروز وآخرين
  •  ألحان من أصل فولكلورى تم تقديمها كما هى دون أى معالجة قامت بها أكثر من مطربة شعبية
غير أن هذه المحاولات لم تستطع ملء الفراغ الذى نتج أيضا من عزوف الجمهور وليس فقط الفنانين ، وأصبحت الساحة مهيأة لظهور أنواع أخرى من الفن تعتمد على فئات أخرى من الجمهور. فلم يكن من السهل إقناع نفس الجمهور بأن يغير مزاجه سريعا إلى الفن الشعبى أو الفولكلورى ولهذا ظهرت موجة من الفن تم فيه الخلط بين الفن الشعبى والفن السوقى لها جمهورها الخاص الذى يجد فيها ما يتماشى مع مزاجه وطريقة حياته وأسلوب حديثه قادها فنانون فطريون بغير دراسة ولا فكر ولا توجه أو توجيه. وساعد على صعودها انشغال الأجهزة الرسمية السياسية والثقافية بالعمل فى كادر واحد هو إزالة آثار العدوان ومحو الهزيمة العسكرية والسياسية بأساليب جادة لم يكن للفن فيها دور كبير . 
وبدت الحياة الفنية بل ربما حياة المجتمع كله وكأن كل شيء أصبح مؤجلا إلى حين المعركة الفاصلة القادمة لا محالة مع العدو الذى تسبب فى هذا التصدع. 
ومن المفارقات الهامة فى مسيرة الفن أن العودة المؤجلة والمرتقبة للإبداع والتحديث لم يكتب لها التحقق بسبب تغير المناخ السياسى والاقتصادى والاجتماعى بعد حرب أكتوبر التى كان يفترض بها استئناف المسيرة الطبيعية للمجتمع بصفة عامة وبالتالى مسيرة الإبداع والتحديث. 
والحقيقة أن هذا التغير فى المناخ استمر إلى مشارف القرن التالى وافتقدت الحركة الفنية كثيرا من الزخم الذى كانت تتمتع به فيما عدا بضع أعمال فردية قدمها الرواد العائدون إلى الساحة بعد استقرار الأمور ، ولذا نلاحظ الحديث هذه الأيام عما يسمى بالزمن الجميل فى إشارة إلى زمن الإبداع فى جو الاستقرار والتوحد المزاجى والطموح المتزايد إلى التحديث والتقدم د.أسامة عفيفى ، نستكمل الحديث فى المقال القادم

الخميس، 6 سبتمبر 2012

المايسترو – ج1


 بقلم أحمد الجوادي

المايسترو Maestro or Conductor:



لقد نشرت هذا المقال في منتدى عربي وأحببت أن أعيد نشره هنا لمزيد من الاطلاع.

الكثيرين من غير الموسيقيين وحتى بعض الموسيقيين أحيانا لا يعرفون ما هي وظائف المايسترو ولماذا يقف أمام الأوركسترا، ولماذا يبدو وكأن العازفين لا ينظرون له أثناء العزف ومتى يكون وجوده ضروريا وأي من الأعمال التي ممكن عزفها بدون وجود مايسترو!

باختصار شديد، المايسترو هو من يدير العمل كله في الأوركسترا، وفي الأعمال الأوركسترالية الكبيرة لايمكن بأي حال من الأحوال عزف تلك الأعمال بدون وجود مايسترو.

كنت أقرأ قبل فترة في كتاب وكان هناك فصل يتكلم عن المايسترو، سوف أنقل فقرة أعجبتني من هذا الكتاب:
"المايسرو والمؤلف الشهير جوستاف ماهلر قال ذات مرة:
لا يوجد أوركسترا عظيم، فقط يوجد مايسترو عظيم. في هذا الكلام مقدار كبير من الحقيقة إذا لم يفهم بشكل حرفي. طبعا حتى توسكانيني نفسه لن يستطيع أن يجعل أوركسترا لمعهد عالي للموسيقى أن يعزف مثلما يعزف أوركسترا بوسطن فيلهارمونيك، وكذلك الأمر لو قاد مايسترو من الدرجة الرابعة أوركسترا بوسطن فيلهارمونيك لما تمكن من أن يجعلها تعزف مثل أروكسترا لمعهد عالي للموسيقى" هذا هو جزء مما أتى في الكتاب.

لو طبقنا هذا الكلام على إحدى أشهر الأوركسترات في العالم كأن تكون أوركسترا برلين فيلهارموني ولو افترضنا وأن قاد هذا الأوركسترا قائد عظيم مثل كارايان في عمل ضخم كأن يكون الحركة الأولى من سيمفونية ماهلر الثانية، وبعد أن فرغ كارايان من قيادته لتلك الحركة قام بتسليم عصا القيادة لمايسترو آخر، المايسترو الآخر ليست له خبرة طويلة في القيادة وهو قائد بسيط جدا من الدرجة الثامنة أو العاشرة، بعد أن يقود هذا المايسترو غير الخبير نفس العمل سوف نلاحظ فارقا هائلا في النتيجة الصادرة، علما بأن الأوركسترا هو نفسه والنوتات الموضوعة أمام العازفين هي نفسها فأثناء قيادة المايسترو الثاني للعمل لسمعنا هرجا ومرجا وأخطاءا لا حصر لها بدلا من أن تسمع عملا عظيما.
ولو قاد أوركسترا شهير مايسترو شهير جدا عملا معين، وبعد فترة قاد نفس العمل ونفس الأوركسترا مايسترو شهير آخر للاحظنا أن هناك فروقات قد تصل أحيانا لتكون فروقات كبيرة بين نتيجة قيادة هذين المايستروين، السبب هو أن لكل مايسترو له رؤيته وفهمه الخاص بالعمل والمؤلف.
هذا هو السبب في أن الكثيرين من المهتمين بالموسيقى الكلاسيك حينما يقتنون عملا مهما لمؤلف ما فهم يقتنون ذات العمل بقيادة عدة مايسروات وعزف عدة أوركسترات.

هل ينظر الموسيقيين للمايسترو بانتباه؟

حينما يتفرج شخص غير موسيقي إلى أوركسترا يلاحظ "أو يتصور" بأن كل العازفين مشغولين بقراءة النوتة متناسين وجود المايسترو ولا ينظرون له، إذا لماذا يقف المايسترو؟ هذا الكلام غير صحيح بتاتا، فكل العازفين عليهم أن يراقبوا تحركات المايسترو.

لو حضر أحدنا بروفة أوركسترا وجلس يتفرج، وجد أن العازفين منهمكين في قراءة النوتة وفي مكان معين أوقف المايسترو العزف، تجد أن الأوركسترا كلها تتوقف عن العزف في نفس الوقت الذي أوقف المايسترو يده، هذا يعني أن الجميع منتبهين لحركات المايسترو، وهذا هو السبب في أن المايسترو يقف على خشبة عالية لكي يراه جميع العازفين، أما العازفين الذين يشتركون في نوتة واحدة "مثل الآلات الوترية حيث يشترك كل عازفين إثنين في نوتة واحدة" تجد أنهم يضعوا حامل النوتة "الستاند" في مكان معين بحيث يتمكن كُلّا من العازفين من رؤية المايسترو ولو صادف وأن جلس أمام أحد العازفين عازف أو عازفة بشعر عالي أو كثيف أو عازف طويل القامة مما يعيق العازف الذي يجلس إلى خلفه من رؤية المايسترو تجد أن العازف يحاول تغيير مكان الستاند أو مكان الكرسي الذي يجلس عليه أو يطلب من العازف الجالس أمامه ليغير قليلا من موقعه ليتمكن هو من رؤية المايسترو. 
وهذا هو السبب أيضا في أننا نجد أن الأوركسترا تجلس على ألواح خشبية متفاوتة في الارتفاع، فكراسي الآلات الوترية توضع على خشبة المسرح مباشرة أما كراسي آلات النفخ فتوضع على ألواح خشبية متفاوتة الارتفاع وبحسب موقع الآلة لكي يتمكن العازفين من رؤية المايسترو.

لننظر لهذا الفيديو سنلاحظ الاختلاف في ارتفاع مستوى العازفين وهم يعزفون سيمفونية دفورجاك الثامنة


هل رأى أي منا عازف في أوركسترا قد وجه النوتة بعكس اتجاه المايسترو أو في اتجاه آخر؟
لو انتبه المايسترو أثناء البروفة إلى أن أحد العازفين ينظر فقط للنوتة الموسيقية ولا ينتبه لإشاراته يوقف المايسترو التمرين ويتوجه بنظره لذلك العازف مستهزئا وساخرا ويمسك النوتة التي أمامه ويضعها على مقربة من أنفه وعيونه أي على مسافة 5 سنتمترات عن عيني المايسترو في إشارة منه أن ذلك العازف ينظر فقط للنوتة ولا ينتبه لحركات المايسترو لكي يضحك عليه باقي العازفين (نادرا ما يحصل هذا في الأوركسترات الاحترافية لكن ممكن أن يحصل في أوكسترات الطلاب أو أركسترات الهواة).

كيف يتمكن العازف من رؤية المايسترو وهو مشغول بقراءة نوتته الموسيقية؟

ممكن أن نطبق هذه التجربة على أنفسنا:
أنظر إلى صفحة أمامك وفي نفس اتجاه الصفحة التي تقرأها يجلس شخص، أطلب من ذلك الشخص أن يؤشر بأصابع يده ليعطيك عددا معينا كأن تكون ثلاثة أصابع أو خمسة سوف تجد نفسك بأنك تتمكن من التعرف على العدد وأنت لا تنظر إلى الشخص بل تنظر للصفحة التي أمامك، بعد ذلك اطلب منه أن يحرك إحدى يديه ويضعها في مكان ما سوف تنتبه على الفور بأنه قد وضع يده على رأسه أو على قدمه على سبيل المثال. بنفس الكيفية يتمكن عازف الأوركسترا من رؤية المايسترو وهذا السبب الذي تجدهم جميعا قد وضعوا حامل النوتات في نفس اتجاه المايسترو. توجد أماكن معينة في العمل الموسيقي يتطلب فيها من العازفين أن يتركوا النظر في النوتة ويركزوا أنظارهم نحو المايسترو لكي يتلقوا التعليمات الصحيحة من حركات يدي المايسترو "مثل هذه الأماكن يكون حفظها سهلا أو أن تكون نوتات طويلة، أي لا يمكن عمل ذلك في أماكن صعبة وسريعة".

مع تحيات أحمد الجوادي


الجمعة، 17 أغسطس 2012

أهون عليك - تحليل موسيقي

 
أهــون عليك
ألحان محمد عبد الوهاب
كلمات يونس القاضي
مونولوج - مقام بياتى 1928
تحليل موسيقي د.أسامة عفيفي
كان عهدى عهدك فى الهوى ، يا نعيش سوا يا نموت سوا ، لحن عبد الوهاب هذا المونولوج الغنائى من كلمات يونس القاضى فى منافسة مع أم كلثوم التى حققت نجاحا مع أول مونولوج لها من تلحين أستاذه محمد القصبجى ، إن كنت أسامح ، من كلمات أحمد رامى ، وكان على عبد الوهاب ليعتلى القمة أن ينافس الاثنين معا ، الملحن والمطربة
 

سنعرض هنا تحليلا هذا اللحن مع بيان خصائصه بترتيب أهميتها:
الفالس الراقص
عبد الوهاب هنا يمعن فى استخدام الفالس ، ولكنه الفالس الراقص هذه المرة ، فى الأبيات التى تبدأ بجملة كان عهدى عهدك فى الهوى ، وقد زينها برد بصوت الناى بطريقة الفلوت الغربى وليس كما عهدناه فى جمل خاصة به ، هذه الجملة لا تزال تحوز إعجاب أى مستمع فى الشرق للآن
والفالس الراقص هنا ليس بدعة من عند عبد الوهاب فنحن نسمع نفس القالب فى صياغة شبيهة بموشح من لحن كامل الخلعى على نفس المقام " العجم" يقول فى هوى حاوى البها ضاع مالى والنهى ، والموشح كله على نفس الإيقاع ، وكامل من أفذاذ الموسيقى الشرقية الذين سبقوا عبد الوهاب ، كما أن الإيقاع الثلاثى موجود فى تراث الموشحات باسم الإيقاع الدراج وتتفاوت سرعته بين 3/4 و 3/8 ولا شك أن أصداء ذلك الموشح وغيره قد علقت بذهن عبد الوهاب
ولتلك الجملة اللحنية قصة ، فقد سئل عبد الوهاب ذات مرة عما إذا كان قد وضع أى من ألحانه قبل أن تكتب شعرا ، أو بعبارة أخرى هل سبق له تركيب كلام على موسيقى سبق أن وضعها؟ّ!
كانت إجابته بنعم ، وذكر هذا المقطع من أهون عليك تحديدا كمثال مع أمثلة أخرى لا تخطر على بال أحد لأنها من روائع أعماله ربما يأتى الحديث عن بعضها لاحقا
لقد دهشت عندما استمعت إلى عبد الوهاب وهو يعترف بذلك ، ليس فقط  يعترف بل إنه لا يرى أى عيب فى هذا ، ما دامت النتيجة توافق وانسجام بين اللحن والكلمة ، وقد نعتبر أن هذا الأسلوب لا يتماشى مع المدرسة التعبيرية التى بدأها سيد درويش ، فهل هى خطوة للأمام أم للخلف؟
هى خطوة فى عكس الاتجاه بلا شك ، حيث أن هذا الأسلوب متبع منذ عصر الموشحات الأندلسية ، والقدود الحلبية ملأى بهذا النوع من التلحين ، وكان يشترط له التوافق التام بين اللحن والألفاظ من ناحية موسيقاها الداخلية أو الإيقاع الشعرى ، ولكن هناك فرق ابتدعه محمد عبد الوهاب ، فهو قد أضاف شرطين آخرين:
أولهما التوافق التام بين جو ومعنى الكلمات واللحن الموضوع بما يعطى تعبيرا عن الكلمة
ثانيا أن يكون اللحن جديدا تماما ولم يسبق استخدامه على كلام آخر
والجديد هنا هو ظهور جانب آخر من جوانب فن عبد الوهاب وهو أنه موسيقى بالإضافة إلى أنه ملحن ومطرب ، إن هناك موسيقى تعلق بذهنه يراها تستحق الإخراج للوجود لكنه لا يجد لها قالبا مناسبا ، فهى جمل صغيرة لا ترقى إلى درجة تكوين مقطوعة موسيقية ، لكنها تحمل قيمة فنية وجمالية عالية بحيث يمكن استثمارها فى لحن ما ، وهو هنا يرى الموسيقى ويسمعها ويحسها دون كلام ودون تلحين
بدأ هذا فى مرحلة مبكرة من فن عبد الوهاب ، لكنه سيقودنا بعد ذلك إلى عبد الوهاب المؤلف الموسيقى الذى سيضع الموسيقى البحتة بشكل جديد فى تاريخ الموسيقى العربية ، وهى من إضافات عبد الوهاب الكبيرة
استخدام آلة جديدة
آلة التشيلو الرخيمة ، وهى آلة غربية جديدة يستخدمها عبد الوهاب ، ترد فى انفراد على جملة وانا أبات ليالى باكى ، كان هذا تجديدا جميلا حيث لم يكن من المألوف سماع أى آلة أخرى تعزف على انفراد غير آلات التخت الشرقى التقليدية
القفـز النغمى والانتقال المقامى
فى جملة يشوف حالى فى البيت الرابع تتكرر كلمة حالى بعدة أشكال تتميز بالقفز النغمى غير الاعتيادى ، فيقفز اللحن ست درجات مرتين بادئا من فى الأولى من الفا إلى الرى بيمول و فى الثانية من المى بيمول إلى السى بيمول ، وهو لا يكتفى بالقفز بل يجمع بين القفز والتغيير المفاجئ فى المقام من الماجير إلى المينير على نفس الدرجة التى ينتقل إليها وربما أراد بذلك التعبير عن الحيرة التى لازمت الكلمات لثلاثة أبيات ثم لخصت فى كلمة حالى!
ومما يؤكد أن التعبير عن الحيرة كان فى ذهن عبد الوهاب منذ بداية اللحن عزوفه عن الرسو على أى مقام وتنقله من البداية بين الكورد والنهاوند والعجم والصبا ، وهو يدخل ويخرج من المقامات دون نهاية مؤكدة رغم انتهاء النغمات بما يشبه القفلة قبل أن يقرر الركوز أخيرا على الكورد مشيرا إلى أن ذلك مقصده النهائى ، ثم يقف فى البيت التالى على مقام ماجبر ولكن فى درجة المى هذه المرة ممهدا لغناء المقطع الأخير من مقام مى بيمول ماجير إلى نهاية اللحن ، وهنا نجد أنه أنهى لحنه بمقام غير الذى بدأه به 
وقد كان من سمات ألحان عبد الوهاب بعد ذلك التنقل كثيرا بين المقامات لكنه عمد إلى الانتهاء بمقام مختلف فى لحن وردة الحب الصافى على سبيل المثال الذى بدأه بمقام المينير وأنهاه ببياتى الخامسة ، والنهاية هنا على اشتقاق طبيعى منطقى ، لكنه بعد سنوات أنهى لحن فكرونى لأم كلثوم على مقام الكورد على نفس درجة النهاوند الذى بدأ به اللحن
وقد خرجت أصوات موسيقية ناقدة فى ذلك الوقت تقول إن عبد الوهاب قد خالف العرف والأصول ولم يكترث هو لهذه الأقوال كثيرا فقد فات أصحابها أنه فعلها قبلها بعقود ولم ينتقده أحد ، ويظهر من دراستنا هذه أن عبد الوهاب يبدو كما لو كان قد تورط فى هذا ولم يتعمده من قبيل التجديد ، وقد وضع اللحن قبل الكلمات للمقطع الفالس الأخير لم يكن بوسعه غناؤه لا من مقام العجم حيث سيضطر لغناء المقطع كله فى الطبقة المنخفضة ، ولا من مقام الفا ماجير وهو التالى فى الاختيارات الأقرب بعد سى بيمول ماجير أى ماجير على خامسته لأنه بذلك يضطر إلى الغناء فى جواب الفا وهى درجة عالية لا تتيح التحكم الكامل فى الصوت ، وهو قد اختار ماجير الرابعة مع صعوبة اشتقاقه ليناسب صوته ، ولهذا نجده قد تفنن فى تغيير النغمات بطريقة غير مطربة ولا تتماشى مع كم الطرب فى هذا اللحن حتى يصل فى النهاية إلى مفتاح المى بيمول وينهى غناءه فى جوابه
لكن هناك مفارقة غريبة ، هل أراد عبد الوهاب إثبات أن تلحين المونولوج يختلف عن تلحين الطقاطيق من حيث عدم عودته من حيث بدأ؟  إن هذا الاتجاه فى الحقيقة اتجاه منطقى حيث أن المونولوج ليس به رجوع إلى البداية
تطويع الأبيات للصياغة اللحنية
فى البيت رضيت أنا بما ترضاه يا روحى ، وموقعه فى وسط الأغنية تماما ، يعود اللحن على نفس أنغام البيت الأول بالتمام ، مكونا بذلك ما يشبه المذهب وقد مهد له بلازمة موسيقية قصيرة ، أى أنه يعيد تكرار الاستهلال ، وهذا غريب على التعامل مع المونولوج الذى ليس له مذهب أو مطلع يتكرر كما فى الطقطوقة أو الأغانى الشائعة ، وربما أراد عبد الوهاب بهذا ربط المستمع بما كان يقوله سابقا فى أول الغناء ، لكن اللحن اختلف بعد ذلك إلى النهاية
هناك ملاحظة أيضا تدل على ذكاء عبد الوهاب والتقاطه موسيقى الكلمات بأذن الملحن الواعى ، ففى البيت الأول أهون عليك تزيد نارى ولسانى يشكيلك لم ترحم حالى ، يحول عبد الوهاب الكلمات " لك لم  ترحم" وهى على سجع إلى كلمات على وزن فيقابل المقطع لك / لم بالمقطع تر/ حم وواضح هنا إدخاله موسيقى إضافية للألفاظ تجعل وقعها على الأذن أجمل وأكمل بصرف النظر عن لحنها ، لكنه أضاف فى لحنها أيضا أربع حركات متكافئة متتالية فى نزول متدرج أوضح الوقع الذى أراده
التعليق النغمى الطويل
علق عبد الوهاب بداية الغناء على نغمة واحدة ممتدة لنصف البيت الأول ، وكرر نفس الجملة فى وسط المونولوج ، وهو أسلوب غير محبذ فى التلحين لكن بالاستماع إلى لحن البيت التالى نتبين أن البيتين يكونان وحدة لحنبة واحدة من جزئين ، وأغلب الظن أن الموسيقى كانت فى ذهنه قبل الكلمات  
الاستغراق فى الإرسال
لم يستعمل الإيقاع فى هذا المونولوج إلى حتى قرب نهايته فى مقطع الفالس الشهير ، وهو فى ذلك يتشابه مع فى الليل لما خلى فى تغليب الإرسال على التوقيع عدا أن الإيقاع فى الأخيرة كان فى الوسط
الكروماتيك مرة أخرى
هناك ما هو أخطر من الفالس ، إن الكروماتيك هنا ليس زخرفا ، إنه يتعمد الغناء على السلم الملون من أول السلم لنهايته بفارق نصف درجة بين كل نغمة وأخرى ، أى على البيانو مفتاح أبيض يعقبه مفتاح أسود ثم أبيض ثم أسود وهكذا ، هذا ليس من الموسيقى العربية فى شئ ، إنه دم جديد يدخل على الألحان العربية ، هل يتقبله الجمهور؟ لا أحد يدرى ، عبد الوهاب خائف يترقب ، والجمهور لا يرحم ، لكن التجربة تنجح ، والجمهور الذى قيل عنه أنه يسقط فى بعض الأحيان ينجح هو الآخر فى استيعاب الجديد القادم من الغرب ، ويصعد مطربنا من قمة الغناء إلى قمة الموسيقى .. بحث وتحليل موسيقى: د.أسامة عفيفى - ألحان محمد عبد الوهاب

أهون عليك   1928 مونولوج -  مقام كورد
لحن وغناء محمد عبد الوهاب - كلمات يونس القاضى
أهون عليك تزيد نارى ولسانى يشكيلك لم ترحم شاكى
وليه بلحاظك تضحينى   وانا أبات ليالى باكى
أرى النجوم أناجيها من وجدى  وان لاح البدر يواسينى
يشوف حالى ينظر إلى حسنك  تشوف خيال حبيبى عينى
رضيت أنا بما ترضاه يا روحى  بس اتعطف وانظر عانى
أخاف تبعت لى طيف خيالك يروح ولا يجنيش تانى
كان عهدى عهدك فى الهوى  يا نعيش سوا يا نموت سوا
أحلام وطارت فى الهوى تركت مريض من غير دوا
ليه ضاع الوفا ليه ضاع الوفا
ليه زاد الأسى  ليه روحى تهون

الاثنين، 13 أغسطس 2012

فى الليل لما خلي - تحليل موسيقي



في الليل لما خلي
محمد عبد الوهاب 
كلمات أحمد شوقي
مونولوج - مقام بياتي 1928
تحليل موسيقي د.أسامة عفيفي




بإيجاز تعتبر فى الليل لما خلى تحفة فنية بكل المقاييس، أو ما يسمى Master Piece   فى الغرب، وهى مما يسمع للآن بشغف شديد، ولعبد الوهاب عشاق فنه القديم خاصة فقد تمتع بذوق شرقى ساحر امتد تأثيره لأجيال
أحدث هذا اللحن لعبد الوهاب دويا هائلا وأثار إعجاب الجمهور المثقفين والعامة على السواء، واعتبر نقلة كبيرة فى فن عبد الوهاب والموسيقى العربية بصفة عامة
ومن خصائص هذا اللحن أنه استخدم شكلا جديدا للأغنية، كتبت الأغنية على شكل المونولوج أى بدون مذهب وكوبليهات، وأول من قدم هذا الشكل كان سيد درويش فى لحن والله تستاهل يا قلبى، وهى تسترسل من البداية للنهاية لا مقطع يتكرر ولا عودة للبداية فى آخر الأغنية، إنها تحكى كالقصة، كوصف لتأملات إنسان فى الليل الساكن وما يلهمه به من أفكار وأحاسيس 
التعبير اللحنى والموسيقى
فى الليل لما خلى، وهى من شعر شوقى، أغنية وصفية تأملية بالدرجة الأولى، وكان هذا منحى جديدا فى الفن الغنائى، وقد أعطى هذا عبد الوهاب فرصة للتعبير ليس فقط عن المعانى بل عن الألفاظ كلمة كلمة، ونجح فى تصوير الجو الشعرى بطريقة غاية فى الانسجام
نلاحظ الاحتفاظ للموسيقى بالتوقيع دون الغناء، لم يستخدم عبد الوهاب التوقيع للغناء إلا فى مقطع واحد من بيتين على إيقاع  الفالس وهو، الفجر شقشق، وهو فى وسط القصيدة، مهد له بمقطع موسيقى غاية فى العذوبة على نفس الإيقاع، بينما فى بقية الأغنية مضى اللحن مرسلا 
ومن المنطقى أنه مع تلك التأملات العميقة التى حملتها الكلمات والحزن البادى فى الجو العام كما فى الألفاظ مثل الليل لما خلى، الباكى، النوح، الشاكى، المبتلى، سكون، وحشة، ظلمة، ليل مالوش آخر، بكا، هواجع، مواجع، أنينى، جرح، مفارق، هجر، بعاد. ويمكن تصور أن حمل هذه الصور والألفاظ على  إيقاع غنائى قد يأتى يصورة لحنية معاكسة لهذا الجو بل ومتنافرة معه، وإذا كان فسيكون رتيبا مملا
ولنتأمل أين وضع عبد الوهاب إيقاعه .. عندما يقول الفجر شقشق وفاض على سواد الخميلة ... لمح كلمح البياض من العيون الكحيلة .. هنا اختلفت الصورة فاختلف اللحن، وليس الإيقاع راقصا ولا من النوع الطويل، إنه اختار نوعا انسيابيا من الإيقاع، الفالس، يتماشى مع انسيابية اللحن الأساسى وإرساله
ثم يعود إلى إرساله غير الموقع عندما تعود الكلمات لحديث الليل مرة أخرى حتى نهاية الأغنية
هكذا يبدو أن محمد عبد الوهاب قد وضع أمامه التعبير هدفا، وهو يخلص له بدرجة غاية فى الإتقان
ولنتأمل أيضا المطلع الموسيقى لتلك الأغنية ، إنه يتكون من جملتين رئيسيتين، استهلال وتمهيد للغناء، تبدو الجملتان على إيقاع لكنهما ليستا كذلك على وجه الدقة، هما على الأصح على زمن وليس إيقاع، وهنا يظهر الانسجام بين البداية الموسيقية ومحتوى الأغنية   
خصائص الموسيقى  
شـرقية الملامح: صاغ محمد عبد الوهاب لحنه من مقام البياتى الشرقى، وهو ليس فقط مقاما شرقيا وإنما شعبى ممعن فى الشعبية، ومنه يبدأ كافة المقرئين عند تلاوة القرآن الكريم وبه ينهون التلاوة، ومنه كثير من فنون الفولكلور
وحدة العمل الفنى
لم يخرج عبد الوهاب عن التنويعات التقليدية على المقام الأساسى، وبذلك حافظ على وحدة اللحن والجو العام. وكانت تنويعاته شديدة المنطقية فهو يستدرج السامع إلى مقام فرعى من المقام الأساسى فى انسيابية تامة دون أدنى انقطاع، وفى الجملة لم يستطرق إلى تفرعات مقامية فى غير اللازمة الموسيقية من مقام الفرخفزا مع التغيير فى الجو العام قبل الفجر شقشق مباشرة ثم راست النوا مع بداية غناء هذا المقطع
ويلاحظ أن الحفاظ على الجو العام هنا وعدم التنقل كثيرا بين المقامات خاصية لم يلتزم بها عبد الوهاب طويلا بعد ذلك، بل أصبح من سمات موسيقاه كثرة التنقل والتنويع السريع، وهذا الاتجاه قد أفقد أغانيه اللاحقة التوحد المطلوب لإثارة شحنة عاطفية مركزة تربطك بالعمل ككل، وحل محل ذلك المفاجأة والإبهار كعنصران يتقرب بهما إلى السامع، وربما كان هذا التغير متماشيا مع ما جد على العالم كله مما أسمى بعصر السرعة، فقد تغيرت أذواق المستمعين بفضل انتشار وسائل الاتصال السريع بما أسرع من خطى الناس فى كل شيء 
إضافات جديدة على الموسيقى العربية
المزج بين مقاطع موقعة وأخرى مسترسلة فى اندماج تام، وهذه سمة استخدمها عبد الوهاب كثيرا بعد ذلك وأصبحت من الأساليب المتعارف عليها فى التلحين واستخدمها ملحنون آخرون بكثرة، لكن عبد الوهاب ظل هو سيد هذا الأسلوب الفريد
التمهيد الموسيقى المبرمج للمقاطع الغنائية، وهذه أيضا من سمات موسيقى عبد الوهاب وأسلوب يستلزم خيالا واسعا وقدرة عالية على التأليف الموسيقى، وقد شاع استخدامه بعد ذلك بين الملحنين ولكن ليس فى براعة مبتكره
استخدام نغم الكروماتيك، فى الرد على جملة الفجر شقشق تأتى حركة نغمية جديدة على الموسيقى العربية، إنها على السلم الكروماتيك أوالملون أى تتباعد نغماتها المتتالية نصف درجة بنصف درجة، هذا لم يحدث من قبل، بل إنه بالمقاييس التقليدية يعتبر خروجا عن المألوف إن لم يكن نشازا على الأذن العربية التى تعودت الطرب. كيف جرؤ عبد الوهاب على ذلك؟! إنه استماعه إلى موسيقى الغرب، وهذه ليست إلا بداية، فسوف يتحفنا من الموسيقى الغربية بالكثير بعد ذلك، تحليل موسيقى د.أسامة عفيفى، فى الليل لما خلى، محمد عبد الوهاب
 
فى الليل لما خلى  1928 مونولوج -  مقام بياتى
لحن وغناء محمد عبد الوهاب - كلمات أحمد شوقى
فى الليل لما خلى  إلا من الباكى
والنوح على الدوح حلى للصارخ الشاكى
ما تعرف المبتلى  فى الروض من الحاكى
سكون ووحشة وظلمة وليل مالوش آخر
ونجمة مالت ونجمة حلفت ما تتاخر
ده النوم ياليل نعمة  يحلم بها ساهر
الفجر شقشق وفاض على سواد الخميلة
لمح كلمح البياض  من العيون الكحيلة
والليل سرح فى الرياض أدهم بغرة جميلة
هنا نواح ع الغصون وهناك بكا فى المضاجع
ليه تشتهى النوم عيون وعيون سوالى هواجع
ودوح غرق فى الشجون ودوح ما شافش المواجع
يا ليل أنينى سمعته  والشوق رجع لى وعاد
وكل جرح وساعته وكل جرح بمعاد
كم من مفارق وجعته يا ليل وهجر وبعاد

الجمعة، 25 مايو 2012

موسيقى الربيع العربى فى المركز الأول


على القائمة العالمية فى سباق ساوند كليك بين 76,837 أغنية
تأليف د.أسامة عفيفى
أداء أوركسترا الإسكندرية
25 مايو 2012 
الربيــع العــربى     Arab Spring

الاثنين، 21 مايو 2012

الربيع العربى - أوركسترا الإسكندرية

موسيقى الربيع العربى
أوركسترا الإسكندرية

موسيقى د.أسامة عفيفى

مع بدايات ثورات الربيع العربى بدأت سلسلة موسيقية تعبيرية كانت أولاها مارش الثورة المصرية ، ثم تلتها ملحمة قصر النيل ، والآن ، وقد هدأت ثورة الثورة فى بعض البقاع العربية ، ولم تخمد بعد فى مناطق أخرى تأتى موسيقى الربيع العربى فى 2012 بعد عام ونصف من شرارة اندلاعها ومعها صور أخرى من صور الربيع العربى لم تكن متصورة فى البداية .. ولعلنا نكتشف تلك الصور فى هذا اللحن الذى يجمع بين التعبيرية والديناميكية وبين أصوات التاريخ وأصوات المستقبل ..!
تحياتى .. أسامة عفيفى
*

الثلاثاء، 17 أبريل 2012

ملاحظات على تطوير الموسيقى التركية

 

كتبه: موتلو تورون  ترجمة: فاضل التركي - إهداء للعزيز الأستاذ أحمد الصالحي
الموسيقى التركية لم تزل تتغير. و من أجل توجيه هذا التغيّر، فإنه من الواجب تعليم المؤلفين و الوسطاء ( التلفزيون، الراديو و الناشرين الذين يختارون الموسيقى ويعرضونها على عموم المستمعين) و المستمعين، تعليمهم جيّداً. و بما أن كلاً من هذه المجموعات تتطلب بحثاً مستقلاً بذاته، فسأخصص هذه المقالة لما يتوجب على المؤلفين عمله. 
تعدد الأصوات يضيف بعداً آخراً للموسيقى. لا يجب أن تُحرم الموسيقى التركية من هذا البعد. و عندما تُنَفّذُ تعددية الأصوات بذكاء بطريقة تناسب الموسيقى التركية، فإنها تعملُ. ولا نستبعد في ذلك الاستماع والتجريب والبحث. على المؤلفين أن لا يخشوا التفكير في الموسيقى التركية وتعدد الأصوات معاً.  الكلمات تحدّ من التجريد و الذاتية في الموسيقى؛ و يضيع المستمع خياله و حريته اللانهائية في الاختيار. (مهما كان الشعر جميلاً، فإن الموسيقى سيتم تصورها ضمن توجيه الكلمات). الشعر يسهل على المستمع و يمهد الطريق للرخيص في صناعة الموسيقى. 
علينا أن نرفع من عدد مؤلفات الأعمال الموسيقية الآلية في موسيقانا. موسيقانا الكلاسيكية هي في العادة موسيقى بنيت على الكلمات. و الأعمال القليلة الآلية منها، تبدوا كأنها أُلّفت كأغانٍ، تتبع نمط صوت الإنسان (من حيث المدى والمسافات المتجاورة و تأليف الجمل الموسيقية ). 
وفي توجه جديد بدأ بجميل بك الطنبوري، بدأت المؤلفات الآلية تستشعر في مناطق كأنها بالفعل كتبت للآلات. وإن هناك قطعاً لسعد الدين أريل و فريد ألنار و رشاد آيسو و مؤلفين عظام معاصرين آخرين، ظهر من الواضح أنها كتبت للآلات. وبالإضافة إلى الأقسام التي كتبت بأسلوب غنائي، فإن القطع الآلية يتوجب أن تحوي أقساماً تظهر إمكانيات الآلات. في موسيقانا التقليدية، يضيف كل عازف الزخارف أو يبسط كل نوتة على ما يحب أو ما يناسب آلته. وكل حفلة تختلف عن سابقتها وعن النوتة الموسيقية. و هذا يبدو واضحاً عندما يقارن أحدنا تسجيلاً مع تسجيل لجميل بك الطنبوري نفسه يعزف بالنوتة ( مثلاً، سماعي شد عربان). لكن في المقابل، فإن كثيرا من الحفلات اليوم على قناة تي آر تي TRT و على الراديو لا تتجاوز حدود النوتة الموسيقية المكتوبة. ولأن مؤلفاتنا كتبت بنفس الشكل لكل العازفين، فإن عازفينا يتوجب عليهم أن يعزفوا كما تصوّر لهم المؤلف ان يعزفوا مثل ما يكون في موسيقى الجاز أو موسيقى الباروك و الموسيقى الأقدم منهما.  و برغم اختلاف شخصية وإمكانيات كل آلة، فإن موسيقانا لم تكتب لكل آلة على حدة. لم تكتب لإمكانيات كل آلة على حدة كالبيانو و الغيتار و التشيلو وكأن كل شئ سيعزفه العازفون هو محدد مكتوب. و رغم منطقية المسميات كـمسمى "بشرف للناي" و مسمى "سماعي للكمنجة والقانون"، فإن مثل هذه الأعمال لم تر الوجود. و في ضوء هذا، فإن الشريف محيي الدين حيدر (الشريف محي الدين تارغان) كان قد كتب وعزف أعمالاً ودراسات مخصصة للعود وكانت قد لقيت ترحيباً جيداً في العالم. هذه الأعمال تدفع بإمكانيات العود و إن هناك تعبيرات حسنة كان توصّل لها، لم يكن من الممكن أن تتوفر لعازف عود. كتب بعده يالشين تورا "لعبة الأمواج" أو Dalgalarin Oyunu للقانون وكُتبت قطع للعود كانت عزفت في مهرجان اسطنبول على يد منير نور الدين بيكن. إن مزيداً من مثل هذه الأعمال التي نكتب ونعزف في دوائرنا الخاصة، يجب أن تكتب و تنشر!  يجب ان تكتب القطع لتناسب تحديداً شخصية آلاتنا وإمكانياتها التعبيرية لتظهر تقنياتها و تتوسع حدودها. 
 لدينا ذخيرة من الأعمال الكبرى كتبت تماشياً مع عَرُوض شِعرنا الموزون. وهذه ليست الحال مع الشعر الحر و الشعر التركي الحيدث. (اليوم، انتشر الشعر "الغنائي الرخيص" على التلفزيون و الراديو و عند ناشري الموسيقى ضمن التوجه "فيه المقدار الذي يحتاج ليكون منتشراً شائعاً"). في كل عصر مضى، كان الموسيقيون قد لحنوا شعرهم المعاصر. يجب أن لا تنحدر الموسيقى عن مستوى الشعر التركي الحديث. الشعر الموزون فيه إيقاعه الذي نشعر به على الفور و قد لقي هذا الإيقاع نظيرا له في موسيقانا، ولقد تأسست العلاقة بين الأوزان والأقصاق ( الأعرج) والإيقاعات الكبيرة. والمبدأ هو أن المقاطع اللفظية الطويلة تُوفّق مع نوتة طويلة و المقاطع اللفظية القصيرة توفق مع النوتة القصيرة. و في الماضي القريب، تقلصت فكرة العَروض إلى هذه العلاقة التوفيقية، و في ضوء توجيهات لجنة التراث في تلفزيون تي آر تي، فإنه تواصل تلحين الكلمات بالطريقة المقطعية (النوتة الطويلة للمقطع الطويل والقصيرة للقصير). لكن طبيعة الموسيقى التركية هي أنها "عُرَبيّة" - فيها عُرب و زخرف صوتي- (يُمدُّ المقطع اللفظي على عدة نوتات). إن المبالغة في هذه الطريقة تجعل الإيقاع يتوارى إلى الخلف و تصبح الكلمات غير مفهومة. يجب أن يكون هناك توازن مثل ما في مؤلفات مصطفى جاويش وفي الأغاني الشعبية لروميلي. يجب أن يكون هناك توازن في العلاقة بين المقطع اللفظي و النوتة بحيث نصل للتعبير عن الشعر دون أن نفسد شخصية الموسيقى. إن كل قصيدة تملك إحساساً، إحساساً عاماً، عالماً. و التعبير عن هذا في الموسيقى شئ طبيعي جداً. و فضلاً عن هذا، فإن هناك اللغة التي كتبت بها القصيدة. ذات القصيدة لو كتبت بالإنجليزية أو الألمانية فستخرج بتقطيع لفظي مختلف و أنماط تشديد مختلفة. و هكذا، فإن الموسيقى يجب أن تكون متوافقة مع اللغة التركية في الشعر و كأن تطور الموسيقى في الشعر عُبّر عنها في اللغة ذاتها. وإذا غنى المؤدون، فعليهم أن يدخلوا والموسيقى في جو العالم الشعري.
مصدر المقالة
كتبه: موتلو تورون وترجمه: فاضل التركي
سيرة مختصرة لميتلو تورون: عازف عود و مؤلف موسيقي. رئيس المعهد التركي للموسيقى. ولد عام 1942 في أنقرة. تعلم المندولين والغيتار والعود وبرع فيه سريعاً. درّس في جامعة اسطنبول التقنية و معهد الموسيقى التركية و شرع في تدريس مادة فن الموسيقى التركية التقليدية في جامعة مرمرة. عمل قائدا للأوركسترا في فرقة مدينة اسطنبول و قدم مؤتمراً عن عزف و مؤلفات الشريف محي الدين تارغان في جامعة البوسفور. و قدم في تلفزيون تي آر تي حلقات عن المؤلف شوقي بك. له كتاب منهج اسمه "دروس عود". عزف بالعود والغيتار في التلفزيون في حفلات في تركيا وخارجها وقدم حفلات مع مشاهير عازفي الموسيقى التركية و هو عازف أول في فرقة البوسفور و فرقة موسيقى الغرفة في اسطنبول. ترجم كتاب مارسيل بتش في التوافق النغمي إلى التركية. دَرَسَ أغان قديمة كثيرة في عمر المائة عام كتبت بالنوتة القديمة و أعاد كتابتها بالنوتة الحديثة. له مؤلفات كثيرة في الغناء الديني و السماعيات و أعمال للفرقة و أعمال غنائية و أغان للأطفال و قطع للغيتار الكلاسيكي والمجموعة و للأفلام و للمسرح و غيرها ونال عليها 29 جائزة. صدرت له مجموعة من الألبومات. مصدر السيرة

الاثنين، 9 أبريل 2012

وصال المؤلف والمستمع

قد يتخيل المستمع إلى الموسيقى، أن المؤلف الموسيقي يكتب ما تمليه عليه ذائقته و تأخذه إليه حدود إبداعه، هكذا بلا قيود. يتخيل المستمع أنه ما عليه إلا أن يرخي عنان مسامعه للعمل ويمتع عقله وحواسه. بيد أن أحد أسرار الدهشة والاستمتاع والتلذذ بالموسيقى، أن يأتي المؤلف إلى أرضية مشتركة بينه وبين مستمعيه، ويحلق منها إلى عوالم عليا جديدة غير معهودة.

و حديثاً عن المؤلفين الموسيقيين الذين يشتعلون جدّةً على الدوام، فإن المؤلف الموسيقي يعمد إلى طرائق عدة، حتى يستطعم المستمعُ هذا العمل الجديد. من البديهي مثلاً أن يستخدم المؤلف مقامات موسيقية خبرتها أذن المستمع من الثقافة المحيطة وتربى في ظلها. وإذا لم يكن الأمر كذلك، كأن يحاول المستمع أن يستمع إلى موسيقى الشعوب الأخرى، فإن عليه أن يربي ذائقته على فهم هذه اللغة الجديدة (موسيقى الشعوب الأخرى) بكلماتها و نحوها و بلاغتها و سحرها الخاص. ومن البديهي أن يستخدم المؤلف إيقاعات معهودة، ثم يبني عليها وعلى المقامات، وعلى الآلات المعهودة أيضاً، جمله البديعة وصيغه الجديدة. لو غادر هذه الأرضية، فعليه أن يمهد أرضية من نوع آخر. من الطرائق التي يعمد إليها المؤلف لبسط هذه الأرضية المشتركة، إن بدأ بكلمة موسيقية جديدة صقلها للتوّ، أو جملة صاغها، غير معتادة، أن يستخدم التكرار. أن يكرر الكلمة والجملة، تكراراً حرفياً. ومن الطرائق أن يعمد إلى صيغة التقليد، كأن تقول الجملة آلة فتعيدها آلة آخرى أو تعيدها الفرقة أو ذات الآلة في مكان أخفض أو أعلى. و قد يوظف المؤلف التنويع، فيقول الجملة الموسيقية عادية مرة، أو مرنمة مرة، أو مزخرفة مرة، أوسريعة مرة، أو بإضافات مدهشة مرة أو أكثر.

قد يخلق بعض المؤلفين أرضية مشتركة بالصيغة الكلية للعمل. والصيغة هنا هي الشكل، فيقسم مثلاً العمل إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول هو فكرة أساسية، ثم يلي ذلك تحول وتبدّلٌ وتطورٌ، ثم يليه الختامُ. وكثر استخدام هذا الشكل الثلاثي كثيراً في الموسيقى، وهو يبعث على ثقة من المستمع أنه يعرف طريقه، مهما تمادى المؤلف غوراً في التجديد في داخل هذه التقسمية الثلاثية. وقد يكون العمل أكثر تعقيداً إذ هو مكون من أربعة أقسام مثلاً، لكن داخل كل قسم من هذه الأقسام، صيغة (داخلية) مختلفة عن كل صيغة في كل قسم آخر؛ ورغم ذلك، يظل المسمتع يعرف طريقه في الغابة الجديدة. وفي حينٍ لا يريد فيه المؤلف الالتزام بصيغة مهما كانت بسيطة أو معقدة، فإنه يلجأ إلى أرضية من نوع آخر، كأن يهيئ حبكة تسير عليها الحكاية الموسيقية، أو ينشئ موسيقاه على عمل أدبي أو أسطوري يمسك بخيوطه كل جديدٍ.

هذه مجرد أمثلة للطرائق التي يزود بها المؤلف المسمتع بخريطة للغابة الجديدة التي كثّفها وأثثها، ويريد للمسمتع أن يتخيّر له طريقاً فيها من طرق شتى، يتجوّل و يستكشف ويستلهم ويعيش تجربة جديدة. وفي الوقت الذي حاول بعض المؤلفين تجاوز هذه الأرضية، أو حاول بعض المستمعين التقليل من شأنها – مثل سماعه لموسيقى شعوب أخرى ذات أنظمة موسيقية أخرى، كان العمل الموسيقي بلا حظ. وفي وقت استسهل فيه من يشتغل في الموسيقى بالتأليف والتلحين، ولم تسعفهم الخبرات ولا المعرفة ولا الإمكانيات، وظنوا أنهم مبدعون بالفطرة، فسيكون نصيب المستمع غابات محترقة، أوشجيرات جافة وكسر هنا وهناك. و ربما أسعف هذا المؤلف زفاف الإعلام و تجييش أصوات الجماهير وبرمجتهم، وصناعة الميديا للأسماء وتصدر الألبومات؛ لتحظى قطعته الموسيقية بعمر أسبوع أو أسبوعين، ولا يبقى منها في الذاكرة الموسيقية بعدها أي أثر. وإذا كان المستمع قد جَبَلَ نفسه على تخيّر التجارب الموسيقية التي يريد أن يعيشها، و ربىّ ذائقته الموسيقية على الجديد الذي يستحق السماع، من أي أرض ومن كل صنف، فسيكتب في سجلّه الحافل أمتع الرحلات.
::. فاضل التركي

الخميس، 5 أبريل 2012

نسمع ساكن قصادي؟

ساكن قصادي - تحليل مبسط
كلمات حسين السيد - ألحان محمد عبد الوهاب - غناء نجاة الصغيرة
هذا تحليل مبسط بلا مصطلحات فنية .. لنسمع ونقرأ معاً ..


منذ بداية الستينات، عزم محمد عبدالوهاب على بدء مشروع جديد بتحدٍ جديد. لقد كان ذلك مشروع الانتقال بالتلحين أكثر في التعبيرية إلى أجواء أشدّ تطلباً. لقد انتقل بالتلحين من المراحل التي أسس لها في القصائد والمنولوجات ومختلف الأغنيات، من تلحين الكلمة والفكرة والجو العام إلى تلحين قصة مفصلة، إلى تلحين المشاهد والجو العام، مع الإهتمام الدقيق بالأفكار والكلمات والحروف، كل ذلك دون أن يشعر المستمع بكل هذه التعقيدات. ولكي يسهل على المستمع التمتع بهذه المادة الموسيقية الغنية، كان عبدالوهاب قد اختار الشعر القصصي العصري الذي يلامس المسمتع بحكاية سهلة المتناول، ليبقى الخيط الذي يربط بين الموسيقي والمستمع. من تجارب هذا المشروع كانت "أيظن" في عام 1960م، التي تلتها أعمال شتى منها "لا تكذبي" و "ساكن قصادي" و "فاتت جنبنا". ولكي نقدّر هذا المشروع، سنأخذ منه عيّنةً نتذوقها معاً ببساطة، هي أغنية "ساكن قصادي"، التي لحنها للفنانة نجاة الصغيرة و كتب هذه الأغنية الحبيب إلى القلب دوماً الشاعر حسين السيد، الذكي جداً والمهندس المفكر والخطر على مدى خط انتاجه في الشعر الغنائي.

الضربات الأولى تنذر برعب مُقلق يتصاعد و يهبط و يتنوع و يشتكل و تتبادل التعبير عنه الآلات الوترية في مجموعات. هذه الضربات التي تأتي فيما بعد بمعنىً آخر غير مرعب؛ لنتذكر. يلي الضربات دخول القانون منفرداً لترد عليه الفرقة يقول وتقول يقول وتقول في تحاور ينتهي بالتباطؤ إلى شبه صمت مقلق يبعث على الترقب.
ثم نبدأ في حكاية المصيبة. المصيبة تتلوها الفرقة الموسيقية في جمل بلا إيقاع. جمل يشبه بعضهاً بعضاً، جمل تقلد بعضها بعضاً، تتداخل بين آلات الطبقات العليا وآلات الطبقات المنخفضة. إذن، جئنا إلى ثيمة حدث مفجع. لكن المفاجأة أن تبدأ نجاة تغني بلا فجيعة كنا نتوقعها. إنها تحكي قصة حبها سعيدة البداية على الأقل، مغرقة في الرومانسية. من الآن فصاعداً إنتبهوا إلى كل كلمة كتبها حسين السيد!
الأغنية كتبت في ثلاثة مشاهد، ولنتفق على هذا من الآن. مشاهد مغرفة في الذاتية، الرومانسية، للفتاة التي تحكي قصتها التي تعيشها وحدها، لكن معنا.
يبدأ العمل ويواصل ثلاث دقائق من موسيقى القلق والتقلب والترقب المتلوي في ثيمة من الفجيعة يليها المشهد الاول حيث يرفع الستار. اسمعوا ارتفاع الستار. المشهد الأول الذي تصف فيه الفتاة حالها الأول، حال حب جارها والأحلام التي تعقدها، حال ترقبه خارجاً وداخلاً، و ترجو يوماً يُكشَفُ فيه مقدارُ حبها له فيهتم للأمر. إنها لا تستطيع أن تبوح له بشئ من كل ما يعتريها. تبدأ جواً عادياً حين تقول "ساكن قصادي و بحبه"، و هنا ترد الفرقة عليها، "بحبه"، وكأن فيها حبّا عميقاً؛ ثم تقولها بلحن آخر "بحبه"، منخفضة، منكسرة قليلاً، وترد الفرقة، عليها من الثيمة المفجعة التي سمعناها قبل حين. تغني "أتمنى أقابله"، في تصاعد في الخطر يصل إلى "فكرت أصارحه" والفرقة ترد بالفجيعة. "لكن أبدا، أبداً مقدرش أقول له" تغنيها نجاة بثيمة الفجيعة بذاتها. هكذا بدأ العدّ. إيقاع محسوب يعد كسرعة ثانية ثانية. يدخل الإيقاع "العداد"، لأن الفتاة بدأت "تستنى الأيام" و تراقب ألوان الأحداث، "ساعة ما يسهر" بلون و "معاد ما يرجع" بلون آخر، العدّاد مستمر، والحكاية تتطور، "وف كل خطوة أرسم أحلام"، "تكبر في قلبي"، "و القلب يطمع". هكذا حال الفتاة التي تحلم، تعيد أحلامها، وتعيد غناء المقطع والأيام تعد والخطوات تعد والأحداث تعد وتتكرر وتتشكل الموسيقى غناء وتنويعاً موسيقياً من الفرقة مع الإعادة ثلاث مرات، التي يفضل دائما عبدالوهاب. هكذا "و فْضِلتْ" .. أعطتنا كل هذا، ثلاث مرات، ثم، والعدّ مستمر، "و اقول مسيره"، "حيحس بيا"، "لو يوم صادفني"، "و سلم عليّا"، هكذا مقطعة فاصلة فاصلة تنتهي بكل عذوبة ورقة في منى الفتاة بأن يسلم عليها صدفة، ثم نقطة. والنتيجة، الجواب، بكل تأكيد وثقة، تعطيها جملة مقلِّدةٌ لسابتقتها: "حيلاقي صورته"، "ساكنة في عنيا"، "ويحس بيها"، "في رعشة إيدياّ". الموسيقى تؤكد هذه الثقة والتوقعات، إنها ذات الموسيقى في الجملة السابقة تحوي ذات الفواصل وتنتهي على النقطة ذاتها. كرر الصورة ثلاث مرات أيضاً. ثم تقف الموسيقى ويتوقف العدّ، ثم يبدأ إيقاع آخر مختلف، يعرِجُ. إن هي إلا أمانٍ. تمشي الموسيقى، تَعُدّ قليلا وتتباطأ وتتوقف، ثم تقول "كنت حاسة"، "إن حبه"، "كل مادا"، "كان بيكبر"، "كان بيكبر"، والموسيقى فضلاً عن تكرار الكلام تقول أيضا أن حبه كان يكبر من ذات الثيمة. ثم يلي ذلك جواب هذه الفقرة التي بدأت مع "كنت حاسة"، يأتي الجواب الموسيقي: "أبقى عايزة لو يكون لي قلب غير قلبي الصُغيّر!"، وهو تنتهي به الموسيقى صغيراً على الحب الذي يكبر. لا ننسى اللزم – الموسيقى التي تفصل الغناء- مازالت ثيمة الفجيعة التي تملأ الأجواء والفراغات كلما سنحت الفرصة. تتكرر الصورة مرتين، ثم تأتي الحقيقة مرة واحدة في الأخير لتختم المشهد الاول:"فضلت أمالي"، "مع الليالي "، "تقرب حبيبي اللي ساكن قصادي"، "حبيبي"، "اللي ساكن"، "اللي ساكن"، "اللي ساكن"، "اللي ساكن"، "قصادي وبحبه" . تذكرون الضربات القلقة بداية الأغنية؟ .. "وبحبه" هي شكل رومانسي للضربات المرعبة التي بدأت بها الأغنية. إنه الحب الذي جلب كل هذا القلق. وينتهي المشهد ونحن نعرف بالتحديد "اللي ساكن" و "تحبه".
المشهد الثاني يبدأ بلحظة الرعب التي وشت بها بداية العمل. وتريات ترعد.. ترفع درجة القلق والترقب. يدخل القانون ليزيد الطين بلة. تستمر الوتريات على إيقاعها وتدخل موسيقى الزفة، لكنها حزينة، ونسمع في نهاية كل عبارة زغردة. الوتريات مستمرة في خلق القلق لا تغيب، ماذا يجري؟ إنه صوت "فرح"، وهي نائمة، صحت على الصوت، طلت من الشباك، كل شئ يبدو طبيعياً، زينة، وتهان، وناس، و العداد –نسمع الإيقاع- يتحرك بسرعة الثواني. تكرار للصورة ثلاث مرات!، أشاروا لها بأيديهم، و دعوا بالعقبى لها، هكذا تتصاعد الموسيقى فكرة بعد فكرة، حتى تهلل معهم من الفرح، بكل براءة، تهلل الموسيقى، وتهلل هي وتهلل الموسيقى، ثم تتباطأ الموسيقى، حين تقول "وسألت" لتتوقف الموسيقى، ليردون "قالوا جارك"، وترد "جاري حبيبي"، "حبيبي"، "اللي ساكن"، "اللي ساكن"، "اللي ساكن"، "اللي ساكن قصادي وبحبه".
المشهد الثالث والأخير أكثر قسوة و فجيعة ودموعاً. ها هو الثيم المفجع يأتي موقّعاً (على إيقاع). إنه ايقاع بسرعة المشي. راحت "الفرح بالليل" و رسمت في عينيها الفرحة. ترسم الموسيقى – اللزمة الفَرِحة. حينها كان يرفع بيديه وعينيه الطرحة. لحظة الفرحة تقابل لحظة الطرحة. ننظر مدى كتمانها للألم، رغم كل الضغط النفسي و تمالك مشاعرها؛ التصاعد الذي تشي به الموسيقى وهي تغني "شربت شرباتهم وأنا قاعدة بصالهم" و يالثقل اللحظة شعراً و موسيقى. إنها لا تغمض جفناً وشجاعتها – حبها – جلبها للفرح و حبها حتّم عليها شرب الشربات، و لم تغمض جفناً تشهد كل شئ. وعيها كامل معهم .. حتى الآن، وقد "مشت"، "مشت" توصلهم. هي أقسى درجات الوعي، ثم أخذت تُحدِّث نفسها .. بعد هذه الليلة .. أصبح غيرها أولى به، ولا حق لها حتى التفكير في الأمل. إنتهى كل شئ. توقف الإيقاع. انتهت الحكاية عند هذه الذروة. هكذا نتوه معها من الآن .. هي الآن مجنونة تائهة .. تاهت وسط الزحام، لا أحد يحس بها .. تريد أن تجري و وتجري وتجري .. والناس تنبهها. الناس التي تمشي في النور .. في موسيقى فَرِحةٍ، طريق تنوره الشموع.. وهي التي تمشي في طريق مهجور تنوره الدموع .. طريق فَرِحة .. وطريقها المفجع في موسيقى فجائعية .. هكذا تائهة .. حتى تصل إلى بابه .. جارها الذي تعرفه تماماً لكنه لا يدري عن قلبها ولا ما نابه .. لم يبق إلا الويل لها ولأيامها من جرح عذابه .. هي حكاية "اللي ساكن قصادي وبحبه" .. أغنية غنية بالتعابير والثيمات والمقامامات والإيقاعات والمكنة في التلحين والشعر والغناء .. وكثير من التفاصيل التي تتكشف كلما سمعنا. نسمع ساكن قصادي؟


فاضل التركي