كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الأحد، 27 سبتمبر 2015

التحميلة .. قالب موسيقي عربي مُغرقٌ في الأصالة ينضحُ بالابتكار

تحدثت قبل مدة عن قالب التحميلة و رسمت له جدولاً مبسطاً و ربطت أجزاء الجدول بمثال من تسجيل واحد، بحيث يتابع القارئ مع الجدول، فقرة التسجيل، و يحسن الاستماع و تذوق المقطوعة الموسيقية التي يطلق عليها أسم "تحميلة"
لكني هذه المرة، بودي أن اتطرق لها بشكل آخر. سنرى على المائدة مجموعة من الأشكال الضرورية لتبسيط فهمنا لقالب التحميلة واستيعابه، 
ومن ثم، تذوق التسجيلات المتوفرة و رؤية الأجزاء بكل وضوح و تثمين جهود العازفين وفهم المعاني التي نسمتع إليها منهم بشكل أفضل و معرفة النواقص والأخطاء التي رأيناها ترتكب في تقديم هذا القالب المدهش، وفي نفس الوقت، نبحث عن أرقى ما قدم من تسجيلات
هذه هي الأشكال التي نتوقع أن نلقاها حين نستمتع إلى قالب التحميلة:
 
 قالب التحميلة، من القوالب المدهشة التي يعزفها اليوم ثلة قليلة من الموسيقيين العرب و يفهمه ثلة أقل منهم. هذا القالب أكثر تعقيداً من قوالب مثل السماعي والموشح و الطقوقة، و يتطلب من العازف خبرة بالموسيقى الشرقية، معرفية و عملية، و تمكناً من آلته و من مهارات التطريب والإرتجال و الابتكار في نفس الوقت
لا نريد أن نسمع المقطوعة الموسيقية، هكذا لماماً؛ نريد أن نسمع ونفهم رسالة موسيقية، نتلمس عمق المعنى؛ المعنى الموسيقي. و حتى لا أتأخر عليكم في ذلك، ها قد جزأتُ التحميلة إلى أقسام ليسهل فهمها. أريد أن نعرف قوانين اللعبة و مساحة اللعب و أين الثابت والمتغير و المتحول
التحميلة يلعبها - يعزفها - مجموعة من العازفين فيما يسمى بالتخت الشرقي. و في التخت الشرقي، كما في موسيقى الحجرة في الموسيقى الغربية العظيمة، يجب أن يتمتع كل عازف في المجموعة بكفاءة عالية في العزف المنفرد وليس التمكن حال التخفي وراء فقرة موسيقية كبيرة - أوركسترا. و عند الشرقيين، نتوخى أن يكون التمكن في العملي والنظري، بحيث يكون قد ألِفَ العازفُ تقاليد التراث و اعتاد عليها و اكتسب مكنةً في الابتكار.
سأختار أشهر و ألذ تحميلة في التراث و هي تحميلة الرست (السوزناك) المسماة باسم مقامها ولا يعرف مؤلفها حتى اليوم.
لنبدأ ببعض الشروط - أو قوانين اللعبة.
التحميلة إيقاعها ثنائي : دم تك أو مركب منه كالرباعي مثلاً. في مثالنا سيكون الايقاع: دم ت دم تك مكروراً ولكن يمكن سماعه كدُم و تك بطيئين.
الجمل اللحنية مركبة على هذا الإيقاع، لا تحتمل الصمت المطول في كل مراحل العزف الفردي والجماعي؛ أي إذا كان هناك توقف لحظي فلن يصل في طوله إلى مقدار دورةٍ واحدة من الإيقاع مكونة من دم و تك!
التحميلة مكونة من نوعين من العزف، عزف فردي و عزف جماعي.
هناك تناوب و التزام في ترتيب هذا العزف الجماعي والفردي، وهناك قوانين لعبة لكل من هذه الأدوار سأشير لها في وقتها.
لنحاول الآن الاستماع مثالنا مصوراً بالرسم و الوصف و تقطيع المقطوعة إلى الجزء المعني بالحديث وبالترتيب.
التحميلة تبدأ بمقدمة يشترك فيها كل العازفين بالعزف في آن واحد يقولونها من أولها حتى آخرها. و مقدمة التحميلة هنا كالتالي:

المقدمة تبدأ منذ بداية التسجيل حتى الثانية 24.
في التسجيلات المتوفرة، هناك عزف للمقدمة مرة واحدة، وهناك تكرار لعزفها، وكان هناك تسجيلٌ العزفُ الأول للمقدمة في القرار، أما التكرار فكان في الجواب. هذه الفقرة تعزفها مجموعة، ولكن لكل عازف منهم ضمن العزف الجماعي شخصية مميزة فيما يعرف في العزف الشرقي بالهتروفونية، و هو الامتزاج بين الأصوات والتمايز بينها في آنٍ ليس مثل ما يعرف بالتجانس - الهارموني.
في هذا التسجيل، سامي الشوا على الكمان، و سعادة شجاتة على العود، و عبد الحميد القضابي على القانون و عازف الإيقاع محمود رحمي والتسجيل لشركة أوديون أوائل عام 1928.*

بعد أن يقول التخت جميعاً المقدمة، يعطي الجميع إشارة دخول للعازف الأول لكي يقدم فقرته.


هذه هي إشارة الدخول لكي يدخل العازف الأول، و هي نفس الإشارة للدخول ستتكرر في المستقبل.


في التحميلة، يكون لدى العازف خياران على ترتيب مُفضّل هو: الاستعراض يليه السؤال والجواب - الحوار.
أما الاستعراض فيأتي أولاً.

فبعد إشارة مجموعة التخت بأن يدخل، يقوم الفارس بالدخول بفرسه الميدان و يبهر ويفاجئنا بتقاسيم مرتجلة مُوَقّعة ، على إيقاع ، مكون من دورات عدة للإيقاع بحيث يأخذ دورتين أو ثلاث أو أربع أو أكثر و ينتهي مع أخر دورة إيقاع يختارها لتأخذ منه الفرقة الزمام و تقول إشارة الدخول من جديد و يكون لديه فرصة أخرى للاستعراض أو السؤال والجواب
سمعنا كيف تكون إشارة الدخول في تحميلة السوزناك هذه، و لنلاحظ تكرارها بعد كل استعراض.
هذا الاستعراض قد يكون من نفس مقام التحميلة، أو يبدله كل مرة يستعرض إلى مقام آخر وتقطيع آخر وتفنن آخر، أو يبدله العازف باستعراض طويل يتضمن تنويعاً مقامياً مقنعا و تقطيعاً وفكرة موسيقية مقبولة تنتهي عند نغمة الدخول ذاتها مسهلاً للمجموعة التقاط الزمام و تشير له بالدخول
في هذا الاستعراض، لا يكون هناك توقف يصل لدورة إيقاع زمنياً، فيكون مجرد ترك فاصلة أو فاصل منقوطة دون وصول غل نقطة توقف
نلاحظ في مثالنا الاستاذ شحاتة سعادة ينزل الميدان بفرسه - العود - ويستعرض على الإيقاع يقسم عليه و يفرد المعاني و ينتهي مع الإيقاع على نفس النغمة التي يستلم عليها التخت جملة الدخول مجدداً. نسمع من الثانية 30:
نلاحظ ان الاستاذ شحاتة انتهى من استعراضه الأول في الثانية 40 والتقط التخت منها الإشارة له بمعاودة الدخول.

إذا اكتفى العازف من دورات الاستعراض، لو اختار أن تكون أكثر من مرة، يأتي دور السؤال والجواب. فنفس العازف هذا، جال وصال واستعرض بفرسه - آلته -
ثم يجيء دور الحوار بينه وبين التخت كمجموعة. يبدأ بطرح سؤال في مقدار دورة إيقاع واحدة مثلا، فيرد التخت عليه بجواب واحد قد لا يتغير. ثم يطرح ذات السؤال أو يبدل فيه نغمة أو إحساساً مختلفاً قليلاً أو ينوع في الترنيم. يلي ذلك الجواب المعهود من التخت.
ثم قد يطيل في سؤال يأخذ دورتين أو ثلاث، قد يشتط غضباً، قد يحزن، قد يبكي، قد يطلب تأكيداً، و وراء كل سؤال طال أو قصر بمقدار دورات دقيقة الطول، و راء كل سؤال جواب هو ذاته مكرر إلا من ملاحقة في النغمة التي ينتهي فيها سؤال الفارس .. حتى ينتهي الحوار من السؤال والجواب بين الفرد والتخت.

في الثانية 46، يقرر الاستاذ شحاتة الدخول في الحوار بعد استعراض واحد فقط. نسمع:


كيف ينتهي الحوار؟ ببساطة، يعطي الفارس إشارة خروج للتخص بأنه انتهى و يعزف هذه الجملة، وهي إشارة الخروج وتبدأ هنا من الثانية 26 بعد الدقيقة الأولى بمقدار جسر من ثانيتين لتعود المقدمة التي عهناها.



بمجرد أن يلمح التخت إشارة انتهاء الحوار، يلتقط الجملة المؤدية للمقدمة التي بدأت بها التحميلة فيقولها كاملة بكل احتفالية و هتروفونية و توافق جماعي وينتهون معاً بإعطاء إشارة لدخول فارس آخر ليستعرض و يسأل و يجيبون كما بينت في الفقرة السابقة. عدد مرات الاستعراض و مهاراته و السؤال والجواب تختلف من عازف لآخر تبعاً لخبرته و مكنته من آلته و من التقاليد و فنون الابتكار، و بمجرد أن ينتهوا من حواره، يعطي إشارة الخروج فتلتقط الفرقة خيط المقدمة فتقوله من جديد وهكذا إلى الفارس الذي يليه ثم الذي يليه حتى ينتهي دورهم جميعاً فتقال المقدمة جماعياً من غير إشارة دخول أو تختتم ببطئ أو بموسيقى للنهاية تؤلف خارج التحميلة من جنسها او بتقاسيم أحد العازفين من نفس مقام التحميلة كل ذلك كوسيلة للإيحاء بالختام.
في هذا التسجيل، في الدقيقة الأولى و 51 ثانية، تأتي الإشارة بالدخول مجدداً فيدخل سامي الشوا بكمانه. يبدأ في الاستعراض بتقاسيم موقعة تنتهي في 2:18 ثانية و يعود التخت و يعطي إشارة أخرى بالدخول. يعود للاستعراض مجدداً بشكل آخر و تمرد آخر وينتهي عند 2:37. تاتيه بعدها إشارة بالدخول فيتحول للحوار. ها هو يسأل و الفرقة تجيب و لنراقب التنوع والابتكار حين يبدأ بالسؤال على الراست في 2:47 ثم يليه الجواب فيعود ويسأل من الصبا فيجيبون من الرست وهكذا.. هو يسأل و جوابهم يلاحقه مع نغمته التي توقف عليها ولكن من الرست.
نلاحظ أن في التسجيل صمت في 3:02 وهذا لأنه منقول من اسطوانة لكن يكمل من الثانية 3:15 من حين كان. ها هو في السيكا ثم في الصبا و الجهاركاه .. والبياتي .. والراست وهكذا حتى يعطيهم إشارة الخروج من هذا الحوار المطول الممتع في القرار والجواب .. والإشارة في 4:38، وتعرفون أنه سلم و حمّل الجملة إلى التخت ليقول المقدمة من جديد.
في 5:10، يبدأ الاستاذ عبدالحميد القضابي استعراضه على قانونه بعد إشارة الدخول وينتهي منه في 5:31. يعطيه التخت إشارة بالدخول مجدداً فيدخل محارواً بسؤال و جواب من التخت بتتابع ثم يعطي إشارة الخروج في 6:01 و يستلم التخت فيعود للمقدمة الذيذة الآن في وقتها .. بعد أن اعتدنا عليها و تكون النهاية عند 6:25 - ملاحظة بقية التسجيل في الأسطوانة لا علاقة له بالتحميلة المعنية.
أشهر من عزف هذه التحميلة على هذه الأصول هو سامي الشوا و من شاركه من الأساتذة في تخته من مثل محمد القصبجي و عبد الحميد القضابي و شحاتة سعادة و علي الرشيدي وغيرهم. وهناك تسجيلات رائعة لمجموعات من الشباب من ضمنهم الاساتذة أحمد الصالحي و مصطفى سعيد و غسان سحاب والقدير الاستاذ رياض عبدالله. و قدر وجدت لها تسجيلات للاستاذ جميل بشير في جلسة خاصة و تسجيلات من اسطوانة للأستاذ سيمون شاهين والاستاذ سامي خشيبون و فرقته والاساتذة في رباعي شجن و فرق عربية و أجنبية في أمريكا و غيرها.
يلاحظ أن هناك سوء فهم لقالب التحميلة في كثير من التسجيلات و حتى من ألف تحميلات جديدة على مقامات أخرى بحيث تلغى خانة الاستعراض، و يُكتفى بالسؤال والجواب، و في أحيان كثيرة تكون هذه التحميلة منوتة - مدونة - و هكذا تكون قد قُتل عنصر الارتجال و الابتكار والتنوع والتمرد الهتروفوني و قُتل قالب اساسه التنويع والتطريب و عدم الالتزام الحرفي الذي ينبو عنه الذوق الشرقي و الروح التي تمل و تكل من التكرار والرتابة.
هناك من يخلط بين خانتي الاستعراض و الحوار - السؤال والجواب، فنلقاه بدأ يستعرض ثم انتقل فجأة للسؤال و الجواب أو العكس أو في وسط السؤال والجواب جعل يستعرض و ترك التخت ينتظره لا يعرف كيف يجيب و انتهى بإشارة الخروج ليقول التخت المقدمة. وهناك من يضيف لزمة هنا أو هناك لا علاقة لها بالمؤلف من ضمن هيكل التحميلة بما يعكر صفو الموسيقى الأصل ويغيرها.
هناك أخطاء أكثر فداحة، فقد لا يعي العازف دورة الإيقاع، فيقف ويسلم الدور للتخت في غير مكانه أو يقضي الوقت في إلقاء جمل من الارتجال على غير الإيقاع أو على غير أصول المقام في التقسيم لا من حيث الترتيب ولا من حيث فكرة مبنية مسبقاً أو تبنى بشكل منطق موسيقي مقبول فضلاً عن الذي يتوه من حيث يبدأ فلا يعرف إلى أين يمضي و إلى اين ينتهي.
قالب التحميلة، قالب جماله في تعقيده، و روعته في سهولة استيعابه استماعاً وتأملاً وعزفاً و تفنناً. و أروع ما يكون أن يكون هناك قالب فيه التزام من ناحية و حرية كبرى من ناحية أخرى تجعل كل التخت على أعلى ما يكون من المنافسة والتعاون والبراعة و التزام بالتقاليد الشرقية و بحدود بعيدة من الابتكار. التحميلة تنمي عند السامع والعازف والموسيقي الجديد الكثير من الطاقة و المهارة و الأمكانيات والخيال وبذرة التأليف و خلق قواعد والثورة عليها أكثر مما تفعله التقاسيم الحرة أو التقاسيم الموقعة المستقلة بذاتها.
هذه وليمة كبرى لذوي الذوق الرفيع من الموسيقيين و الهواة والسميعة .. فليذوقوا و ليهنأوا بكل ما لذ و طاب من معتق و جديد.
تسجيلات مختارة
* استعنت بالتسجيل أعلاه من خيرات و توثيق الاستاذين أحمد الصالحي و مصطفى سعيد. و الشكر للأستاذ مصطفى سعيد و مؤسسة التوثيق والبحث على التكرم بمشاركة صورة ملصق التسجيل.
* ملاحظات: يفضل الأستاذ مصطفى سعيد كما في برنامجه الرائع من روضة البلابل - نظامنا الموسيقي - إطلاق اسم مذهب على المقدمة وربما كان ذلك أنسب في التسمية من باب أن المقدمة لن تكون مقدمة في منتصف التحميلة و في نهايتها. و يفضل كذلك أن يطلق على الاستعراض اسم التفريد، أما السؤال والجواب فيفضل أن يطلق عليه اسم الوحايد و هو في ذلك يتبنى تقارباً في نمذجة التحميلة على قالب الدور والذي هو قالب عربي غنائي شاع مع التحميلة في عصور متزامنة.

السبت، 19 سبتمبر 2015

الإسكندرية تستضيف مهرجان أجيال 29 سبتمبر

تستضيف مدينة الإسكندرية مهرجان أجيال للموسيقى العربية الثلاثاء 29 سبتمبر 2015. يشترك في المهرجان عدة فرق وفنانين من داخل وخارج مصر.
ينفرد مهرجان أجيال بتقديم أعمال فنية جديدة بجانب الأعمال الكلاسيكية لكبار الفنانين الرواد مثل سيد درويش، محمد عبد الوهاب، رياض السنباطي، زكريا أحمد ومحمد القصبجي، بالإضافة إلى ألحان التراث الأقدم كالأدوار والموشحات والطقاطيق. ويهدف المهرجان بجمع القديم والجديد إلى تشجيع المواهب الشابة بتقديم أعمالهم مع الاقتداء بالفن العربي الأصيل بمدارسه المختلفة. ويشمل البرنامج أعمال ثلاثة أجيال على الأقل في عرض واحد، ومن هنا جاءت تسمية المهرجان.
تضم قائمة المشاركين فرقة الإسكندرية للموسيقى العربية وفرقة بنزرت للموسيقى العربية التونسية بقيادة الفنان محمد موحى، وعديد من المطربين والمطربات منهم ياسر الشرقاوي، فيصل رجيبة، أميرة، عادل يوسف، أحمد حسام، أحمد حسن، وكريم عبد العزيز. ومازالت بعض المشاركات معلقة مثل فرقة الفجيرة من الإمارات وفرقة أصوات المدينة من السودان والمطربة السورية لميس خوري.

يقام المهرجان برعاية جمعية الموسيقار محمد عفيفي وثقافة الشاطبي. عمل محمد عفيفي أستاذا للموسيقى الشرقية بمعهد الموسيقى العربية بالإسكندرية، وكان من أحد تلاميذه في المعهد الملحن الكبير كمال الطويل. وكما يقول الفنانون السكندريون يعود إليه الفضل في تدريب عدة أجيال من الفنانين عبر نشاطه في الإذاعة والمؤسسات الثقافية والفنية والتعليمية لأكثر من خمسين عاما. وكان الحارس الأمين على التراث الفني خاصة تراث سيد درويش وزكريا أحمد، كما ساهم كثيرا في توثيق ونشر التراث. ومن ضمن أعماله عدة ألحان لمطربة القطرين فتحية أحمد ستقدم بعضها فرقة الإسكندرية بقيادة أحد تلاميذه، المايسترو مدحت بسيوني.
يقدم المهرجان 10 جوائز منها ثلاثة جوائز لأفضل مستوى هي الفنار الذهبي والفضي والبرونزي، وميداليات ذهبية للفنانين المتميزين، ويحضره جمع من الجمهور السكندري العاشق للفنون. كما يستضيف المهرجان بعض ضيوف الشرف منهم الدكتور حسن البحر درويش حفيد فنان الشعب، والحافظ لكثير من أعماله، والأستاذ محمد غنيم رائد الثقافة الجماهيرية، والفنان على الجندي رائد الفنون الشعبية، والأستاذ محمود حسن مدير ركن محمد عبد الوهاب، والشاعر جابر بسيوني الذي ضم أحد كتبه فصلا عن الفنان محمد عفيفي، والصحفي البارز حسام عبد القادر، والكاتب الأديب منير عتيبة، بالإضافة إلى بعض الشخصيات العامة. 
يقام المهرجان على أحد أكبر مسارح الإسكندرية، مسرح كلية النصر للبنات EGC ، وجرى التحضير له منذ عدة أشهر. ويقول منظم المهرجان الدكتور أسامة عفيفي إن فكرة إقامته بدأ تتبلور مع إحياء ذكرى الفنان محمد عفيفي، وتطورت إلى مهرجان شامل لما وجدنا حماسا كبيرا من فناني الإسكندرية وكذلك من فرق عربية للمشاركة في عمل كبير يجمع الفنانين العرب المهتمين بالتراث وتقديم أعمال جديدة تعبر عن الهوية العربية الأصيلة يشارك فيها الشباب. 
ويضيف أنه "كان هناك بعض الصعوبات أمام إقامة المهرجان أهمها التمويل، ولم نجد تشجيعا ولا مساهمة من أي جهة رسمية مثل وزارة الثقافة التي يفترض أن تكون الراعي الأول لمثل هذا النشاط الذي يلقى قبولا جماهيريا كبيرا، وكان يجب على الأقل أن تفتح المسارح للنشاط الجماهيري لكنها فضلت إبقاءها مغلقة طالما لا تعرض برنامج الوزارة"، "كما أن وزارة التضامن الاجتماعي وضعت عقبات كبيرة في طريق تمويل المهرجان، ونأمل أن تلتفت هذه الجهات إلى دورها في رعاية ودعم الفنون بطريقة أفضل في المستقبل. بالإضافة إلى مشاكل أخرى مثل صعوبة الحصول الفنانين العرب على تأشيرة أو تذاكر السفر، ولكن تم التغلب على معظم هذه العقبات بفضل حماس وإقبال الفنانين ومحبي الفن. وقد تلقينا طلبات اشتراك من مصر وتونس والكويت والإمارات وسوريا والسودان، ومن لم يشترك في دورة هذا العام سنرحب به في الدورات القادمة بإذن الله".
تتألف هيئة التحكيم من خمسة أعضاء هم الموسيقار منير الوسيمي، نقيب الموسيقيين السابق، الموسيقار إيهاب عبد السلام عضو لجنة الاستماع الموحدة للإذاعة والتليفزيون بالقاهرة، الدكتورة سلوى حسن أستاذة الغناء بالمعهد العالي للموسيقى، الكونسرفاتوار، بالقاهرة، الموسيقار أحمد خليل، قائد فرقة الإذاعة ونقيب الموسيقيين السابق بالإسكندرية، والدكتور أسامة عفيفي المدير الفني لمهرجان أجيال.
ويضم موقع المهرجان الرسمي قائمة بالفنانين والفرق المشاركة، ونموذج تسجيل الاشتراك وصور الجوائز، وفيديو يعرض فكرة المهرجان وأهدافه.
روابط

السبت، 12 سبتمبر 2015

في ذكرى رياض السنباطي

هذا العام 2015 يوافق الذكرى التاسعة بعد المائة لميلاد الفنان الرائد رياض السنباطي والذكرى الرابعة والثلاثين لرحيله. ولد رياض  في 30 نوفمبر 1906، ورحل عن عالمنا في 9 سبتمبر 1981 تاركا ثروة فنية عظيمة
استطاع رياض السنباطي الصعود إلى قمة السلم الفني كبار بموهبة عظيمة وإخلاص كبير، ولا يمكن ذكر اسم كوكب الشرق أم كلثوم دون ذكر اسم الملحن الكبير الذي لحن لها أفضل ما غنت.
برع السنباطي خاصة في تلحين القصائد خاصة التي غنتها أم كلثوم، وبفضل ألحانه انتشرت قصائد عربية عظيمة، كما غنت له كوكب الشرق العشرات من الألحان الرومانسية معظمها من كلمات أحمد رامي

بدأ رياض نشاطه الفني في العشرينات واستمر حتى السبعينات من القرن العشرين، لكن شهرته بدأت مع أم كلثوم عندما لحن لها لأول مرة أغنية بعنوان "على بلد المحبوب" عام 1936.
لم يكن اتجاه رياض للفن صعبا كما كان الحال مع غيره من الفنانين، فقد نشأ في أسرة فنية وعلمه والده بنفسه مبادئ الموسيقى والعزف على العود، وبدأ رياض كمطرب خاصة بألحان محمد القصبجي، ثم ترك مدينته "المنصورة" وانتقل إلى القاهرة حيث التحق بمعهد الموسيقى.
بلغت ألحانه لأم كلثوم أكثر من 90 أغنية خلال أربعة عقود آخرها عام 1972 بقصيدة "الثلاثية المقدسة" وهو صاحب أطول قائمة في ألحان أم كلثوم. قدم السنباطي لأم كلثوم مجموعة أغان قصيرة لأم كلثوم ظهر فيها تأثره بأسلوب محمد القصبجي، قبل أن يضع أول طويل لها "فاكر لما كنب جنبي" وهو لحن رومانسي كتب كلماته أحمد رامي في قالب المونولوج، وكان فرصة جيدة لإظهار أسلوبه الخاص في التلحين الذي صبغ معظم ألحانه العاطفية بعد ذلك. كانت تلك الأغنية تسمع في الستينات وكأنها صنعت لتوها وليس في الثلاثينات.

في عام 1940 حقق السنباطي جماهيرية كبيرة بلحنه "يا ليلة العيد آنستينا وجددتي الأمل فينا" من كلمات أحمد رامي، وهي الأغنية التي تزامن إذاعتها مع ظهور هلال العيد كل عام، وانتقل بها السنباطي من صانع ألحان إلى صانع فولكلور. ولم ينافسه في ذلك غير الشيخ زكريا أحمد الذي لحن لأم كلثوم أيضا أغنية الليلة عيد (حبيبى يسعد أوقاته) من كلمات بيرم التونسى بعدها بثلاث سنوات ولا زالت الأغنيتان تثيران البهجة في النفوس وينتظر سماعها الناس لتبدأ التهاني بالعيد، وبهما خط السنباطي وزكريا عميقا فى الوجدان العربي ونجحا في كسب الجمهور لأجيال.

خلال الأربعينات كان على رياض منافسة الملحن الذى يخشاه الجميع، الشيخ زكريا، الذى بلغت ألحانه لأم كلثوم قمة الشرقية والطرب لا يجاريه أحد، وكان زكريا نهرا لا ينضب من الألحان الموغلة في الشرقية والجذور الشعبية للموسيقى التي تأسر الأسماع والقلوب. من أمثلة ما لحن زكريا في تلك الفترة أنا فى انتظارك ، الآهات ، حبيبى يسعد أوقاته ، أهل الهوى ، الأوله فى الغرام ، الأمل ، الحـلم. كما كان عليه منافسة عملاق آخر هو محمد القصبجى، الملحن المجدد صاحب أغنية أم كلثوم الأسطورية "رق الحبيب". 
لكن السنباطي وجد طريقا آخر لم يطرقه الآخرون كثيرا، وهو القصائد. وفي عام 1946 بالتحديد قفز قفزة هائلة بثلاث قصائد طويلة من شعر أحمد شوقي هي ولد الهدى، سلوا قلبي، و نهج البردة. بثت تلك القصائد روحا جديدة فى الأغنية العربية تميزت بالأصالة والجدية والتجديد ونالت إعجاب المستمع العربى فى كل مكان، وبها رسخ السنباطي أقدامه ليس في عالم التلحين بل كشخصية عربية مهتمة بالتاريخ والفكر والوجدان العربي على مستوى الأمة العربية كلها. ولا شك أن قيامه بتلحين أشعار شوقي بما احتوته من مضامين ومعان سامية قد أضاف بعدا جديدا إلى مهمة الغناء العربي كما أضاف جمهورا كبيرا في جميع البلاد العربية التي كانت تتطلع إلى الشعور بقوميتها المستقلة بعد حقبة طويلة من السيطرة العثمانية. ووجدت أم كلثوم في رياض السنباطي الملحن الموهوب الذى يستطيع تطويع الشعر العربي للحن والموسيقى بحيث يردده الناس وكأنهم يستخدمون لهجاتهم المحلية.
لم يكن هذا الأفق العربي جديدا تماما، فقد ارتاده محمد عبد الوهاب بقصائد شوقى وغيره، وهنا لابد أن نذكر لأم كلثوم اختيارها لتلك الأشعار حتى وإن كان من باب التنافس مع عبد الوهاب. وهو تنافس إيجابي صبت نتيجته في صالح الفن والمجتمع.

كما يجب هنا الإشارة إلى دور الفنان في بناء ثقافة مجتمعه. فلولا تلحين وغناء تلك القصائد التي عبرت بصدق عن الهوية العربية لظلت حبيسة الكتب والدواوين، وبالغناء يصل الشعر والثقافة السامية إلى كل الناس حتى الأميين. وكان عبد الوهاب لا يكتفي بإنشاد قصائد مثل دمشق وفلسطين وإلام الخلف، وإنما كان يجوب البلاد العربية بنفسه ويشارك الأمة كلها في إعلاء ثقافتها
إضافة إلى البعد اللغوي والمعنوي هناك بعد لا يقل أهمية، وهو تحديث الفن. قبل ذلك الحين لم يكن هناك فن حديث في بلاد العرب، فقط بعض الفن الشعبى المحلي، وبعض الموشحات الأندلسية. ومع ظهور هذه الفئة من الملحنين المجددين والمطربين المثقفين، أصبحت الموسيقى العربية أحد مكونات الهوية العربية الحديثة، وإحدى أدوات المجتمع في التحديث.

لم تطل منافسة رياض لزكريا والقصبجي طويلا، ففي عام 1947 اختلفت أم كلثوم معهما وتوقفا عن التلحين لها، وخلت الساحة لرياض الذي أصبح الملحن الوحيد لأم كلثوم.
لكن المنافسة لم تنته مع عبد الوهاب، الذي تربع على قمتي التلحين والغناء بألحان عظيمة لقصائد كبرى مثل الجندول، الكرنك، كليوباترا، دمشق ، فلسطين، دعاء الشرق، والنهر الخالد
دخل هذه المنافسة الشاعر الذى حبس نفسه فب شعر العامية طويلا، أحمد رامي، بمفاجأة كبرى حين ترجم رباعيات الخيام الفارسية شعرا إلى العربية ليلحنها السنباطي بلحن عربي أصيل وينتقل الثلاثي بالقصيدة من الآفاق القومية والتاريخية إلى آفاق إنسانية وفلسفية واسعة تخاطب الإنسان في كل مكان. 
عام 1950 أرسى رياض السنباطى معالم مرحلة جديدة في التلحين غلب عليها الطابع العاطفي بدأت بأغنيات سهران لوحدى، جددت حبك ليه، يا ظالمني، معظمها من كلمات أحمد رامي، واستمرت لأكثر من عقدين حتى السبعينات.
ثم في عام 1951 دخل السنباطي مجالا جديدا هو الأغنيات الوطنية، وأبدع سلسلة منها بدأت بالقصيدة الشهيرة لشاعر النيل حافظ إبراهيم "مصر تتحدث عن نفسها". ولحق السنباطي وأم كلثوم بعبد الوهاب مرة أخرى بتقديم القصائد الجادة أسهمت في بث الروح الوطنية وتدعيم الاعتزاز بالهوية. تخلل السلسلة أغان شهيرة مثل مصر التي في خاطري، مثال الوطنية، ثوار، طوف وشوف، حبنا الكبير وغيرها. 
اشتهرت خاصة من حقبة الخمسينات أغنية شمس الأصيل من كلمات بيرم التونسي. واستمر عطاء السنباطي حتى السبعينات مضيفا ألحانا جديدة إلى رصيده الغني تنوعت بين العاطفي والوطني والديني وكانت قصيدة الأطلال حديث الجميع عام 1966، ولا زالت، من أشعار إبراهيم ناجي، أعقبها أغنيات رائعة مثل أقبل الليل، من أجل عينيك، حديث الروح، القلب يعشق كل جميل، والثلاثية المقدسة التي كانت آخر ألحانه لأم كلثوم عام 1972.

ولغير أم كلثوم لحن السنباطي عشرات الألحان من المطربين والمطربات منها لعبة الأيام لوردة الجزائرية، كما غنى بعض ألحانه بنفسه لكنه لم يحترف الغناء. ورغم أنه يسبق له الغناء من ألحان غيره بعد احترافه التلحين، غنى رياض لسيد درويش أحد ألحانه بصوته وهو دور أنا هويت وانتهيت إعجابا وتقديرا لفن الفنان الخالد، الذي غنى ألحانه أيضا الشيخ زكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب

إلى جانب التلحين نشط رياض في تأليف الموسيقى البحتة، ومن أشهر ما ألف "لونجا رياض" وهى مقطوعة رشيقة من قالب اللونجا الكلاسيكي مقام فرحفزا. كما اشتهر كعازف عود من الطراز الأول، وله تقاسيم شهيرة بأسماء مقاماتها، وتميز أسلوبه بالمزج بين دقة التكنيك وجمال الجملة الموسيقية. د.أسامة عفيفى - رياض السنباطى 1906 - 1981

الجمعة، 4 سبتمبر 2015

قصائد عبد الوهاب - الصبا والجمال

الصبا والجمال
كلمات بشارة الخوري
ألحان وغناء محمد عبد الوهاب 
مقام كورد حسيني
فيلم يوم سعيد 1940
الصبا والجمال لحن غير عادي من ألحان عبد الوهاب، فهو يقدم نموذجا يندر وجوده، ليس فقط في ألحانه بل في الموسيقى العربية عامة. وهو علامة فارقة في أسلوب التلحين وتلحين القصائد بصفة خاصة. كما أنه إشارة إلى طريق جديد تمكن منه عبد الوهاب يجمع بين الأسلوبين الغربي والشرقي، يتلخص في البدء بنموذج موسيقي غربي الطابع يتلوه نقلة شرقية بحتة بطريقة غير متوقعة. نجد هذا النموذج في ألحان مثل "إيه انكتب لي" و "يا مسافر وحدك" و"ماكانش ع البال". لاقى هذا الأسلوب نجاحا كبيرا وأحبه الجمهور كثيرا لأنه وجد فيه الحداثة والطرب معا وفي نفس العمل.

قبل هذا استعان عبد الوهاب بالإيقاعات الغربية في تلحين نماذج مثل "جفنه علم الغزل" و"سهرت" و "عندما يأتي المساء" دون الدخول مباشرة في وضع لحن غربي الطابع. امتد استخدام عبد الوهاب لهذا النموذج مع تطويره حتى بلغ أوجه في الخمسينات كما يظهر في "عاشق الروح" و"لأ مش أنا اللي ابكي".

الفرق يظهر كبيرا بين ألحان عبد الوهاب "القديم"، في العشرينات وأوائل الثلاثينات وقد سار في طريق التطوير المستمر خاصة في الأربعينات والخمسينات، مشتقا أساليب الموسيقى الغربية مع تجديد اللحن العربي والخروج به من القولبة الجامدة والجمل التقليدية. غير أنه في طريق تلحين القصائد الكبرى رأى أن يسبغ عليها جوا شرقيا خالصا لما احتوته موضوعاتها من معاني وصور عربية الشكل والمضمون مثل مجنون ليلى، قالت، دمشق، فلسطين، النهر الخالد، أو شرقية الطابع والهوى مثل الجندول، الكرنك، وكليوباترا

يلاحظ أن الكلمات الأصلية قد جرى تغييرها من قبل الملحن في البيت الأخير
تقول الكلمات الأصلية
رَفَعُوا مِنْكِ للجَمَالِ إلهاً .. وَانْحَنَوْا سُجّداً عَلَى قَدَمَيْكِ
اعترض عبد الوهاب على التعبيرين "إلهاً"، و "سُجّداً" حيث وجد فيهما مسحة وثنية لا ضرورة لها، فأبدلهما بكلمتي "مثالاً" و"خُشّعاً"
وتم تغيير البيت إلى
رَفَعُوا مِنْكِ للجَمَالِ مثالاً .. وَانْحَنَوْا خُشّعاً عَلَى قَدَمَيْكِ 


لحن الصبا والجمال
1. المقام الموسيقي
مقام اللحن الأساسي مقام كورد الحسيني، وهو مقام كورد مصور على درجة الحسيني
"لا" بدلا من درجة الدوكاه "ري" في الكورد الطبيعي. ، وبهذا تنخفض طبقة المقام الصوتية درجتين ونصف عن طبقة المقام الطبيعي. تظهر فائدة هذا التصوير في الغناء حيث بدون نقل المقام إلى درجة أدنى يصل صوت المغني إلى درجة جواب النوا صعبة المنال في أعلى السلم الطبيعي، وفي حالة التصوير ستعادلها درجة المحير أو جواب الدوكاه "ري" وهي درجة يسهل الوصل إليها والتحكم فيها.
تحديد المقام الأساسي وطبقته مهمة أساسية في عمل الملحن، وهنا يظهر كيف أن واضع اللحن إما أنه قد رآه كله قبل أن يكتمل فقرر خفض المقام، أو أنه بدأه على المقام الطبيعي ثم اضطر لخفضه في النهاية، لكن النتيجة واحدة أيا كانت البداية
2. المقدمة
سولو بيانو مقام كورد الحسيني
مقدمة هذا اللحن فقط تكفي لاعتباره لحنا متفردا ومتقدما بالموسيقى العربية إلى أفق جديد، رغم أنها غاية في البساطة وتم أداؤها على آلة واحدة فقط هي البيانو. لم يسبق أن تغنى مطرب عربي بمصاحبة البيانو فقط. وقد يقول قائل إن البيانو كغيره من الآلات يمكنها أداء آلات التخت الشرقي ولا جديد في مصاحبته للغناء. لكن الحقيقة أن الآلات الأخرى لا يمكنها أداء ما نسمعه من البيانو الذي يتمتع بإمكانيات خاصة منها العزف على الجانبين الأيمن والأيسر بنغم مختلف، إصدار أكثر من نغمة توافقية في وقات واحد بضربة واحدة أو ما يسمى
"الأكورد"، وإمكانية تأكيد كل درجة من درجات المقام بعزف الدرجات الأساسية (أربيج) لسلم خاص يعبر عنها بدلا من المصاحبة بنفس لحن الغناء.
3. الغناء والفواصل الموسيقية
· بداية الغناء حرعلى نفس المقام لكنه يختتم السلم بمقام البياتي
(الفرق بينهما ربع تون فقط) مع عبارة "نصب الحسن"
لماذا ينهي عبد الوهاب غناء المقطع بهذا التغيير في المقام؟ إنها شرقية المقام الذي لا يوجد مثيل له في الموسيقى الغربية، وعبد الوهاب مهما قيل عنه شرقي أصيل، يدرك تماما أنه يغني شعرا عربيا وتسمعه آذان عربية ويخاطب وجدانا عربيا.
البصمة الشرقية تفرض نفسها هنا حتى مع آلة غربية وتكنيك أداء غربي وتآلفات هارمونية غربية، لكنها تفرض بصوت المغني فقط ودون أية مصاحبة آلية، ويصمت البيانو تماما عندما يلمس صوت عبد الوهاب الربع تون الشرقي ليس فقط لأن نغمته غير موجودة أصلا على مفاتيحه ولكن لسبب آخر أوجه.
لا يفكر الملحن هنا في إضافة آلة أخرى شرقية تستطيع أداء المقام الشرقي لتصاحب الغناء لأن فلسفة المقطع كله تقوم على تكنيك لا يعتمد على المصاحبة المثلية للغناء، وإنما على المصاحبة الهارمونية المتوافقة بأنغام أخرى، وإذا تم استخدام آلة شرقية هنا ستهدر قيمة المصاحبة الهارمونية تماما ويعود الأسلوب إلى الطريقة الشرقية التقليدية التي نسمع فيها جميع الأصوات بما فيها صوت المغني تؤدي نفس الأنغام. وليت عبد الوهاب قد أكثر من هذا النموذج الذي يقدم كثيرا من مفاتيح الحداثة، وليت غيره من الملحنين قد انتبه إليه، ولو تم لكانت موسيقانا الآن أفضل بكثير
· لازمة نهاوند على جواب ركوز الكورد تمهيد لمقطع غائي جديد مقام نهاوند
· مقطع موسيقي مميز من مقام شاهناز مصور تمهيدا للمقطع الغنائي التالي بداية من
"سكر الروض" مع تحول مقامي غنائي إلى مقام الراست على رابعة المقام. يمكن سماع صدى هذا المقطع مقتبسا في لحن فيروز الشهير "وينن" حيث تم اقتباس النصف الأخير منه تقريبا كما هو
· عودة إلى البياتي بتمهيد موسيقي قصير في جواب المقام مصحوبا بالإيقاع لأول مرة في اللحن بداية من
"قتل الورد نفسه"
· عودة إلى المقام الأصلي، الكورد، بنفس سولو البيانو في المقدمة مع توقف الإيقاع
· عودة إلى الغناء الحر من مقام الكورد في آخر بيتين في مقام الكورد مختتما بالبياتي كما كان في بداية الغناء تأكيد سولو البيانو بالأوركسترا الكامل ثم الختام بالبيانو فقط في استعادة لنفس الجو الذي بدأ به اللحن، د.أسامة عفيفي، قصائد عبد الوهاب، الصبا والجمال.
4. التعبيــر
· يمثل هدوء اللحن ورومانسيته قيمة جمالية كبيرة تضيف إلى الشعر، وكذلك مقام الكورد الرقيق الذي اختاره الملحن، ثم التعبير عن كل ذلك بآلة البيانو المعروفة بانسجامها مع هذه الأجواء
· أضفى مقام شاهناز المصور قبل وبعد البيت
"ما تغنى الغزار .." بعدا نفسيا وتأثيرا وجدانيا أعمق خاصة مع الحركات السريعة المتوالية دون إيقاع في نسج تعبيري خالص وكأنه موسيقى تصويرية وليس لحنا غنائيا
· الإقلال من استخدام الإيقاع حافظ على وتيرة اللحن الهادئة والتي اشتهر بها رغم صدح الطرب في المقطع الإيقاعي
· الختام بنفس الروح التأملية التي بدأ بها اللحن أكد مغزى القصيدة كلها 

الصبا والجمال
الصِّبَا وَالجَمَالُ مُـلْكُ يَدَيْكِ .. أيُّ تَاجٍ أعَـزُّ مِـنْ تَاجَيْكِ
نَصَبَ الحُسْـنُ عَرْشَـهُ فَسَـألنَا .. مَنْ تُـرَاهَا لـَهُ، فَـدَلَّ عَلَيْكِ
فَاسْكُبِي روحَكِ الحَنونَ عَلَيْهِ .. كَانْسِـكَابِ السَمَاءِ فِي عَيْنَيْكِ
كُلَّمَا نَافَـسَ الصِّبَا بِجَمَالٍ .. عَبْقَـريِّ السَّـنَا نَمَّـاهُ إلَيْكِ
مَا تَغَنّى الغزارُ إلاّ لِيُلْقِي .. زَفرَاتِ الغَرَامِ فِي أُذُنَيْكِ
سَكِرَ الرَّوضُ سَكْرَةً صَرَعَتْهُ .. عِنْدَ مَجْرَى العَبِير مِنْ نَهـْدَيْكِ
قَتَلَ الوَرْدُ نَفْسَـهُ حَسَداً مِنْكِ .. وَألْقَى دِمَـاهُ فِـي وَجْنَتَيْكِ
وَالفَرَاشَـاتُ مَلَّتِ الـزَّهر لَمَّا .. حَدَّثَتْـهَا الأنْسَامُ عَنْ شَـفَتَيْكِ 
رَفَعُوا مِنْكِ للجَمَالِ مثالا .. وَانْحَنَوْا خشعا عَلَى قَدَمَيْكِ

الخميس، 3 سبتمبر 2015

قصائد عبد الوهاب - أعجبت بي

أعجبت بي
كلمات مهيار الديلمي
ألحان محمد عبد الوهاب
مقام بياتي 1939
غنى عبد الوهاب هذه القصيدة بمناسبة زفاف الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق ملك مصر إلى ولي عهد إيران محمد رضا بهلوي (شاه إيران فيما بعد) عام 1939
القصيدة للشاعر مهيار الديلمي (ت 1037م)، وهو شاعر فارسي أجاد العربية وله ديوان كبير بالفصحي ضم أكثر من 400 قصيدة 
كتب مهيار قصيدته في امرأة من عصره، وظلت طي الكتب حتى انتبه لها الموسيقار عندما دعي لإحياء حفل الزفاف الملكي بالقاهرة. وفق عبد الوهاب تماما في اختيار الأغنية التي اختارها بعناية شديدة من بين آلاف القصائد القديمة والحديثة، وهي تشيد وتزهو بتاريخ الفرس والعرب، وقام بتلحينها بعد تغيير بعض كلماتها لتناسب المناسبة. ولم تكن المناسبة مجرد حدث اجتماعي، فهناك أبعاد سياسية كبيرة لهذا الزواج الملكي الذي جمع بين دولتين كبيرتين في المنطقة، وحقق التحالف بينهما في جو من الابتهاج والاحتفالية، وحال دون التصادم بينهما 

استخدم عبد الوهاب ثلاثة مقامات رئيسية في هذا اللحن هي النهاوند والبياتي والراست. الأول مصور على درجة النوا (فرحفزا)، الثاني طبيعي، الثالث مصور على درجة النوا. والمقامات الثلاثة يمكن الانتقال بينها بسهولة دون مفاجأة كبيرة لكن عبد الوهاب استخدم تمهيدا موسيقيا قصيرا قبل بدء الغناء في أي منها، ثم على غير المعتاد ختم اللحن بمقام غير الذي بدأ به، لكن الحقيقة أنها كادت أن تصبح عادة عند عبد الوهاب من كثرة ختامه بمقام مختلف

غير أن هذا الأسلوب ليس بلا أساس، فالقصائد غير الأغاني من حيث طريقة الكتابة، ومن سمات الأغنية وجود مقطع مكرر بين الأبيات أو ما يسمى بالمذهب، فإذا كان بلحن معين أعيد بلحنه ومقامه كما هو، وهذا النظام لا يوجد في القصائد التي تسترسل فيها الأبيات دون تكرار مهما بلغ طول القصيدة، وبالتالي يختلف موضوع ولحن كل بيت عن سابقه حتى البيت الأخير. وهكذا من المنطقي أن تكون نهاية لحن القصيدة مختلفة في النغم والمقام


1. المقدمة الموسيقية
بداية كالسوناتا الغربية من مقام فرحفزا / صول مينير
جملة موسيقية قصيرة لتأكيد المقام
مقطع موسيقي على دقات المارش من نفس المقام
فاصل ناي تمهيد للغناء
2. الغناء
تمهيد موسيقي قصير للانتقال المقامي للبياتي مع بداية الغناء
تنوع الغناء بين اللحن التقليدي المرسل والموقع مع الاحتفاظ بالطرب في معظم المقاطع
· بداية غنائية تقليدية من أول أعجبت بي حتى أنا من يرضيك عند النسب مع بداية استخدام التعبير اللفظي في كلمة "يخفضني" بالهبوط فجأة بأوكتاف كامل
· إيقاع ثنائي رشيق مع عودة لمقام الفرحفزا في "قومي استولوا على الدهر" واستخدام السلم الملون " الكروماتيك في الفواصل الموسيقية
· غناء مرسل ثم التعبير اللفظي مرة أخرى في "عمموا بالشمس هاماتهم" ، و"بالشهب" بالقفز إلى خامسة مقام الفرحفزا
· عودة للغناء التقليدي مع انتقال مقامي إلى راست النوا
· إيقاع دارج لطيف مع "قد قبست" على راست النوا مع تصاعد تدريجي للجمل اللحنية
· الجملة الختامية مطربة للغاية يتبعها قفلة موسيقية قوية تعلن بوضوح انتهاء الأغنية، وينتهي اللحن في مقام مختلف عن البداية (راست النوا)
3. الفواصل الموسيقية (اللزم)
يخصص الملحن وظائف لكل فاصل موسيقي بحيث لا تكون مجرد نغمات وإنما يؤدي كل منها دورا يخدم اللحن ككل
التمهيد لتغيير المقام من الفرحفزا إلى البياتي والعودة إليه
المارش يوحي بالجو الرسمي داخل القصور والسلامات الملكية
4. الإيقاع
الإيقاع الثنائي يعبر عن حالة الزهو التي يتحدث عنها النص في الفخر بالنسب
الإيقاع الدارج الثلاثي القريب من الفالس الراقص يكمل التعبير عن حالة الزهو حيث يستمر النص في التغني بنسب الدنيا والدين
5. جملة الختام القوية جملة لحنية تقريرية من أجل تأكيد جميع ما جاء بالنص 
أعجبت بي
أعجبت بي بين نادي قومها .. ذات حسن فمضت تسألني
سرها ما علمت من خلقي .. فأرادت علمها ما حسبي
لا تخالي نسبا يخفضني .. أنا من يرضيك عند النسب
قومي استولوا على الدهر فتى .. ومشوا فوق رؤوس الحقب
عمموا بالشمس هاماتهم .. وبنوا أبياتهم بالشهب
وأبي كسري على إيوانه .. أين في الناس أب مثل أبي
قد قبست المجد عن خير أب .. وقبست الدين عن خير نبي
فضممت الفخر من أطرافه .. سؤدد الفرس ودين العرب

الاثنين، 3 أغسطس 2015

مؤلفات عبد الوهاب الموسيقية - فرحة

موسيقى فرحة
محمد عبد الوهاب
مقام نهاوند 1935
بدأ عبد الوهاب عام 1935 يضع بصمات مميزة للمقطوعات الموسيقية مع موسيقى فرحة، ونشوتي، ولغة الجيتار، ومنذ ذلك الوقت، وكأنه اكتشف خريطة كنز ما، سار على نفس النهج تقريبا في كل ما تلا ذلك من مقطوعات
أهم سمات تلك المقطوعات استخدام جملة لحنية مميزة تكون عنوانا للموسيقى كلها، تماما مثل "المذهب" في تكوين الأغنية، فراعى في تكوينها قوة الجملة وجاذبيتها، وكرر استخدامها كتسليم بين المقاطع لتتميز بها المقطوعة وبذلك احتفظ عبد الوهاب من الأشكال التقليدية بفكرة التسليم دون التقيد بشكل أو إيقاع معين، وتحرر من باقي القيود مما أتاح له حرية التأليف والتعبير 

موسيقى فرحة
تتكون المقطوعة من 3 حركات وتسليم
تتألف الحركات الثلاث من مقامات مختلفة، نهاوند، نكريز، فا ماجير
يتقاطع مع الحركات جملة لحنية مميزة من مقام آخر، دو ماجير، بإيقاع ثنائي سريع، تستخدم كتسليم تعود إليه الموسيقى بين المقاطع

1. الحركة الأولى مقام نهاوند من 3 جمل بدون إيقاع، الأولى متصاعدة في زمن ثلاثي، الثانية هابطة من الدرجة الخامسة في زمن ثنائي مع استخدام السلم الكروماتيك، الثالثة هابطة من قمة السلم إلى درجة الركوز في زمن ثنائي متباطئ
2. الحركة الثانية هادئة مقام نكريز في زمن رباعي بدون إيقاع
3. الحركة الثالثة مقام فا ماجير في إيقاع ثنائي، تنتهي بالعودة للتسليم ولكن من الحركة الأخيرة فا ماجير
خصائص
1. تنوع الأزمنة والإيقاعات
2. تنويع المقامات على نفس درجة الركوز، بالانتقال من النهاوند إلى دو ماجير إلى النكريز، أسلوب معتاد في الموسيقى الشرقية والغربية، وله أثر مميز لدى السامع
3. استخدام جملة لحنية مميزة كتسليم تعود إليه الموسيقى بين المقاطع
4. يستخدم في المقطوعة 4 مقامات ليس من بينها ما يحتوي على ربع التون الشرقي
5. تعلية المقام بالقفز من أساس دو ماجير إلى الدرجة الرابعة لبدء مقام من نفس النوع، فا ماجير، أسلوب لم يستخدم من قبل في الموسيقى الشرقية
6. الختام بالتسليم في مقام أعلى 
7. استخدام التوافق الهارموني البسيط في الختام
التعبيــر

يعبر المؤلف هنا عن موقف معنوي محدد وهو ما يشير إليه عنوان المقطوعة "فرحة". واستطاع التعبير عنه باللحن المميز الذي تكرر بين المقاطع وأصبح شعار المقطوعة، وجاء اللحن رشيقا خفيفا سريعا منطلقا مما يوحي بالمعنى المقصود. 
ثم أضاف له عدة أطر من ألوان متباينة عبرت عنها الحركات الثلاث وكأنها تحكي مواقف قبل وبعد الشعور بالفرحة، د.أسامة عفيفي، مؤلفات عبد الوهاب الموسيقية، موسيقى فرحة

الجمعة، 31 يوليو 2015

مؤلفات عبد الوهاب الموسيقية - وفاء

موسيقى وفاء
محمد عبد الوهاب
مقام نهاوند 1935
ما زلنا نتابع معا مؤلفات عبد الوهاب الموسيقية بترتيب زمني حسب وقت تأليفها حتى يتسنى لنا متابعة التطور التدريجي في تأليف المقطوعات الموسيقية وهو الشكل الذي ابتكره عبد الوهاب دون سابقة في الموسيقى العربية 
ولأن بعض المقطوعات غير معروفة للجمهور يحتمل أن تنسب مقطوعات عبد الوهاب إلى غيره. لذلك نقول إنه من الصعب إثارة الجدل حول مؤلف موسيقى من نوع المقطوعات أنتجت في ذلك الوقت (ثلاثينات القرن العشرين) وما إذا كان عبد الوهاب مثلا هو مؤلفها أم شخص آخر .. حيث أن الإجابة القاطعة ستكون لصالح عبد الوهاب، ببساطة لأنه لم يكن لأحد غيره وقتها مقطوعات موسيقية في غير القوالب القديمة المتعارف عليها كالسماعيات والبشارف وما إليها 
أما تحديد وقت إنتاج موسيقى بعينها فقد يكون عن طريق توثيق الاسطوانات أو الأفلام السينمائية التي ظهر بها كثير من مقطوعات عبد الوهاب، فإن لم يكن فباستطاعة الموسيقيين الخبراء تحديد وقت الإنتاج بالتعرف على أداء الفرقة ونوع الآلات وأسلوب التأليف بمجرد الاستماع 

تتكون موسيقى "وفاء" من مقدمة وتسليم وثلاث خانات (حركات)
1. مقدمة حرة هادئة يظهر فيها أداء الشللو كآلة أساسية من مقام نهاوند
2. جملة لحنية مميزة من نفس المقام على إيقاع رباعي بكامل الفرقة تستخدم كتسليم بين المقاطع
3. خانة أولى بلحن جديد من نفس المقام والإيقاع بكامل الفرقة تعود بعدها الموسيقى للتسليم
4. خانة ثانية من نفس المقام وعلى نفس الإيقاع يستخدم فيها هارموني ثلاثي الأبعاد بين العود القانون والفرقة، تتكون من 4 جمل في تدريج سلمي متتابع من أعلى المقام. هذه المرة لا تنتهي الخانة بالتسليم وإنما بالدخول في الخانة الثالثة
5. خانة ثالثة مقام ماجير على ركوز النهاوند بإيقاع ثنائي سريع للختام دون العودة للتسليم أو المقام الأصلي
خصائص
1. هناك بناء واضح المعالم لشكل المقطوعة من حيث أنها تنقسم إلى أجزاء مميزة، لكنها لا تنتمي إلى شكل معين من الأشكال التقليدية. رغم ذلك فالبناء الدرامي ليس بنفس الوضوح، فقد بدأ بموسيقى حرة تستخدم آلة حديثة الدخول على التخت الشرقي نسبيا، أو على الأقل ندر أن تفرد لها مقاطع خاصة بها في ذلك الوقت، ثم استكملت الموسيقى بمزيج من الجمل اللحنية بما فيها التسليم، ثم إهمال التسليم بين الخانتين الأخيرتين وإنهاء المقطوعة بموسيقى من خارج السياق
2. استخدام جملة لحنية أساسية تعود إليها الموسيقى بين المقاطع 
3. لا يمكن إغفال تجربة التوزيع الهارموني (الخانة الثانية) كقيمة مضافة إلى هذا العمل، ولو أنها تجربة بسيطة ومحدودة، إذ أن هذا النوع من التأليف يعتبر جديدا تماما في وقته على الموسيقى العربية وغير مألوف بالمرة للأذن العربية المعتادة على الطرب والميلودي الأحادي  
4. تشكيل ختام خاص للموسيقى بشكل يوحي بأنه مقطع ختامي بتسريع الإيقاع  
5. الانتهاء بمقام غير المقام الأساسي، د.أسامة عفيفي، مؤلفات عبد الوهاب الموسيقية، موسيقى وفاء

الخميس، 30 يوليو 2015

مؤلفات عبد الوهاب الموسيقية - شَغَل

موسيقى شَغَل
محمد عبد الوهاب
مقام بياتي النوا 1935

ربما من المناسب أن نبدأ وصف هذه الموسيقى باسمها المحيّر، قراءة وكتابة وتفسيرا.. 
فالاسم يقرأ "شَغَل" بفتح الشين والغين وسكون اللام .. 

تتكون موسيقى شغل من مقدمة و3 خانات أو حركات 
  • تحمل المقدمة كثيرا من سمات الألحان الغنائية فهي ذات صبغة لحنية مميزة بالإضافة إلى هدوء إيقاعها الرباعي مما يوحي بأنها تمهيد للغناء
  • الخانة الأولى فيما يشبه قالب التحميلة يدخل صوت القانون المنفرد على نفس الإيقاع في حوار بسيط مع التخت من نفس المقام ينتهي إلى التسليم بالعودة إلى لحن المقدمة
  • الخانة الثانية تخلو من الإيقاع وتتكون من مقطعين؛ الأول سولو ناي حر قصير يبدو هو الآخر كتمهيد للغناء، يتبعه مقطع مفاجئ للآلات الوترية، في جو آخر مخالف تماما، يتنقل سريعا متصاعدا بين 3 مقامات أخرى في أقل من 20 ثانية، بعد دقيقتين كاملتين على مقام واحد وإيقاع منتظم (حجاز مصور، حجازكار، كورد مصور، وعودة للحجاز)، بدلا من الشروع في الغناء، ثم يعود اللحن إلى المقام الأساسي والتسليم لنفس المقدمة التي بدأ بها
  • الخانة الثالثة مفاجأة أخرى بلحن ثنائي سريع يبدأ بحوار قصير بين العود والناي من مقامي الراست والشوري المصور، ثم أداء جماعي لكامل الفرقة فيما يشبه موسيقى اللونجا مع التحول إلى مقام الحجاز المصور ثم حجازكار للختام به دون العودة للتسليم
خصائص
  • ما زال عبد الوهاب هنا يمزج مقاطع من الأشكال التقليدية ليخرج شكلا جديدا لكنه ليس قالبا معروفا
  • هناك محاولة للتحرر وتقديم التعبير على التجريد لكنها ليست كاملة
  • من سمات التغيير في هذه المقطوعة تعدد المقامات وتغيرها المفاجئ والسريع، وعدم التقيد بإيقاع منتظم، د.أسامة عفيفي، مؤلفات عبد الوهاب الموسيقية، موسيقى شَغَل

الثلاثاء، 28 يوليو 2015

مؤلفات عبد الوهاب الموسيقية - عتــاب

موسيقى عتـــاب
محمد عبد الوهاب
مقام راست 1935 
تحليل موسيقي: د.أسامة عفيفي 

موسيقى عتاب من أجمل مؤلفات عبد الوهاب الموسيقية، وهي موسيقى تقطر رقة وعذوبة وتتقل السامع إلى آفاق وأعماق من التعبير عن موقف من أرق المواقف الإنسانية : العتاب

وهي من آيات التعبير بالموسيقى عن الشعور الإنساني دون اي استخدام للكلمات. وأعجب من التعبير عن الشعور توصيل الشعور إلى السامع وكأنه يسمع ويرى ويحس في نفس الوقت. والموقف هنا إنساني عام يمكن أن يمر به كل إنسان، وحتى لو كان المؤلف يعبر عن موقف شخصي أو قصة حدثت له فإنه بتعمقه في حالة الشعور قد يستطيع الغوص إلى أعماق النفس التي نشترك فيها جميعا كبشر، وهنا يكمن سر إعجاب الناس بهذا المؤلف أو ذاك وبموسيقى بعينها دون غيرها


يستخدم الفنان هنا خياله وأدواته للتعبير عن عنصرين أساسيين

الموقف الدرامي  : حوار بين اثنين  

الموقف الإنساني : محبان يتعاتبان، انفعال الطرفين كل في دوره بين الشدة والرقة وبين اللوم وتذكر الجروح وتمني النسيان وعودة الصفاء، وتبادل للأدوار في الحوار يعقبه التصالح والاتفاق

من الممكن تخيل عتاب يصدر من طرف واحد دون حوار فوري مع الطرف الآخر، وهذا الصورة موجودة بالفعل في وسائط أخرى غير الموسيقى كالرسائل والقصائد، على أن يأتي الرد لاحقا، ولكن موسيقارنا لا يطمئن لترك الموقف معلقا، إنه يفضل الوصول إلى نهاية الموقف بالنهاية السعيدة المرجوة، ثم إنه لن يضطر إلى تأليف موسيقى أخرى تصور رد المحبوب ثم ثالثة ورابعة لتصوير النقاش أو النتيجة .. هكذا عرض عبد الوهاب تلك الدراما كاملة بعتابها وحوارها ونتيجتها في موقف واحد

ومن السهل تخيل عبد الوهاب يشارك بطلة من بطلات أفلامه هذا الحوار وكأنهما يتبادلان الغناء رغم عدم وجود نص أو كلمات، ويبدو أنه تخيل ذلك فعلا قبل البدء فى هذا العمل فهو قريب الشبه بديالوجاته الغنائية في السينما 

البنــاء الموسيقي

لا يتحرر عبد الوهاب في هذه القطعة تماما من القوالب الموسيقية التقليدية كما تحرر في معظم مؤلفاته اللاحقة. صحيح أنه لا يتقيد بشكل معين، لكنا نستطيع اقتفاء آثار التقليد القديم في هذه الموسيقى المؤلفة في الثلاثينات

تتألف القطعة من ســتة أجزاء هي المقدمة والتسليم، وهو الجزء المكرر من الموسيقى، وثلاثة مقاطع تسمى خانات، ومقطع يحل محل التسليم بين الخانة الثانية والثالثة، تتحاور جميعها على مقام رئيسي هو الراست، وهو هنا مصور على الدرجة الثانية "ري/ دوكاه" في السلم الطبيعي ولذلك يسمى "راست دوكاه". والراست مقام شرقي يشبه السلم الطبيعي الغربى "الماجير" فى بنائه غير أن درجته الثالثة ناقصة ربع درجة وكذلك السابعة

يتخلل التسليم هذه الأجزاء، فيلحق بالمقدمة ثم يكرر بعد الخانة الأولى .. وسنشرح لاحقا لماذا لم يكرر التسليم بعد كل الأجزاء ولماذا تكرر مرتين رغم احتمال تصاعد الحوار أو انتهائه

هكذا يبدو بناء القطعة:

مقدمــة --  تسليم --  خانة 1 --  تسليم --  خانة 2 --  مقطع حر --  خانة 3 ( ختام ) 

واللافت للنظر في بناء هذه القطعة الفريدة هو إصرار مؤلفها الشديد على استخدام المحاورة الموسيقية كأسلوب أساسي حتي فى أدق الجمل، وإذا بحثنا عن التجريد الموسيقى أو الزخرفة أو الإبهار فلن نجد إلا القليل. ونعتقد أنه له كل الحق فى ذلك فإن هدفه كان التعبير عن موقف هو في الأصل حوار بين طرفين لا يجوز فيه أن ينفرد أي منهما بالتعبير كما لا يجوز النظر إلى الأشياء المحيطة أثناء هذا الحوار الإنساني وإلا خرج الموقف عن طبيعته

ومن اللافت أيضا عدم التنقل كثيرا بين المقامات رغم حرية الحركة، وسنأتي لذكر هذا لاحقا

1- المقدمة  

الميلودي: تتكون المقدمة من عدة جمل قصيرة تؤلف تتابعا كاملا تبدأ بالمقام الرئيسى، الراست، يتخللها جملتان قصيرتان من مقام النكريز وختام يعود إلى الراست تمهيدا للدخول في التسليم  

الزمن: ظاهر الحركات غير موقع لكن جزءا منها يسير في زمن السماعي الثقيل 10/8 وتنتهي بزمن ثلاثي

2- التســـليم

يتكون التسليم من جملتين رئيسيتين على ميزان السماعي، تبدآن من قمة السلم لتنتهي في الأساس كل بطريقتها، يتخلله حركات قصيرة متحاورة وينتهي بإيقاع ثلاثي

3- الخانة الأولى

استمرار لحوار المقدمة الهادئ يبدأ على ميزان السماعي 10/8 بجمل حوارية يتم التخلص منه سريعا إلى إيقاع ثلاثي وجمل قصيرة حتى الرجوع للتسليم في نهاية الخانة

4- الخانة الثانية 

يبدو الإيقاع هنا ثلاثيا، ونسمع جملا محددة على مقام الراست في خلفيتها دقات مكتومة تنتهى ويتوقف إيقاعها مع بداية المقطع الحر

5- المقطع الحر  

يبدأ فور انتهاء آخر مازورة من الخانة الثانية الموقعة بجمل حوارية حرة بين الناي والكمان والقانون بمصاحبة الشللو تمهد للختام. يبدأ الناي بسولو مشابه للتقاسيم الحرة يتدرج نزولا إلى نهاية السلم، يستقر بعدها النغم في هدوء على ثالثة المقام في نقلة مقامية منطقية إلى الهزام للحظات تمهد للخانة الثالثة 

ويلاحظ هنا أسلوب استخدام سولو الكمان في الانتقال من الراست إلى الهزام من خلال عدة جمل تركز على ثالثة مقام الراست والتي هي فى نفس الوقت اساس مقام الهزام. يستخدم المؤلف هنا الأسلوب الكلاسيكي الغربي الشائع في سوناتات الكمان، ولولا ارتكازها على ثلاثة أرباع الدرجة لتخيلنا أن الموسيقى لموتسارت وليست لعبد الوهاب! 

المتبع في السماعيات عند نهاية الخانة الثانية العودة إلى التسليم ومنه إلى الخانة الثالثة والأخيرة والتي تكون عادة ذات إيقاع سريع يتخذ من الحركات الثلاث الأولى في ميزان السماعى أساسا له، أي ثلاثة كروشات فينقلب إلى ميزان ثلاثي أو دارج 3/8 ، وبنهاية هذه الخانة يترك الأمر إما للإقفال بها أو العودة مرة أخرى للتسليم فيكون هو النهاية الأخيرة 

ماذا فعل عبد الوهاب في هذه القطعة؟ استبدل التسليم بشيء مختلف هو الأداء الحر لمجموعة من الآلات تقوم بحوار فيما بينها بالعزف المنفرد وهي الناي والكمان والقانون، وتحرر تماما من الميزان والزمن ومن ثم أصبح الطريق مفتوحا أماما تغيير الميزان بزمن جديد هو الثنائي بدلا من الثلاثي

6- الخانة الثالثة - الختام

عدة جمل قوية متعاقبة على إيقاع ثنائي سريع تدور حول ثالثة مقام الراست مؤدية للختام على أساس المقام، وهي جمل حوارية أيضا لكنها في نفس المستوى دون تضاد، وفي الحركة النهائية نلاحظ أثرا آخر للموسيقى الغربية فهي على قصرها شديدة الشبه بنهايات السيمفونيات

التعبير الموسيقي

1- الأسلوب

الملاحظة الأولى بعد الاستماع إلى هذه الموسيقى هي التزامها في معظمها بالمقام الأساسي وتجنب التغيرات الحادة في الانتقالات المقامية والإيقاعية وتقييدها في أضيق الحدود، وهي سمة تخلى عنها عبد الوهاب في المراحل اللاحقة

من الممكن في المواقف الحوارية التعبير عن موقف كل طرف بمقام مختلف، هكذا كان يفعل سيد درويش في حوارياته المسرحية، كذلك التعبير عن اختلاف شعور نفس الطرف فى نقاط مختلفة من الزمن بالانتقال المقامي. وكان يمكن لعبد الوهاب استخدام هذا الأسلوب في هذه القطعة حيث يوفر له ثراء أكثر في التعبير، لكنه على ما يبدو آثر استخدام الطريق الأصعب وهو إظهار تباينات الحوار بأدوات أخرى كتكوين الجمل وتنويع الآلات وتطويع الزمن مع المحافظة على مقامية العمل ككل

ونعتقد أن هدفه من ذلك وحدة الموقف الدرامي والمعنى الإنساني فهو في الأساس يتعامل مع موقف واحد هو العتاب، وإذا سمعنا أن عتابا دار بين شخصين فمن السهل تصور أنه موقف واحد ينتهي إلى اتفاق ولا يتحمل التضاد أو الاختلاف الشديد، وإلا فكيف يكون الخصام أو التحدي أو الصراع ...

2- أدوات التعبير الموسيقي

استخدم عبد الوهاب عدة أدوات لتحقيق مبتغاه التعبيري:

الجمل الموسيقية  -  الآلات -  الزمن  

ويمكننا سماع هذه الآلات منفردة بترتيب ظهورها:

القانون -  الكمان -  الناي

وقد استخدم أداءها المنفرد للتعبير عن:

الحوار بين طرفين -  الحالة النفسية والشعور

كما استخدم الأوركسترا للتعبير عن حالات الشدة والاتفاق وصوت آلة الشيللو الرخيم لإشباع الخلفية

في الإيقاع استخدم في الخلفية الدقات المكتومة فجاءت كأنها أصوات ضربات القلب، وعمد إلى وقف الإيقاع لتغليب الميلودى الحر، كما نوع السرعة بين التأني والإسراع  ثم تسريع أكثر في الختام تعبيرا عن النهاية

3- النسيج التعبيري

لنتخيل أمامنا هذين العاشقين يتحاوران ...

المقدمة

تبدأ الموسيقى هادئة حزينة مقدمة للدخول في الموقف بحركات قصيرة يتخللها تلوين مقامي من الراست إلى النكريز مبالغة في ترقيق الإحساس

تتعاقب الجمل كأنها كلمات على اللسان تعرض موقفا تسيطر عليه العاطفة  .. لا إيقاع ظاهر في هذا الحوار فهو يبدو مسترسلا متقطعا كالحوار البشري لكنه يسير وفق ميزان خفي

التســـليم

في التسليم ينقل تباين الجمل والحركات صورة حية للحوار القائم وكافة انفعالاته، وكذلك التعبير بأصوات الآلات المختلفة للدلالة على أن هناك طرفين يتحاوران من ناحية، ومن ناحية أخرى للتعبير عن شعور كل طرف بطريقة مختلفة

وهو عبارة عن محاورة موسيقية تستخدم كل الوسائل المتاحة، الصياح والهدوء والسرعة والتأني وعلو النبرة وخفضها وطول الجملة وقصرها، والتلوين النغمي خاصة في ثالثة المقام، لكن هناك خيطا رفيعا ربط به عبد الوهاب بين الاختلاف والائتلاف، باستخدامه لوحدة زمنية طويلة تسمح بحرية أكثر في بتشكيل الحركات

لا تأتي المحاورة بالنتيجة المرجوة، فالموقف لم يتغير ولذلك لا بأس من المحاولة مرة أخرى في الخانة الأولى

الخانة الأولى

.. يعود الحوار لهدوء المقدمة وفي خلفيته زمن خفي لا يلحظه المستمع لعدم استخدام الإيقاع، تفشل هذه المحاولة أيضا فيعود الحوار إلى وتيرته الأولى وبنفس الجمل أي يكرر التسليم الموسيقي، والملاحظ أن هذا هو ما يحدث فعلا في مواقف العتاب عادة

الخانة الثانية

تأتي المحاولة الثالثة، هذه المرة يظهر إيقاع قوي لكنه مكتوم فيما يشبه ضربات القلب في خلفية الميلودي الرقيقة، ثم يتوقف مع دخول الناي في المقطع الحر

المقطع الحر

يبدا بصوت الناي السحري الذي يبدو أن قلب الحبيب قد رق له بعد أن سمع دقات القلب المكلوم فنسي ما كان من حوار حاد وتآلف مع المحب في نغمات جديدة ساحرة ناعمة تبشر بنهاية سعيدة لا حاجة بعدها للعودة للتسليم المعبر عن استمرار النقاش

الخانة الثالثة -  الختام

في الختام تعبير قوي عن التصالح وعودة الوئام مع العزف على جميع الآلات في جمل زاهية على إيقاع ثنائي مرح، وهي تتحاور لكن في نفس المستوى دون تباين كبير وكأنهما يغنيان نفس الأغنية، ثم تأتي النهاية قوية حاسمة معبرة عن الرضا التام

واستخدام الأوركسترا الكامل لأداء الختام حتى النهاية ينهي حالة التحاور بجلاء ليحل محلها التوافق والانسجام 

من سمات القديم

1- تقسيم العمل إلى أجزاء يتخللها مقطع متكرر (التسليم)  

2- ميزان السماعيات 10/8 فى عدة أجزاء

3- استخدام أسلوب التقاسيم أحيانا

4- الثبات النسبي للمقام دون تحولات مقامية كبيرة

5- استخدام إيقاع الفالس الثلاثي والكروشات المثلثة في نهايات المقاطع كما هو متبع فى نهايات السماعيات

6- الختام السريع كما في معظم السماعيات

7- التخت التقليدي

( السماعي قالب من قوالب الموسيقى البحتة تركية المنشا، ميزانه الأساسي 10/8 يسمى سماعي ثقيل وهو شائع الاستخدام في الموشحات الأندلسية، ويتكون القالب عادة من مقدمة و 3 خانات وتسليم يتكرر بين الخانات، وغالبا تكون الخانة الأخيرة على ميزان ثلاثي سريع 3/8 )

سمات الجديد

1. الحوار الحر بين الآلات

2. الختام السريع ثنائي الإيقاع فيما يشبه ختام السيمفونيات 

3. إعادة تشكيل الهيكل الموسيقي بحيث تتكسر القوالب الأساسية إلى أجزاء صغيرة يمكن بها إعادة البناء على نحو مختلف. ويبدو أن عبد الوهاب قد أصابه الملل واليأس من الموسيقات التقليدية حتى تيقن أنها لن تأتي بجديد وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وعليه لزم تغيير قوالبها وقواعدها للتمكن من إبداع موسيقى جديدة حقا

4. أولوية التعبير

يظهر  في بناء هذه القطعة الفريدة إصرار مؤلفها على استخدام المحاورة الموسيقية كأسلوب أساسي، ولا نجد فيها إلا قليلا من عناصر الموسيقى الشائعة كالتجريد والزخرفة والإبهار، ويساير هذا الأسلوب الهدف من وضع الموسيقي بالتعبير عن موقف إنساني يشكله حوار بين طرفين لا يجوز فيه أن ينفرد أي منهما بالتعبير، كما لا يجوز النظر إلى الأشياء المحيطة أثناء هذا الحوار وإلا خرج الموقف عن طبيعته

في وسائط تعبيرية أخرى كالرسائل يمكن تخيل عتاب يصدر من طرف واحد دون حوار فوري مع الطرف الآخر، لكن مؤلف الموسيقى هنا لا يطمئن لترك الموقف معلقا، بل يفضل الوصول إلى نهايته بالنهاية السعيدة المرجوة، ثم بهذا إنه لن يضطر إلى تأليف موسيقى أخرى تصور رد المحبوب ثم ثالثة ورابعة لتصوير النقاش أو النتيجة .. هكذا عرض عبد الوهاب تلك الدراما كاملة بعتابها وحوارها ونتيجتها في موقف واحد

ومن السهل تخيل عبد الوهاب يشارك بطلة من بطلات أفلامه هذا الحوار وكأنهما يتبادلان الغناء رغم عدم وجود نص أو كلمات، ويبدو أنه تخيل ذلك فعلا قبل البدء في هذا العمل فهو قريب الشبه بديالوجاته الغنائية في السينما 

ســمات أخرى

تعد موسيقى عتاب من أصعب القطع الموسيقية العربية لعدة أسباب: 

1- استخدام وحدة زمنية طويلة ليس من السهل على المستمع تتبعها وتمييز دقاتها

2- تداخل الجمل السريعة مع الجمل الهادئة

3- عدم إظهار الإيقاع في كثير من المقاطع

4- عدم انتظام الجمل والحركات الموسيقية ، فهي على تباين كبير في الطول

5- التلون الواضح في الجمل من حيث الشدة والرقة فهي ليست مونو تون بأي حال

6- التفاوت الكبير في سرعات الجمل الموسيقية رغم تواليها

7- عدم وضوح الميلودي العام للقطعة رغم سيطرة المقام الأساسي

وهذه العناصر فيما عدا الوحدة الزمنية الطويلة ليست من سمات الموسيقى العربية التقليدية القديمة ولا الموسيقى التركية التي خلفتها، ولا التراث الأندلسي الذي سبقهما، فكلها تعتمد على الانتظام كأساس للعمل الفني فإن لم ينتطم كله انتظمت مقاطعه. ونعتقد أنها، بالإضافة إلى ما ذكرنا من استخدام أسلوب السوناتا في سولو الكمان والختام الأشبه بالختام السيمفوني، نتيجة التأثر بالموسيقى الكلاسيكية الأوربية التي كانت تتخلص من الميلوديات الغنائية شيئا فشيئا إلى أن أصبحت الميلودي دليلا على تخلف الموسيقى واقتصر وجودها على الموسيقى الشعبية في النهاية. ويروى أن فيردي موسيقار إيطاليا العظيم ومؤلف أوبرا عايدة الشهيرة لم يتقبل الجمهور ألحان إحدى أوبراته التي ظن أنها أفضل ما كتب فما كان منه إلا أن توجه إلى الجمهور غاضبا بقوله: أنتم شعب الميلودي!!

تؤدى هذه العناصر مجتمعة إلى صعوبة حفظ الموسيقى لدى سماعها وربما يجد عازفون كثيرون صعوبة في أدائها على نفس النحو من الدقة كما وضعها مؤلفها إن لم تكن مكتوبة، وربما تفسر هذه الأسباب لماذا لم تنتشر موسيقى عتاب كغيرها من مؤلفات عبد الوهاب أو تنل حظا مساويا من الشعبية

والواقع أن موسيقى عتاب تعد من نوع الموسيقى الذي لابد أن يكتب، ولذلك فهي أقرب إلى القوالب الأكاديمية منها إلى اللحنية السماعية المعتمدة على الأذن لتداولها

لكن هذه السمات على سلبيتها الظاهرية هي أهم عناصر العمل نظرا لغرضها التعبيري البحت، وإذا كان هدف عبد الوهاب في هذه القطعة هو التعبير أولا وأخيرا فقد نجح تماما في مهمته، د.أسامة عفيفي، مؤلفات عبد الوهاب الموسيقية، موسيقى عتاب