كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

الثلاثاء، 31 مارس 2020

هل انتهى عصر تلحين القصائد؟

هل انتهى عصر تلحين القصائد؟
شهد تلحين القصيدة عصره الذهبي بداية من ثلاثينات القرن العشرين حتى آخر القرن وسط قفزات هائلة شهدتها جميع الأشكال الغنائية الأخرى على الفنانين الرواد
بدأ تطوير ألحان القصائد على يد سيد درويش ثم محمد عبد الوهاب ثم رياض السنباطي واتخذت القصيدة بفضلهم مكانة عالية على قمة الهرم. وبينما قدم عبد الوهاب قصائده للجمهور قدم رياض ألحان قصائده بصوت أم كلثوم
دفع هذا المد القصائدي ملحنين آخرين لتلحين القصيدة باعتبارها شكلا راقيا من الغناء حتى عم غناء القصائد وشاع وساهمت القصيدة في تشكيل الوجدان العربي بطريقة لم يستطعها أي شكل آخر

تنوعت موضوعات القصائد بشكل كبير وتباينت بين العاطفي والديني والوطني والتاريخي، وارتبط كثير منها بالشعور المجتمعي العام فضلا عن الحس الفردي بحيث تكفي إذاعة قصيدة ما لاستنفار الحس القومي والشعور بالهوية لدى الشعوب العربية خاصة في أوقات الشدائد والأزمات
ظل الحال كذلك حتى اختفي الفنانون الكبار من الساحة في أواخر القرن، ثم بمقدم القرن الواحد والعشرين تراجع إنتاج القصائد بشدة حتى اختفت القصيدة نفسها من الساحة الغنائية

ما الذي حدث وأدى بنا إلى هذه النتيجة؟ سؤال يبحث عن جواب. وفي معرض البحث عن إجابة نواجه سؤالا آخر يقول كيف ولماذا تصدرت القصيدة فنون القرن العشرين؟ فربما نجد في عرض أسباب نجاحها إجابة للسؤال الأول

لماذا نجحت القصيدة في القرن العشرين
يرجع نجاح القصيدة إلى عدة عوامل أهمها ما يلي
1. عبور حواجز اللهجات المحلية
2. التعبير عن قضايا الأمة العامة
3. سيادة استخدام الفصحى في الخطاب المجتمعي الإعلامي والثقافي
4. الجمع بين الشعر القديم التراثي والشعر الحديث
5. شعراء وفنانون ذوو ثقافة عالية وتمكن من اللغة

1. عبور حواجز اللهجات المحلية
لا شك تشكل اللهجات المحلية حواجز عالية بين المجتمعات العربية وعبئا كبيرا على إمكانية نجاح أي عمل فني على مستوى الوطن العربي، فليس من المتوقع انتشار أغنية ما بلهجة خليجية أو مغربية في باقي الدول العربية بنفس انتشارها في موقعها الأصلي، لكن القصيدة بإمكانها التحرك بسهولة في أي بقعة عربية. وإضافة إلى صعوبة تتبع الألفاظ والمعاني هناك بعض المفردات أو الاصطلاحات في اللهجة المحلية لقطر ما لها معنى عكسي أو مدلول سلبي في أقطار أخرى مما يكرس الحواجز بين المجتمعات. هذا لا يحدث مع اللغة الفصحى بل تتفق كل الأقطار على معنى واحد لنفس الكلمة أو العبارة

2. التعبير عن قضايا الأمة العامة
يحتاج التعبير عن قضايا الأمة العامة مثل الموضوعات القومية أو الدينية إلى وسيلة عامة أيضا تحمل الرسالة إلى الجمهور، وليس هناك أفضل من القصيدة للتعبير عن الموضوعات الجادة التي تشترك كل المجتمعات العربية في الاهتمام بها ولتوصيل نفس الرسالة إلى كل الشعوب العربية، فعندما تذاع قصيدة فلسطين لعبد الوهاب أو سلوا قلبي لأم كلثوم نجد الشعور قد توحد تلقائيا ونسي كل منا القطر الذي ينتمي إليه مؤقتا ليتجه بإحساسه إلى الشعور القومي العام

3. سيادة استخدام الفصحى في الخطاب المجتمعي الإعلامي والثقافي
هذا العامل من أهم الأسباب التي تمهد الطريق لاستقبال القصائد والإقبال عليها من طوائف الشعب مهما تباينت مستوياتهم الثقافية. فالإعلام الذي يذيع القرآن الكريم ونشرات الأخبار بالعربية الفصحى يصنع الجو الملائم لكي تأخذ القصيدة مكانة مميزة بين أشكال الفن الغنائي لارتباطها بالنص المقدس أو النص الرسمي
وإذا تابعنا نشرات الأخبار الآن في القرن 21 سنجد نشرات كاملة تذاع بالعامية وبرامج لا تستخدم غير اللهجة المحلية. أضف إلى ذلك كتبا تصدر بالعامية وإعلانات تخاطب الجمهور في الطرق وعلى شاشات التليفزيون وعبر الإنترنت وأجهزة الهاتف المحمول وعلى صفحات الجرائد. هذه الاتجاه إلى استبدال الفصحى بالعامية كان مستهجنا بشدة في الماضي بل لم يكن يجرؤ أحد على سلوكه

وفي أوقات صعبة مثل أزمة وباء كورونا هذه الأيام مع الأسف يخاطب الإعلام العربي، الرسمي وغير الرسمي، شعوبه باللهجة المحلية بعبارات وشعارات وإرشادات لمواجهة الوباء قد تفهم خطأ في بعض البلاد، بينما لا يمكن حدوث ذلك مع عبارة واحدة فصيحة لا تحتمل الخطأ توجه إلى المستمع والمشاهد في أي مكان

يلاحظ أيضا أن نجاح القصيدة في المجتمعات العربية حدث في فترات انتشار الأمية بينما تراجع إنتاج القصائد مع تراجع نسب الأمية في العالم العربي، وتدل هذه المفارقة على ترابط عكسي مريب بين انتشار القصيدة وانتشار الأمية يشير إلى أن الفرد الأمي كان يتذوق القصائد ويستوعبها ويحبها بينما لم يقبل عليها الفرد المتعلم 
وهذا يقودنا مباشرة إلى أهمية استخدام الفصحى في الخطاب المجتمعي الإعلامي والثقافي حتى يعي كل فرد أن هذا هو الأصل والنموذج الأمثل. كما يشير هذا الترابط العكسي إلى أن تعليم اللغة العربية قد هبط مستواه، بالإهمال أو بالإنكار، بحيث لم تحدث القفزة التعليمية أثرا يذكر في زيادة الإقبال على اللغة الفصحى أو استخدامها، بل ربما ساهمت في الابتعاد عنها

4. الجمع بين الشعر القديم التراثي والشعر الحديث
لم يفرق الفنانون في تقديمهم للشعر الغنائي بين القديم والحديث، فكما استمعنا إلى قصائد شوقي وحافظ إبراهيم وعلي محمود طه ونزار قباني وغيرهم استمعنا أيضا إلى قصائد أبي فراس الحمداني وعمر الخيام وصفي الدين الحلي . يرجع الفضل في هذا التواصل إلى الفنانين بالدرجة الأولى فهكذا جاءت اختياراتهم  وهكذا كانوا يشعرون بأن الحاضر ما هو إلا امتداد للماضي وأن الأمة الحالية تحتفظ بنفس قيم ومعاني الأمة السابقة. ويعود الفضل إليهم لأنه لولا اختيارهم وتقديمهم لظلت أشعار القدامى حبيسة الكتب والمكتبات ربما للأبد، ولا حاجة بنا للقول أن هذه الخاصية لا يمكن أن تتوفر لأي لهجة محلية

5. شعراء وفنانون ذوو ثقافة عالية وتمكن من اللغة
لنتأمل من كان يكتب الشعر الغنائي أو القصيدة في القرن العشرين .. إنهم مجموعة من صفوة المثقفين بل والأعلى ثقافة في المجتمع كله. ولنقارن هذا بمن يكتب الأغنية المحلية اليوم، ويكفينا متابعة ما ينتشر هذه الأيام من أغاني لنعلم مدى ثقافة كتاب الأغنية. وعلى الجناح الآخر للأغنية نجد فناني القرن العشرين على مستوى عال في اللغة والثقافة العامة، ولولا ذلك لما استطاعوا تذوق وتفهم الشعر أصلا فضلا عن تلحينه

ألحان القصائد
لم نتطرق في هذا البحث إلى الألحان أو القيمة الفنية لألحان القصائد رغم أهمية ذلك في انتشار القصيدة في القرن العشرين، والسبب أن ألحان الأشكال الأخرى غير القصيدة اكتسبت قيمة عليا أيضا نظرا لكفاءة وموهبة الفنانين القائمين عليها، وتظل قيمتها اللحنية محفوظة بصرف النظر عن محتواها النصي. هذا لا ينفي أن جمال الألحان كان من أهم الأسباب التي تضاف إلى عوامل نجاح القصيدة في القرن العشرن، لكن تلك الألحان كانت ولا تزال سببا هاما في انتشار جميع الأشكال الغنائية. بهذا يتساوى لحن القصيدة مع لحن أي شكل آخر في القيمة ويبقى الفارق الأساسي وهو استخدام الكلمة الشعرية بدلا من الكلمة العامية
ولمتابعة سير لحن القصيدة يمكن الرجوع إلى مقالنا السابق د. أسامة عفيفي في هذا المجال بعنوان "القصيدة" أقدم الأشكال الغنائية العربية وأرقاها
روابط

الجمعة، 28 فبراير 2020

سماعي بياتي إبراهيم العريان

سماعي بياتي إبراهيم العريان
أشهر سماعي في الوسط الموسيقي العربي وأفضل السماعيات تعبيرا عن الموسيقى العربية الكلاسيكية، وسجل على اسطوانة عام 1938 
يشير عنوان السماعي، إلى طريقة تسمية المقطوعات الموسيقية التقليدية حيث يتكون العنوان من اسم القالب أو الشكل الموسيقي "سماعي" ثم اسم المقام أو السلم الموسيقي ثم اسم صاحب أو مؤلف المقطوعة كما في نظام التسمية الغربي، مثلا سماعي بياتي إبراهيم العريان، سماعي راست القصبجي، وهكذا ..
تكوين السماعي 
يتألف السماعي عادة من 3 حركات أو "خانات" بعد مقدمة قصيرة و"تسليم" يكرر بين الخانات
وتستخدم السماعيات ميزان أو إيقاع "السماعي الثقيل" 10/8 دائما، وهو مكون من عشرة أزمنة كل منها نصف وحدة زمنية صغيرة (كروش)، وعادة يستخدم ميزان 3/8 السريع في آخر خانة
سماعي بياتي إبراهيم العريان

تطور السماعي
يشترك السماعي مع قوالب أخرى في مجموعة تنتمي إليها كل المقطوعات الكلاسيكية على الطريقة القديمة في تأليف الموسيقى البحتة التي لا يصاحبها غناء. منها البشرف، اللونجا، المقدمة، الدولاب، التحميلة، التقاسيم 
ورغم أن تلك القوالب ترجع في جذورها إلى المدرسة التركية إلا أنه تم تطويعها للذوق العربي من قبل المؤلفين العرب بطريقة جعلتها تفقد طابعها التركي لتأخذ مذاقا عربيا خالصا
أهم التغييرات التي لحقت بالموسيقى التركية الطابع استخدام نغمة ثلاثة أرباع التون العربية التي تقع في منتصف المسافة تماما بين ترددي نغمتين متتاليتين البعد بينهما تون ونصف، مكان مايسمى بربع التون التركي الذي لا يتوسط تلك المسافة، وإهمال التفاصيل التركية للنغمات بصفة كلية. لاقى هذا التغيير قبولا كبيرا لدى الجمهور العربي الذي يعود استخدامه للربع تون الطبيعي إلى جذور تاريخية قبل الدولة العثمانية
كان بعض مؤلفي هذا النوع من الموسيقى معاصرا لفترة سيادة الفن التركى فجاءت موسيقاهم ذات صبغة تركية وإن استخدمت المقامات العربية. البعض الآخر من الموسيقيين المخضرمين نشط في الثلاثينات والأربعينات ووضعوا موسيقى أقرب كثيرا للذوق العربي وإن كانت على نفس النمط القديم من ناحية الشكل

لكن مع التقدم في القرن العشرين شهدت الموسيقى العربية تطورا كبيرا ولم تعد تتحمل قيود النظام الموسيقي التركي الصارمة، وبالفعل قام محمد عبد الوهاب بكسر هذه القوالب عام 1933 عندما قام لأول مرة بوضع موسيقى حرة لا تتقيد بشكل معين، وأبقى عليها قيدا واحدا من عنده هو اسم المقطوعة. 
كانت هذه الثورة امتدادا طبيعيا لمدرسة سيد درويش التعبيرية في الموسيقى، فأصبح التعبير عن موضوع أو موقف له الأولوية بدلا من الموسيقى البحتة التي تهدف أساسا إلى تصوير الصنعة الجيدة والزخرفة العالية دون وجود موضوع معنوي. واستمرالنحو الجديد إلى يومنا هذا، وقل استخدام القوالب القديمة حتى كادت تنقرض إلا من الأوساط الأكاديمية

ورغم ذلك تظل هذه القوالب التقليدية محك الإجادة بين المؤلفين والعازفين حيث يتبارون جميعا في قالب موحد وبالتالي يتيح مقارنة الأعمال والأداء، بعكس الأعمال الحرة التي لا يمكن مقارنتها بمعايير دقيقة نظرا لاختلاف عناصر تكوينها
المؤلف
يعد إبراهيم العريان (1892- 1953) اسما كبيرا في الموسيقى العربية دون شك، ولا يوجد دارس موسيقى إلا وتعلم عزف هذا السماعي الذي يعتبر بحق من أفضل السماعيات على الإطلاق

كان إبراهيم العريان عازف قانون من الطراز الأول، لكنه أضاف إلى عزفه البارع موهبة أصيلة في التأليف الموسيقي لم يستطع أحد منافستها، حتى أن هذا السماعي الذي يحمل اسمه لاقى إعجابا كبيرا وشعبية واسعة لدى الجمهور فضلا عن الدارسين، ويكاد يكون السماعي الوحيد الذي جرى تقديمه في افتتاح الحفلات العامة بصفة منتظمة في الأربعينات والخمسينات والستينات وعزفته عشرات الفرق. والمدهش أن "اللازمة" الموسيقية في سماعي العريان ظهرت كما هي في ألحان عديدة لكثير من الملحنين حتى الكبار منهم
ولد إبراهيم العريان عام، 1892 وهو نفس العام الذي ولد فيه سيد درويش، ورحل عام 1953 عن 61 عاما بعد أن ترك بصمة واضحة على مسار الموسيقى العربية

في الأربعينات من القرن العشرين قام إبراهيم العريان بتدريس القانون بمعهد الموسيقى العربية بالإسكندرية الذي كان يديره الفنان عباس جمجوم، وهو عازف قانون أيضا. في تلك الفترة زامله الفنان السكندري محمد عفيفي الذي كان يقوم بتدريس العود والمقامات بنفس المعهد، وهو الذي كتب نوتات جميع مؤلفات إبراهيم العريان. 

ويقول عنه محمد عفيفي إنه كان فنانا موهوبا حساسا بالإضافة إلى براعته في عزف القانون، حتى أنه فقط لو "خربش" على الأوتار يصدر أنغاما رائعة تأسر قلوب السامعين. ويسرنا أن ننشر هنا تسجيلا يذاع لأول مرة للأستاذ محمد عفيفي يتحدث عن موهبة إبراهيم العريان
روابط

الأحد، 16 فبراير 2020

كلاسيكيات أم كلثوم - زكريا - يا ليل نجومك شهود

يا ليل نجومك شهود
كلمات احمد رامي  /  ألحان زكريا احمد
مونولوج / مقام صبا الحسيني / فيلم وداد 1936
يشذ هذا اللحن عن الطابع الطربي الذي وسم ألحان زكريا أحمد في الثلاثينات باتجاهه للتعبير أكثر من الطرب
النص
  • يعبر النص عن موقف يغلب عليه الوحدة والحزن، وهو حزين في موضوعه ومفرداته أيضا التي ضمت كلمات وتعبيرات حزينة مثل: لوعتي، أنيني، مدمعي، شكيت، بكيت، واسيت، ضاع الأمل
  • النص من قالب المونولوج، أي لا يضم أية أجزاء مكررة ولا عودة لأي من شطراته
  • نص قصير نسبة إلى النصوص المغناة بصفة عامة وهو في ذلك يشبه المواويل
  • لا توجد قوافي منتظمة في النص، على عكس عموم النصوص الغنائية والشعرية، وهي سمة غريبة على الشعر العربي الذي يشتهر بقوافيه، فصحى كان أو عاميا، وإن كانت موجودة في الشعر الأوربي الذي يهتم بالوزن فقط. وقد لا يكون من السهل تقبله لكن ربما ساهم اسم أحمد رامي الكبير وريادته لقالب المونولوج في ظهوره للضوء
التعبير
الحزن .. الحزن .. الحزن .. التعبير السائد نصا ولحنا وموسيقى
استخدم زكريا عدة أدوات للتعبير عن النص
·       المقام الموسيقي
مقام صبا مصور على درجة الحسيني "لا" أي بانخفاض درجتين ونصف عن السلم الأصلي. ومقام الصبا مقام حزين بطبعه واختياره يشير إلى علاقته بجو الكلمات
·       المقدمة
مقدمة موسيقية حزينة للغاية بضيف إلى حزنها سولو الناي الحزين 
·       الإيقاع 
زاد من حزن اللحن الرتم البطيء بل شديد البطء
·       اللحن
لحن تعبيري إلى حد كبير يصور الصورة المعنوية ويقتفي أثر الكلمات. فهو يوحي بليل طويل حزين ليس فيه غير الوحدة والأنين والدمع، ولا أنيس سوى الليل والنجوم
·       الغناء
في هذا الجو التعبيري لا يوجد محال لاستعراض صوت المطرب ولذلك خلا اللحن من فرص التطريب المزخرف والقفلات الصادحة
·       القالب
يلتزم الملحن بالخط المتواصل لقالب المونولوج فلا لإعادة ولا تكرار لأي مقطع

تحولات في المقام
هناك محاولة لكسر مقام الصبا الحزين في استهلال الغناء باستخدام سلم العجم بفتح الدرجة الرابعة أو "عُربة" الصبا إلى الدرجة الطبيعية بدلا من الناقصة، لكن الغناء يعود سريعا للصبا مع كلمة "لوعتي"
يستمر اللحن على المقام الأساسي حتى قبيل الختام
مسار مقام الصبا 
مقام الصبا له مسار غريب لكنه شائع الاستخدام، يتميز بإطالة السلم إلى إلى جواب الدرجة الثالثة، أي الدرجة العاشرة بدلا من الثامنة كما هو معتاد في جميع السلالم. وتكون الدرجة العاشرة ثامنة أوكتاف مختلف يبدأ من الثالثة إلى العاشرة. 
يترجم هذا التركيب في مقام الصبا الأصلي الذي ينتهي طبيعيا في درجة "المحير" أو "ري" العليا إلى استخدام "ري" الناقصة لتكوين جنس حجاز على السابعة "الكردان / دو" لينشأ بذلك  سلم جديد مكون من حجازين متتاليين كما في سلم مقام الحجازكار. أي ينشأ مقام حجازكار على النغمة الثالثة لمقام الصبا، ولتكملته يكون تمامه صعودا عند الدرجة جواب الجهاركاه أو "فا" العليا، وهي العاشرة ترتيبا في الصبا الطبيعي

الآن وقد تم تصوير المقام الأساسي "الصبا" في هذا اللحن على درجة الحسيني "لا" سيتم تصوير كل هذه التغييرات بنفس الطريقة. استخدم زكريا هذا التكوين لاحقا في لحنه الشهير لأم كلثوم من نفس المقام "هو صحيح الهوى غلاب" في العبارة "أهل الهوى وصفوا لي دواه" وكذلك فريد الأطرش في أغنية الربيع في العبارة "وأنغامه بتسكرنا أنا وهو مافيش غيرنا". وكما ذكرنا هناك ألحان أخرى عديدة بها نفس التكوين لمقام الصبا
الختــام
في الختام يحيد اللحن قليلا عن مقام الصبا إلى النهاوند على نفس درجة الركوز ثم في آخر حركة إلى مقام شاهناز. يمكننا سماع نفس الحركة الختامية بتحولاتها في اللحن الشهير "ع الحلوة والمرة" غناء عبد الغني السيد من ألحان محمود الشريف

بهذا اللحن تنتهي سلسلة ألحان زكريا لأم كلثوم من الطقاطيق والمونولوجات في الثلاثينات التي بدأت عام 1931 ويتبقى قصيدتان وخمسة أدوار، ليبدأ عام 1940 مرحلة جديدة تماما في التلحين لأم كلثوم
يا ليل نجومك شهود عن لوعتي
سمعت أنيني وشافت مدمعي
يا ما شكيت لك سهادي في الدجى
يا ما بكيت لك وواسيت الضنى
بين الهوى والزمان ضاع الأمل
يا ريت ليالي الهنا ترجع لنا

الثلاثاء، 4 فبراير 2020

كلاسيكيات أم كلثوم - زكريا - يا بشير الأنس

يا بشير الأنس
كلمات أحمد رامي  /  ألحان زكريا أحمد
مونولوج / مقام فا ماجير / إيقاع فالس
فيلم وداد 1936
أحد ثلاثة ألحان لزكريا أحمد غنتها أم كلثوم في فيلم وداد وهي: يا بشير الأنس / مونولوج، ياليل نجومك شهود / مونولوج، أيها الرائح المجد / قصيدة
المقدمة
·       مقدمة "سلّمية" أي تتألف من عدة سلالم صاعدة وهابطة على مقام فا ماجير وهو مقام عجم مصور على درجة "فا" أو الجهاركاه ولذلك يسمى عجم الجهاركاه. والتكوين السلّمي تكوين قديم بسيط حل محله الدراما الموسيقية المعتمدة على الحوار الموسيقي والجمل المتقابلة في الألحان الحديثة
·       إيقاع ثلاثي (فالس)
الغناء
·       يتغير المقام مع أول بيت في الغناء إلى بياتي الحسيني لكن مع التركيز على جنس العجم في البياتي بما لا يبعد المقام كثيرا عن جو المقدمة
·       يتحول  الغناء إلى مقام نهاوند على الدرجة الرابعة لسلم بياتي الحسيني "دوكاه"، وهو اشتقاق طبيعي من المقام، ثم يعود إلى البياتي
·       الانتهاء بمقام العجم كما كانت البداية، في نهاية تذكرنا بموشح كامل الخلعي الشهير "في هوى حاوي البها" من نفس المقام وعلى نفس الإيقاع
الإيقاع
·       إيقاع ثلاثي (فالس)
·       يجري اللحن كله على إيقاع ثابت دون تغيير

الأداء
بعد التزام تام بحدود اللحن وهدوئه تفاجئنا أم كلثوم قبل الختام بقليل باستعراض صوتي يبرز مقدرتها على أداء تفاصيل صوتية صعبة للغاية فيما يطلق عليه "العُرب" (جمع "عُربة") وهي تفاصيل زائدة يتقنها المطربون المحترفون القدامى ليست مكتوبة في أصل اللحن

يا بشير الأنس غنّي     واطرب الروح والخيال
ردد الألحان وهنّي     كل عاشق بالوصال
مين في حبه شاف عذاب     واغتراب زي انا
وارتضى طول الغياب     عن حبيبه وان ضنى
مين في حبه شاف هنا زي انا
الزمان فرق ما بيني وبين حبيبي من سنة
واجتمعنا واللقا كان من نصيبي والهنا
مين في حبه شاف هنا زي انا     بعد بعده عن ضناه
نال مناه في هواه     والهوى كل المنى 

روابط 

الاثنين، 3 فبراير 2020

أم كلثوم في الذكرى 45 فن القمة

رحلت كوكب الشرق أم كلثوم في مثل هذه الأيام قبل 45 عاما، تحديدا عام 1975، لكن فنها لم يرحل. فهو ليس فقط فنا حاضرا ومنتشرا وإنما مازال حتى الآن على القمة الفنية التي اعتلتها أم كلثوم عبر كفاح طويل لإعلاء شأن الفن في المجتمع ولمد الشعوب العربية بكنوز من الإبداع والتعبير أصبحت جزءا من الثقافة والهوية العربية في العصر الحديث

كيف أعلت أم كلثوم من شأن الفن؟ الجواب ببساطة أنها اختارت أفضل ما يغنى من كلمات واختارت لها أفضل الألحان من أكبر الملحنين. اختارت أيضا أن تلبي نداء الأمة في أوقات الشدة وأوقات الرخاء لتعبر بأعانيها الوطنية عن وجدان الشعب ومشاعره، كما اختارت أن تحتفظ دائما بصورة الفن المحترم والفنان المحترم الذي يعتد بنفسه ويحترم أمته وثقافتها وتاريخها الطويل

لم تصبح أم كلثوم أيقونة في عالم الفن من فراغ، فقد كانت رحلتها رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر السياسية والاجتماعية والصحية، والفنية أيضا إذا نظرنا إلى المنافسة القوية التي أحاطت بأم كلثوم من الفنانين القدامى والجدد، واستطاعت أن تثبت أنها جديرة بالقمة طوال الرحلة. اعترت فن أم كلثوم فترة وجيزة من الفن التجاري في عشرينات القرن العشرين إبان موجة خططت لها سلطات الاحتلال كما حدث مع معظم الفنانين في ذلك الوقت، لكنها سرعان ما انتبهت إلى المخطط ونبذته للأبد، بل انطلقت تفتش في كنوز الشعر العربي المليئ بالحكمة والسمو، لتمد به جسور خلاقة بين الماضي والحاضر

بدأت أم كلثوم احتراف الغناء عام 1924 وسجلت آخر لحن لها عام 1973 وبذلك يتم لها نصف قرن من الغناء. لم يمنعها تقدم السن من مواصلة العطاء، بل ربما اكتسب صوتها رنينا أكثر سحرا في أواخر أعمالها

قدمنا في كلاسيكيات الموسيقى العربية عدة سلاسل لأعمال أم كلثوم حتى الآن أهمها ألحان رياض السنباطي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب وصبري النجريدي، وأمامنا عدة سلاسل أخرى قادمة لألحان محمد القصبجي وداود حسني وبليغ حمدي ومحمد الموجي وكمال الطويل سنواصل تقديمها تباعا بإذن الله مقرونة بالكلمات والشرح والتحليل، مع إسقاط الضوء على خصائص ألحان كل فترة وكل لحن بما يمد القارئ والمستمع والباحث بالتفاصيل الكافية لكل عمل وأسرار نجاحه  
روابط

السبت، 1 فبراير 2020

كلاسيكيات أم كلثوم - زكريا - شجاني نوحي

شجاني نوحي
كلمات أحمد رامي  /  ألحان زكريا أحمد
مونولوج / مقام بياتي الحسيني 1936
يشهد عام 1936 استمرارا لسلسلة جديدة من ألحان زكريا أحمد لأم كلثوم بدأت بلحن واحد عام 1935، تضم من القوالب القديمة 6 أدوار، ومن القوالب الحديثة ظهر المونولوج. لكن تغيير القالب كان في النص فقط دون الألحان التي احتفظت بالطابع المحافظ لألحان زكريا في الثلاثينات
التكوين اللحني
يلتزم زكريا أحمد بمعالجة نص المونولوج المعالجة المناسبة بعدم تكرار أي بيت أوشطرة أو جملة لحنية من أول النص لآخره. ويشير هذا إلى احترام للبناء الشعري للمونولوج، وهو باختصار استرسال الأبيات في تسلسل بحيث لا يجزأ النص إلى مقاطع كما هو الحال في الطقطوقة مثلا. يستلزم هذا أن يجري اللحن من جملة إلى أخرى دون تكرار أي جزء. والمونولوج في هذا التكوين يشبه القصيدة إلا أنه يصاغ بالعامية وليس بالفصحى

المقام الأساسي
مقام بياتي الحسيني لا يختلف عن البياتي الطبيعي إلا في المنطقة الصوتية التي يتصاعد فيها السلم. فبينما يبدأ البياتي الطبيعي من درجة الدوكاه "ري" وينتهي في جوابها أي "ري" العليا، يبدأ بياتي الحسيني من درجة "لا" الدنيا لينتهي في "لا" الوسطى . بهذا الشكل يستطيع المطرب أداء النغمات العليا والتحكم فيها بسهولة. 
وفي هذا اللحن يصل صوت أم كلثوم إلى درجة "المحيّر" أو "ري" العليا دون مجهود. في مقام البياتي الطبيعي تعادل هذه الدرجة جواب النوا أو "صول" العليا وهي درجة صعبة المنال عند معظم المطربين بمن فيهم أم كلثوم

تحولات مقامية
بعد مقدمة قصيرة من المقام الأساسي يبدأ الغناء بقفزة نغمية من درجة الركوز إلى الدرجة السادسة في السلم في نفس المقام، لكنه يتحول بعد قليل إلى مقامات أخرى في الطريق قبل أن ينتهي بعودة للمقام الأساسي 
·       بياتي الحسيني
·       نهاوند دوكاه
·       شاهناز
·       عودة لبياتي الحسيني
·       صبا الحسيني
·       عجم الجهاركاه
·       شوري الحسيني
·       راست دوكاه (لا يوم وافاني)
·       نهاوند دوكاه (افضل أعلل نفسي)
·       راست دوكاه (والقلب مات)
·       بياتي الحسيني / المقام الأساسي (جواب) ..
·       إنهاء في الجواب (يا ريت تدوم الأماني)
ورغم كثرة التحولات يلاحظ أنها جميعا تغييرات إلى سلالم مشتقة من بعضها وهي تغييرات شائعة ومتوقعة في مقام البياتي. يلاحظ أيضا استخدام الملحن للفواصل الموسيقية القصيرة تمهيدا لتغيير المقام أو لتأكيده
شجاني نوحي بكيت ياريت بكايا شفاني
طالت عليّ ياريت وغلّبتني الأماني
أمل يلوح في خيالي يفرح به قلبي الحزين
وتطول عليّ الليالي وبرضه طيفه ضنين


لا يوم وافاني وشفت نوره
ولا يوم صافاني وبان لي خيره
أفضل أعلل نفسي وأقول يمكن يصادف يوم وتنول
العمر فات في أمل وخيال
والقلب مات من كتر ما مال
وفضلت بعد الملل عندي أمل في الأمل
با ريت تدوم الأماني

الخميس، 30 يناير 2020

كلاسيكيات أم كلثوم - زكريا - آه يا سلام

آه يا سلام
كلمات حسن صبحي  /  ألحان زكريا احمد
دور / مقام راست النوا 1935
أم كلثوم تعود إلى ألحان زكريا
هدنة فنية 3 سنوات بين زكريا وأم كلثوم بعد عمل دؤوب لعامين متتاليين
هل يحدث تغيير ما؟
هل سيقدم زكريا شيئا جديدا كالذي يقدمه القصبجي وعبد الوهاب؟
لنلقي نظرة على الساحة الفنية وقتها ونرى ماذا كان يحدث

من كان يلحن لأم كلثوم؟ 
داود حسني : آخر لحن 1932
أم كلثوم / تجربة التلحين : 1932 
السنباطي  : لم يكن السنباطي معروفا بعد 
محمد القصبجي : يلحن لأم كلثوم بانتظام منذ عام 1924
إذاً لم يكن في الساحة سوى محمد القصبجي
يستمر القصبجي في تيار تحديث الألحان الذي بدأه عام 1928 بمونولوج "إن كنت اسامح" لأم كلثوم ويضيف صوت أسمهان إلى قاطرته عام 1931

على الجانب الآخر تواجه أم كلثوم عبد الوهاب مطربا وملحنا في منافسة شديدة
يبدأ عبد الوهاب موجة تحديث القصيدة من 1933 بقصيدة "جفنه علم الغزل" إلى "سهرت" عام 1935 ويهز عرش لحن القصيدة التقليدي بشدة

تجد أم كلثوم نفسها بين تيارين: التيار التقليدي المحافظ يمثله زكريا أحمد، وتيار التحديث يمثله محمد القصبجي بالإضافة إلى منافسها الأكبر محمد عبد الوهاب
أما تجربة أم كلثوم في التلحين فقد توقفت عنها تماما عام 1934 بعد محاولتين ولم تعد إليها مطلقا

بين القديم والحديث
في هذا الموقف اتخذت أم كلثوم 3 خطوات باتجاهات متعاكسة
الخطوة الأولى عام 1931 عندما اتجهت بقوة إلى تيار زكريا أحمد وسجلت 11 لحنا له في عامين فقط، أي بمعدل لحن كل شهرين وهو معدل عال بكل المقاييس. كان زكريا بالنسبة لأم كلثوم ملحنا جديدا غزير العلم بالتراث، وكان اختيارها له لتعويض خزانة الملحنين الأقدمين الآخذة في النضوب، النجريدي وأبو العلا وداود حسني، وهو نفس السبب الذي جعلها تفكر في التلحين لنفسها
الخطوة الثانية عام 1932 عندما توقفت لمدة 3 أعوام عن ألحان زكريا
الخطوة الثالثة عام 1935 بعودتها لزكريا أحمد
الخطوة الثانية هي ما يهمنا في هذا السياق، أي لماذا بعدت عن زكريا 3 سنوات بعد عامين من شبه التفرغ لألحانه
الإجابة تكمن في الخشية من نجاح تيار التحديث الذي قاده عبد الوهاب بالذات مطربا وملحنا، ولمواجهة التحديث بالتحديث لابد من الاستعانة بالقطب الآخر محمد القصبجي، فتتوقف أم كلثوم عن الانشغال التام بألحان زكريا لتلجأ إلى القصبجي للحاق بركب الحداثة الذي سبق لهما ارتياده معا بنجاح عام 1928
بالفعل تنشغل أم كلثوم من جديد بألحان محمد القصبجي فيقدم لها 7 ألحان في قالب حديث "المونولوج" من عام 1932 إلى 1935

عودة إلى السؤال هل أتت العودة إلى ألحان زكريا بجديد؟
الإجابة لم يحدث تغيير
فاللحن الذي عادا به عام 1935 يعتبر ردة شديدة إلى الطرب القديم حتى أنه ملئ بآثار من ألحان الموشحات
إذا ما الذي يمكن أن يدفع أم كلثوم للعودة للقديم رغم صعود نجم التحديث؟ وهل نجحت هذه الخطوة؟
الإجابة أن الفن القديم لا يفقد بريقه أبدا، بدليل نجاحه في كل مرة يعود فيها إلى الساحة، ويعود نجاحه إلى أن الطرب فن متجذر في المجتمع لما له من تأثير عاطفي هائل يتعدى بكثير تأثير الكلمات ومعانيها، فهو فن يصل إلى مستوى الموسيقى البحتة، ويستطيع احتواء أي كلمات توضع له، مثله في ذلك مثل التقاسيم الآلية التي لا يصاحبها كلمات بالمرة، أو ألحان القدود التي تقدم كل مرة بكلمات مختلفة

معنى هذا أن نجاحه مضمون نسبيا ولا يتأثر كثيرا بالمغامرة التي ينطوي عليها تقديم ألحان حديثة قد تعجب أو لا تعجب الجمهور
وإذا اتفقنا على أن الجميع، مطربون وملحنون وشعراء، يخاطبون الجمهور في النهاية فلا ضير من مخاطبة الجمهور بشيء يكسب مشاعرهم حتى ولو كان فنا قديما

لذا تعود أم كلثوم التي تخشى منافسة عبد الوهاب وأسمهان لتلجأ إلى ألحان زكريا الطربية دون تردد فتقدم عدة أدوار لزكريا أحمد الذي لم يعد غيره يلحن الأدوار بعد أن توقف عنها عبد الوهاب عام 1932. دور "آه يا سلام" 1935 ثم ثلاثة أدوار عام 1936 هي "إمتى الهوى"، "ابتسام الزهر" و "مين اللي قال" وتضيف إلى القائمة دورين آخرين لزكريا عام 1938. وبين هذا وذاك تدخل أم كلثوم إلى عالم السينما لأول مرة بفيلم "وداد" ويكون لزكريا أحمد نصيب وافر في هذا الظهور السينمائي بثلاثة ألحان تميل إلى التيار المحافظ

أما السؤال هل نجحت خطوة أو خطط العودة للقديم فإجابته أنها حققت نجاحا مؤقتا، أما مستقبليا فالإجابة قطعا بالنفي .. فلم يمر وقت طويل حتى هجر الجميع كل القديم، وبحلول عام 1940 سار كل الفنانين في تيار التحديث بكل قوة ووضوح بمن فيهم أم كلثوم وزكريا نفسه

دور "آه يا سلام"
ينتمي هذا الدور إلى فن القرن 19 بامتياز، وكأننا نستمع إلى عبده الحامولي. والسبب ليس بالطبع في صوت أم كلثوم وإنما في اللحن الذي صاغه زكريا أحمد على نسق الطرب القديم بكل طوابعه
ملامح من الفن القديم
·       قالب قديم / الدور
·       طرب خالص
·       سيطرة المقام الأساسي
·       قفلات احترافية متقنة
·       آثار من ألحان الموشحات
·       سيطرة المطرب على العمل، خاصة بالقفلات الاحترافية المخصصة للمطرب

اختزال فقرة الردود
رغم احتواء قالب الدور على مقاطع من الغناء الجماعي يلاحظ اختزال ردود الكورس لصالح أداء المطرب حتى أن أصوات الكورس لا تسمع لأكثر من 30 ثانية في عمل زمنه نحو 6 دقائق، أي أن فقرة الغناء الجماعي أصبحت مجرد حلية بدلا من أن تكون ذروة العمل كما هو المعتاد في الأدوار القديمة، وهو اتجاه تم تكريسه في فترة الثلاثينات أشرنا إليه سابقا في معرض الحديث عن أدوار زكريا لأم كلثوم، وساهم في تخفيض زمن الدور إلى النصف

النسخ من ألحان أقدم
الفاصل الموسيقي أو "اللازمة" الموسيقية قبل البيت "حبيت يا قلبي ..." هي نسخة طبق الأصل من اللازمة الموسيقية في موشح "يا ترى بعد البعاد" لسيد درويش
الجملة اللحنية المتصاعدة في "لما انكويت" نسخة من الجملة المتصاعدة الشهيرة "والدمع بيفيض من عيني .. غصبٍ عني" في لحن "الليل يطوّل" لزكريا أحمد نفسه

هكذا كانت عودة أم كلثوم إلى زكريا أحمد تكريسا للقديم وإمعانا في استمالة الجمهور عن طريق الطرب الخالص .. استمر هذا الوضع مع زكريا طوال الثلاثينات، لكن أم كلثوم استمرت في التعامل مع القصبجي لتحصل على توازن بين القديم والحديث فيما تقدمه .. أما في الأربعينات فقد تغير الجميع نحو الأحدث بفعل التجارب الفنية الجديدة التي أطلقها عبد الوهاب والقصبجي لنحو عقد من الزمان وكان من شأنها تغيير مزاج الجمهور الذي بدأ يهفو إلى التحديث

آه يا سلام زاد وجدي آه     والصبر طال من غير أمل
كوى الهيام قلبي وضناه     واللي كواه عنه انشغل
إمتى الجميل يصنع جميل     وافرح واقول حبي عدل
آه يا سلام زاد وجدي آه

حبيت يا قلبي وإيه رأيت     غير الأسية والهوان
وبتشكي ليه لما انكويت     يا ما نهيتك من زمان