كلاسيكيات الموسيقى العربية * أرشيف * استماع *  تحميل *  نقد فنى *  تحليل موسيقى* أفلام * صور *  تسجيلات * كلاسيكيات الموسيقى العربية
كلاسيكيات الموسيقى العربية * الخمسة الكبار * سيد درويش * محمد القصبجى * زكريا أحمد * محمد عبد الوهاب * رياض السنباطى * نجوم الغناء العربى * أم كلثوم * عبد الوهاب * فيروز * عبد الحليم * ألحان التراث * موشحات * قصائد * أدوار * كلاسيكيات الموسيقى العربية

السبت، 12 ديسمبر، 2009

لحن الخلود، بانادى عليك، تحليل موسيقى

لحن الخلود - بانادي عليك - تحليل موسيقي
فيلم لحن الخلود 1952
ألحان فريد الأطرش
التحليل الموسيقي: د.أسامة عفيفي
المقام الأساسي ري مينير - نهاوند مصور


أهم وأجمل ما في لحن هذه الأغنية المسماة أيضا بلحن الخلود هو المقدمة الموسيقية ولذلك سنقصر هذا التحليل الموسيقي عليها نظرا لانطوائها على محاولة جادة للأخذ بالشكل العالمي فى صياغة موسيقى عربية
لنستمع معا إلى هذه المقدمة التى تستغرق أربع دقائق ونصف ، حوالى ربع زمن الأغنية الكلي البالغ 16 دقيقة تقريبا 

بانادي عليك - لحن الخلود 
ألحان فريد الأطرش - كلمات مأمون الشناوي
تتكون المقدمة الموسيقية من ثلاث حركات
الحركة الأولى
زمن الحركة دقيقتان وعشر ثوان
1- افتتاح قوي بقالب سيمفوني التكوين والأداء يؤديه الأوركسترا يبدأ بدقات على نموذج دقات السيمفونية الخامسة الشهيرة لبيتهوفن "القدر" ، ويعتمد على جمل ميلودية شرقية الطابع تذكرنا بألحان سيمفونية شهرزاد لكورساكوف
2- التكوين الأوركسترالي: تكوين سيمفوني كامل، وهو تكوين غربى تقليدي للموسيقى الكلاسيكية لا تستخدم فيه الآلات الشرقية
3- الجمل الحوارية: تجري عدة حوارات موسيقية في الحركة الأولى:
* حوار سريع بين الآلات النحاسية والوتريات وآلة التيمباني الإيقاعية يختتم بسولو هادئ لمجموعة الشللو تمهيدا للمقطع الثاني في جملة ترتكز على الدرجة الخامسة للمقام
* حوار بطئ بين مجموعات آلات منفردة هي الفلوت ومجموعة الأبوا ومجموعة الساكسفون ينتهى على أساس المقام
* حوار سريع بين الأوركسترا ومجموعات الآلات النحاسية الترومبون والكورنو تنهيه ردود من مجموعات الساكسفون والأبوا والشللو تتدرج في الهدوء حتى تتوقف الموسيقى تماما على الدرجة الخامسة الدنيا للمقام

اختار فريد أن يبدأ بداية قوية سريعة بكامل الأوركسترا ثم تبعها بجمل ميلودية هادئة أصبحت أكثر هدوءا بدخول سولو الفلوت وحوار الآلات المنفردة، لكنه أعاد لحن الفلوت باستخدام الأوركسترا الكامل بطريقة أسرع ثم استخدمت ردود من مجموعات الترومبون والكورنو لتكملة الحوار الموسيقي

وإذا قارننا هذا الأسلوب بما هو متبع في القالب السيمفوني العالمى نجد المؤلف قد اختار أحد نوعين من البدايات السيمفونية، وهو البداية القوية التي تهدأ بعد حين، وفضل ذلك على الأسلوب الثاني وهو البداية الهادئة التي تتصاعد لتصل إلى ذروة اللحن. وربما كان ذلك بسبب أن اللحن أصلا موضوع لأغنية وإذاَ فلابد للتمهيد للغناء بهدوء الموسيقى عند النهاية
لكن فريد لم يستطع الفكاك من الختام القوي التقليدي للقالب السيمفوني فقد خانته النهاية واستسلم تماما لوضع ذروة اللحن في نهاية الحركة الثالثة كما سنرى لاحقا

الحركة الثانية
زمن الحركة دقيقة واحدة ، زمن لحن الحركة الأساسي هو ربع دقيقة تقريبا ، معاد ثلاث مرات
الحركة شرقية بحتة من حيث اللحن والمقام والإيقاع والآلات والأداء
1- اللحن: لحن شرقي راقص ينقلنا في مفاجأة تامة إلى نغمات شرقية تماما بأداء يقرب إلى أداء التخت ، وبالفعل تسكت الموسيقى الأوركسترالية لحين التمهيد لعودتها مرة أخرى في الحركة الثالثة
2- المقام: تتوالى الجمل الرئيسية على مقام الحجاز الشرقي التقليدي بما فيه من استخدام ربع التون ، ومقام الحجاز هنا ليس في مكانه الأصلي ولذلك يسمى حجاز مصور على الحسيني أي على درجة لا ، وهو اشتقاق طبيعي من المقام الرئيسي يرتكز على الدرجة الخامسة له
3- الإيقاع: إيقاع شرقي راقص على الوحدة الصغيرة وباستخدام آلات إيقاع شرقية
4- الآلات: تستخدم القانون والناي والرق مع خلفية تؤديها الوتريات بأنواعها
5- الأداء: يلاحظ التركيز على وضوح صوت أوتار القانون بشرقيتها العارمة ، وتركت للعازف الحرية التامة في استخدام تكنيك الأصابع الشرقي ، كما يلاحظ فصل الإيقاع الشرقي عن إيقاع الأوركسترا والاعتماد عليه لإظهار الطابع الراقص الخفيف
الجملة التمهيدية للحركة الثانية الراقصة وردت نسخة منها موسيقى وغناء في لحن فريد "ياجميل ياجميل" بعدها بثلاث سنوات في المقطع "تشغلني وتحيرني .. مالقاش اللى يصبرني" ، الجملتان متطابقتان تقريبا لحنا وزمنا وإيقاعا ولا أحد يدري لماذا كرر فريد هذه الجملة المميزة فى لحنين مختلفين!

الحركة الثالثة
زمن الحركة دقيقة وربع
من المؤكد أن الانتقال إلى الحركة الثالثة كان معضلة واجهت المؤلف عند وضع هذه الموسيقى فهو أمام خيارين:
- أولهما الاكتفاء بالحركتين الأولى والثانية ، وفي هذه الحالة سيفقد الترابط بين الحركتين وستبدو الموسيقى كأنها قطعتان منفصلتان بلا بناء درامي
- ثانيهما العودة إلى الأداء السيمفوني للوصول إلى ذروة ختامية سيمفونية للتواصل مع البداية السيمفونية من ناحية ولخلق بناء درامي يربط الموسيقى كلها من ناحية أخرى ، وللعودة إلى المقام الرئيسي الذى بدأ به اللحن والذي سيبدأ به الغناء أيضا ، لكن هذه معضلة أخرى ، إذ أن الإشكال كان في كيفية العودة ثم فى كيفية الانتهاء
ولنبحث الآن كيف استطاع فريد التغلب على هذه العقبات مع المحافظة فى الوقت نفسه على جمال الموسيقى بدون تصنع أو "لف ودوران"

1- العودة إلى المقام الرئيسي: هذا كان أسهل ما في الأمر ، إذ أنه يستطيع ذلك بجملة قصيرة تخرج به من مقام الحجاز المصور إلى مقام ري مينير القريب ، ولا يكلفه ذلك أكثر من النزول خمس درجات للاستقرار دون تغيير أي نغمة في السلم
2- العودة للأداء السيمفونى من أداء التخت الشرقي: هنا أيضا كان المؤلف أمام اختيارين، إما أن يعيد الحركة الأولى كما هي ، وإما أن يضع حركة جديدة دون أن يظهر كمن يقوم بالقص واللصق إذ أنه من السهل وضع حركة جديدة ولكن الأصعب ربطها بانسجام مع سابقتيها
توصل فريد إلى حل بارع لهذا الإشكال الذي فرضه على نفسه باختياره أصلا لقالب غير شرقي طموحا منه إلى مجاراة الموسيقى العالمية ، فقد اهتدى إلى توظيف إيقاع جديد هو الفالس للحركة الثالثة ، والحقيقة إن الفالس كما هو إيقاع غربي شائع في الموسيقى العالمية فهو إيقاع شرقي قديم ، ولهذا عندما يقلب الإيقاع إليه يتم قبوله بسهولة فى الحالتين
وهكذا ، وببراعة تامة ، أنهى فريد جملة الحجاز الشرقية بالدخول مع آخر نغمة في فالس سريع ينتبه إليه بقية الأوركسترا فورا حيث سيعمل الآن في وسط ملائم ، فقد تغير المقام إلى المينير وهو مستعمل فى الشرق والغرب ، وتغير الإيقاع إلى الفالس وهو شرقي وغربي
بقى أن تصاغ جملة لحنية مميزة تساهم في خلق ذروة النهاية ، وفعلا نجح فريد في ذلك بل وتم له صياغة اللحن هنا على نفس اللحن الذى ستغني به الكلمات داخل الأغنية وعلى عنوان الأغنية نفسه "بانادي عليك" في حواره مع الكورس ، وهذا من شأنه ربط الغناء بالمقدمة الموسيقية التي ربما ينساها السامع مع الاستطراد في الغناء
أكمل فريد الصورة بإشراك الكورس مع الأوركسترا، وخيرا فعل ، فأداء الجملة الأخيرة في صورة آهات حوارية بين الأصوات الرجالية والأصوات النسائية ثم اشتراك المجموعة في حركات سلمية سريعة متتابعة يوحي بقرب الوصول إلى نهاية الحركة

ولعلنا نلاحظ هنا أداء الكورس العالي ، هذه الأصوات لم تجمع من فراغ وإنما كلهم دارسون للموسيقى ويعلمون ما المطلوب منهم ويعلمون أيضا كيفيات الأداء الجماعى بينهم ومع الأوركسترا ، نلاحظ أيضا قوة أصوات الكورس ووضوحها وانسجامها التام فيما بينها من ناحية الطبقات الصوتية وطريقة الأداء فهي تغني وكأنها صوت واحد ، هذا الأداء العالي للكورس كان سمة من سمات تلك الفترة فقد استخدمه عبد الوهاب والقصبجي ورياض السنباطي والموجي وكمال الطويل ومحمود الشريف بنجاح تام ، هذا الأداء لم يعد متوفرا الآن
.
فيم نجح فريد؟
دعونا نتساءل هل نجح فريد بعد كل هذا الجهد في التوفيق بين الشكل العالمي والشكل الشرقي للموسيقى؟ وهل نجح في تطبيق الشكل الجديد أو الصيغة التوافقية الجديدة على الغناء؟
للإجابة على ذلك نعود إلى سماع نهاية المقدمة ثم الأغنية نفسها فنلاحظ عدة ملاحظات:

1- أن فريد نفسه قد أنهى هذه المقدمة الخيالية على المسرح وبدأ الحديث للجمهور كأنه انتهى من شيء وسيدخل في شيء آخر ، وهذه يعيدنا إلى ما ذكرناه في أول هذا التحليل ، د.أسامة عفيفى ، حول وجود معضلة موسيقية هي حتمية الاختيار عند صياغة نهاية المقدمة المؤلفة على الشكل السيمفوني بين النهاية التقليدية القوية للسيمفونيات، أو جملة الختام التى ستنتزع التصفيق من الجمهور، وبين التمهيد للغناء الرقيق الذي ستبدأ به الأغنية وهو ما لا يتماشى مع القالب السيمفوني. الواقع أن فريد قد استسلم للاختيار الأول تماما بل وجرؤ على إعلان انتهاء الموسيقى قبل الشروع في الغناء كماجاء فى الفيلم السينمائي مخاطبا الجمهور

2- السياق الغنائي للأغنية فيما عدا الآهات ولحن الفالس المتكرر ، بدا في جو تقليدي مختلف تماما عما كانت عليه موسيقى المقدمة ، ولا مكان هنا لتصور إمكانية إشراك الأوركسترا السيمفوني بكامل إمكانياته فى أي شيء أثناء غناء فريد ، والواقع أن الأوركسترا ظل صامتا إلى قبل نهاية الأغنية بخمس ثوان ليعلن نهاية اللحن

3- لم يكرر فريد هذه التجربة رغم أكثر من 30 فيلم ومئات الألحان ، وليته فعل بل وليته أكثر منها بشكل أو بآخر فهي تجربة ، وإن استغرقت بضع دقائق ، غنية بإمكانيات كبيرة وبجماليات عالية من المؤكد أنها تساهم في الارتقاء بالذوق العام وتقرب لنا أشكالا من الموسيقى العالمية لم تتعودها الأذن العربية
لكن لماذا لم يكرر فريد التجربة؟
الإجابة باختصار تكمن في أن التلحين شيء وتأليف الموسيقى البحتة شيء آخر ، وفريد قدم نفسه للجمهور كملحن وليس صانع موسيقى بالدرجة الأولى. ولو أنه اختار أن يستمر فى التأليف الموسيقي لربما سمعنا منه أشياء جميلة ومتقنة الصنع كهذه المقدمة ولكن إصراره على تقديم نفسه كمطرب أيضا ، وفى نفس العمل ، اضطره إلى الاتكاء على الطرب الشرقي الخالص كمدخل للجمهور الذى يعشق الطرب وينتظره ، وهذا بالطبع يجره جرا إلى صياغة ألحانه على الطريقة التقليدية المونوفونية ، وانضمامه إلى قائمة المطربين لم يكن لأن أحدا دفعه إلى ذلك بل لهوى شديد فى نفسه

قد يقول قائل إن عبد الوهاب قد فعل مثل ذلك ، ونقول إن عبد الوهاب ، دون الدخول فى أي مقارنة بين صوته وصوت فريد ، كان أيضا يعشق الغناء والطرب وقد أخطأ نفس الخطأ وانجرف بشدة نحو الغناء الفردي حتى عندما تقدم به السن ، وذلك رغم أن مساهمات عبد الوهاب في الموسيقى البحتة أكثر بكثير من مساهمات فريد وأغزر منها تجربة
نضيف إلى ذلك أنه تقليديا وأكاديميا لا توجد علاقة بين الغناء الفردى التقليدي أو الشعبي ، أي الأغنية الفردية ، والموسيقى الكلاسيكية السيمفونية ، حتى في جمهورهما فيما عدا قلة من المستمعبن تستمع بنفس الدرجة من الحماس للنوعين ، ولم يكن من المتصور قبل تقديم فريد لها القالب أن يتم دمج النموذجين معا في عمل واحد. وكما قلنا فهي تجربة لم يكررها فريد نفسه ولم يقدم عليها فنان آخر ، وهناك فرق بين أداء لحن أو توزيعه ليتم أداؤه بالأوركسترا الكامل كما حدث لكثير من الألحان الشرقية ، وبين وضع موسيقى بحتة في القوالب الكلاسيكية العالمية مثل الكونشرتو أو السيمفونية أو غير ذلك ، والحقيقة أنه لا يمكن تصنيف مقدمة لحن الخلود تحت أي من القوالب العالمية المعروفة ، ولذلك انتمت المقدمة إلى الأغنية وظلت تعرف باسمها

4- يتضح لنا عند سماع الموسيقى العربية التي لا تستخدم ربع الدرجة أو ربع التون أنها لا تختلف عن الموسيقى العالمية في شيء من ناحية الصياغة اللحنية ، لكنا فقط نستطيع تذوق الموسيقى الأساسية وتبقى الصياغة التكنيكية أو التوزيع والهارموني شيئا جديدا دائما. وفي هذه المقدمة نجح فريد في وضع جمل لحنية مؤثرة عاطفيا في المستمع العربي واستخدم في أدائها أعلى الإمكانيات التي يمكن أن تتوافر لها ، لكنه لم يستطع فعل شيء مع بقية لحن الغنوة التقليدي الذي استخدم فيه مقامات الراست والبياتى الشرقية ، والتي لم توضع لها قواعد هارمونية حتى الآن ، ولا مع الأداء الشرقي الخاص للمقاطع الغنائية الذي تشابه في بعض أجزائه مع قالب الموال ، والمفارقة أنه لم يستطع فصلهما أيضا وتقديم كل منهما كعمل مستقل ، وربما لو فعل لكان اختيارا أفضل ، ورغم ذلك فقد نال شرف المحاولة على أي حال

5- هناك بعض الأغاني الشرقية ، لفريد وغير فريد ، اشتهرت بمقدماتها الموسيقية الموزعة أوركستراليا ، وكثير منها جاء بنفس الفصل الحاد بين المقدمة كموسيقى واللحن الغنائى ، مثلما فى أغنية عاشق الروح وغيرها لعبد الوهاب ، لكن لم يظهر فى أي منها هذا الأداء الأشد قربا للشكل السيمفوني وبقيت ينظر لها على أنها موسيقى شرقية موزعة على أكثر تقدير ، ولاختبار ذلك هناك تجربة بسيطة هي تجربة أداء الموسيقى على آلة واحدة، فإن أمكن عزفها بالكامل فهي موسيقى غنائية ، وإن لم يمكن فهي موسيقى قد وضعت أساسا للأوركسترا

ولو فتشنا في تلك الفترة سنجد نماذج تتقارب مع النموذج الذي حاول تقديمه فريد في لحن الخلود ، فقد شاع فيها استخدام الأوركسترا الكامل ، وهناك أمثلة لاستخدام أصوات الكورس النسائية فى مجموعات كبيرة على إيقاع الفالس الشبيه بفالس النمسا الأوربي في أغنيات غنتها ليلى مراد مثل قلبى دليلي للقصبجي وحبيب الروح للسنباطي ، وسنجد أيضا استخدام الآهات بأصوات الكورس الرجالي في عاشق الروح لعبد الوهاب وغيرها أمثلة كثيرة ، ولا بد أن فريد حاول إخراج أفضل ما لديه في ظل هذه المنافسة القوية ، كانت فترة بلا شك غنية بالتجارب والابتكارات المميزة واتسمت بإصرار الفنانين على تحقيق تقدم ما وتقديم موسيقى متطورة وأداء أفضل
لحن الخلود تحليل موسيقي: د.أسامة عفيفي - لحن فريد الأطرش
.